قراءة في كتاب المسئولية المجتمعية

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ترسل الدكتورة هلا السعيد من خلال مؤلفها “المسؤولية المجتمعية ودورها في تنمية وتحقيق الاستقرار في المجتمعات” رسالة بالغة الوضوح والعمق، مفادها أن المسؤولية المجتمعية ليست مجرد ترف فكري، أو شعارات براقة ترفعها المؤسسات في مناسبات عابرة، وليست أيضاً مجرد إحسان عشوائي أو عمل خيري مؤقت، بل هي الركن الأساسي لبناء المجتمع، والدعامة الجوهرية لاستقراره واستمراره.

تحاول الكاتب إيقاظ الوعي الفردي والمؤسسي بأن غياب هذا المفهُوم يعني بالضرورة تفكك عرى التضامن، والانزلاق نحو الفردية المفرطة وشريعة الغاب التي تغيب فيها قيم التعاون والإيثار.

الرسالة هنا هي دعوة لإعادة هندسة الوعي الإنساني، بحيث يتحول الواجب المجتمعي من عبء مفروض إلى سلوك يومي أصيل وثقافة مجتمعية متجذرة تنبض في وجدان الأجيال الناشئة.

يقوم البناء الفكري للكتاب على منظومة مترابطة من المفاهيم التي تعالج إشكالية الاستقرار والتنمية من زاويتها الإنسانية والمؤسسية، وتبدأ الكاتب بوضع تعريفات دقيقة تحدد بدقة ماهية المسؤولية المجتمعية، وتفصل بينها وبين مفاهيم متداخلة كالعمل التطوعي والعمل الخيري التقليدي، لتظهر الجانب المنظم والمؤسسي لها، ويطرح الكتاب فكرة أن الدول والمجتمعات لا تستقر بالقوانين وحدها، بل بالنسيج الأخلاقي والتكافلي الذي يربط بين أفرادها، حيث تتقلص الفوارق وتتراجع حدة الأزمات بفضل التكاتف الواعي.

كما ربطت المؤلفة الأفكار الكبرى للكتاب بالرؤية التنموية الحديثة؛ إذ لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية بمعزل عن بناء الإنسان وتأهيله ليكون عنصراً فاعلاً ومسؤولاً عن محيطه البيئي والاجتماعي، ويخصص الكتاب مساحة تحليلية واسعة لمسألة التنشئة وكيفية نقل هذه الثقافة إلى وجدان الأبناء لتصبح جزءاً من هويتهم وسلوكهم الاعتيادي.

بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند عليها الكاتب وهي أن استندت الدكتورة هلا السعيد إلى مزيج فريد يجمع بين الرصانة الأكاديمية والتجربة الميدانية الواسعة في هذا المجال الحيوي، مما منح الطرح واقعية بعيدة عن التنظير المجرد، ولم تقصر الكاتب بحثها على جانب دون آخر، بل ربطت بين المفاهيم النظرية، والأدوار المؤسسية، والمسؤولية الفردية، وطرق التنشئة الأسرية والمجتمعية، والانطلاق من التحديات المعاصرة التي تواجه المجتمعات في ظل التغيرات المتسارعة، وتبيان كيف يمكن للمسؤولية المجتمعية أن تكون طوق نجاة لمواجهة الأزمات والكوارث والاضطرابات التنموية.

يستهدف الكتاب شريحة واسعة ومتنوعة من القراء وصناع القرار في المجتمع، وتحديداً الباحثون والأكاديميون في حقول علم الاجتماع، والإدارة، والتنمية المستدامة، حيث يعد مرجعاً مفاهيمياً رصيناً، والقيادات المؤسسية ورجال الأعمال ومدراء إدارات المسؤولية المجتمعية في الشركات والقطاع الخاص، لتوجيه جهودهم نحو استدامة الأثر المجتمعي.

كما يستهدف الكتاب العاملون في القطاع التطوعي والخيري الراغبون في تطوير أدواتهم والارتقاء بعملهم من العشوائية إلى الأطر المؤسسية المدروسة، والآباء والأمهات والمربون وكل مهتم ببناء جيل يتحلى بالوعي والانتماء والقدرة على تحمل المسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي نقاط القوة، وتميز الكتاب بلغة سلسة وعميقة في آنٍ واحد، وقدرة فائقة على تبسيط المفاهيم المعقدة وربطها بالواقع المعيش، فضلاً عن التنظيم المحكم للفصول والقدرة على الإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي تتبادر إلى ذهن القارئ فور الشروع في القراءة. كما تحسب للكاتب شجاعتها في طرح إشكالية غياب المسؤولية وتداعياتها الكارثية على استقرار المجتمعات، ونقاط الضعف أو التحديات التحليلية، و نظراً لطبيعة الكتاب الشمولية، فقد ترغب بعض القطاعات المتخصصة في التعمق أكثر في آليات القياس الكمي لعائد المسؤولية المجتمعية على الاستثمار المجتمعي ، إلا أن هذا لا يُعد عيباً جوهرياً بقدر ما هو محاولة لتغطية إطار عام واسع بطبيعته.

تثير قراءة الكتاب تساؤلات نقدية وفكرية جديرة بالنقاش المستمر، من أبرزها الخط الفاصل بين دور الدولة ودور المجتمع إلى أي مدى يمكن للمسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص والأفراد أن تعوض تراجع دور الدولة الرعائي في بعض الظروف، دون أن يتحول ذلك إلى إعفاء الحكومات من التزاماتها الأساسية؟، وآليات القياس والمحاسبة، كيف يمكن تقييم نجاح مبادرات المسؤولية المجتمعية بمعايير موضوعية تمنع تحولها إلى مجرد أدوات دعاية وتسويق إعلامي للمؤسسات؟، واستدامة المبادرات في التحدي الأكبر المتمثل في تحويل الحماس الآني للمبادرات المجتمعية إلى مشاريع مستدامة لا تتأثر بتغير القيادات أو الظروف الاقتصادية الطارئة.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

البطاقة التعريفية للكتاب:

  • العنوان: المسؤولية المجتمعية: ودورها في تنمية وتحقيق الاستقرار في المجتمعات
  • المؤلف: د. هلا السعيد
  • دار النشر: دار جامعة حمد بن خليفة للنشر
  • بلد النشر: دولة قطر
  • الطبعة: الأولى
  • سنة النشر: 2021
  • عدد الصفحات: 353 صفحة
  • ISBN: 9789927151873

 

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *