قراءة في كتاب الذكاء العاطفي— Emotional Intelligence— دانيال جولمان

 

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

كل إنسان يعرف معنى أن يكون ذكيا، لكن هل يكفي الذكاء وحده لكي ينجح الإنسان في عمله وعلاقاته وحياته؟، هذا هو السؤال الذي ينطلق منه دانيال جولمان في كتابه ، الذي أصبح من أشهر الكتب التي أعادت النظر في الطريقة التي نفهم بها النجاح والقدرات الإنسانية، فالشخص قد يمتلك درجات مرتفعة في اختبارات الذكاء، ومع ذلك يفشل في إدارة غضبه أو التعامل مع الآخرين أو مواجهة الضغوط، بينما يستطيع شخص اخر بقدرات عقلية عادية أن يحقق نجاحا كبيرا لأنه يعرف كيف يفهم مشاعره ويسيطر عليها ويقرأ مشاعر المحيطين به.

يرى جولمان أن الإنسان لا يعيش بعقله وحده، فالعاطفة جزء أساسي من طريقة تفكيرنا واتخاذنا للقرارات وتكوين علاقاتنا، والمشكلة ليست في وجود المشاعر، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها، فالخوف قد ينبه الإنسان إلى الخطر، والغضب قد يدفعه إلى الدفاع عن نفسه، والحزن قد يجعله أكثر قدرة على فهم فقدان الآخرين، لكن هذه المشاعر تصبح مشكلة عندما تسيطر على السلوك وتمنع الإنسان من التفكير الهادئ.

ويشرح الكتاب أن الذكاء العاطفي يقوم على مجموعة من القدرات المترابطة، تبدأ بالوعي بالذات فالإنسان يحتاج أولا إلى أن يعرف ماذا يشعر ولماذا يشعر بذلك، كثير من الناس يتصرفون تحت تأثير الغضب أو الخوف أو الإحباط دون أن يدركوا أن مشاعرهم هي التي تقود قراراتهم، أما الشخص الأكثر وعيًا بذاته فيستطيع أن يلاحظ مشاعره قبل أن تتحول إلى تصرف، فيمنح نفسه فرصة للتفكير والاختيار بدلا من الاستجابة التلقائية.

بعد الوعي بالذات تأتي القدرة على إدارة المشاعر، ولا يقصد جولمان أن الإنسان يجب أن يخفي غضبه أو حزنه أو خوفه، بل أن يتعلم تنظيم هذه المشاعر حتى لا تتحول إلى قوة تقوده. فالهدوء ليس غياب الغضب، وإنما القدرة على التعامل معه بطريقة لا تؤدي إلى قرارات يندم عليها الإنسان لاحقا، ومن هنا تصبح السيطرة على الانفعالات مهارة يمكن تطويرها بالممارسة، وليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان أو يحرم منها.

 

ويربط جولمان بين الذكاء العاطفي والدافع الداخلي أيضا، فالإنسان الذي يستطيع تأجيل الإشباع الفوري من أجل هدف أكبر يمتلك قدرة مهمة على النجاح، الدراسة والعمل وتطوير المهارات وتحقيق الأهداف كلها تحتاج إلى الصبر والاستمرار، وليس إلى الرغبة في الحصول على مكافأة فورية، ولذلك فإن القدرة على التحكم في الرغبات قصيرة المدى يمكن أن تساعد الإنسان على الاستمرار عندما تكون النتائج بعيدة.

 

ومن أهم أفكار الكتاب كذلك التعاطف، أي القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتقاط الإشارات العاطفية التي قد لا تُقال بالكلمات، فالتواصل الإنساني لا يعتمد فقط على الجمل التي ينطق بها الشخص، وإنما أيضا على نبرة صوته وتعبيرات وجهه وطريقة تصرفه، والشخص الذي يستطيع قراءة هذه الإشارات يصبح أكثر قدرة على فهم الآخرين والتعامل معهم.

وهنا ينتقل الكتاب من علاقة الإنسان بنفسه إلى علاقته بالمجتمع، فالذكاء العاطفي يظهر بوضوح في العلاقات الإنسانية، سواء داخل الأسرة أو بين الأصدقاء أو في بيئة العمل، القدرة على الاستماع، وفهم وجهة نظر الآخر، وإدارة الخلاف، والتعبير عن الغضب دون تدمير العلاقة، كلها مهارات تجعل التواصل أكثر نجاحا.

ويشير جولمان إلى أن العواطف تؤثر في طريقة تفكيرنا أكثر مما نتصور، فالإنسان الغاضب قد يرى الموقف بصورة مختلفة تماما عن الشخص الهادئ، والشخص الخائف قد يفسر تصرفا عاديا باعتباره تهديدا، لذلك فإن إدارة المشاعر لا تعني فقط تحسين العلاقات، وإنما يمكن أن تساعد أيضا على اتخاذ قرارات أكثر توازنا.

ويتناول الكتاب تأثير الذكاء العاطفي في العمل والقيادة، حيث لا يكفي أن يمتلك المدير المعرفة والخبرة إذا كان عاجزا عن التعامل مع فريقه، القائد يحتاج إلى فهم مشاعر الآخرين، وتحفيزهم، وإدارة النزاعات، والتواصل بوضوح، ومعرفة متى يتحدث ومتى يستمع ولهذا يرى جولمان أن بعض المهارات العاطفية قد تكون حاسمة في النجاح المهني بقدر المهارات التقنية والمعرفية.

ومن الأفكار المهمة في الكتاب أن الذكاء العاطفي ليس قدرا ثابتا، فالإنسان يستطيع أن يطوره من خلال التعلم والممارسة يمكن أن يتعلم مراقبة مشاعره، وتأجيل رد الفعل، والاستماع للآخرين، وفهم دوافعه، والتعامل مع الخلافات بطريقة أكثر هدوءا، وهذا يجعل الكتاب مختلفا عن النظرة التقليدية التي تختزل قدرات الإنسان في درجة واحدة للذكاء.

كما يلفت جولمان الانتباه إلى أهمية التربية في تشكيل هذه القدرات، فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر تسمية مشاعره والتعبير عنها وفهم مشاعر الآخرين تكون لديه فرصة أفضل لتطوير مهاراته الاجتماعية والانفعالية، لذلك لا يرى المؤلف الذكاء العاطفي مجرد وسيلة لتحقيق النجاح الفردي، وإنما مهارة يمكن أن تؤثر في الأسرة والمدرسة والمجتمع بأكمله.

والرسالة الأساسية للكتاب أن النجاح الإنساني أكثر تعقيدا من مجرد امتلاك عقل سريع أو معرفة واسعة الإنسان يحتاج إلى أن يعرف نفسه، ويفهم مشاعره، ويضبط اندفاعاته، ويستطيع التعاطف مع الآخرين، ويحافظ على علاقاته، ويستمر في السعي نحو أهدافه رغم الإحباطات، هذه القدرات مجتمعة تصنع ما يسميه جولمان الذكاء العاطفي.

ومن نقاط قوة الكتاب أنه جعل موضوع المشاعر جزءا أساسيا من الحديث عن الذكاء والنجاح، وقدم للقارئ طريقة مختلفة لفهم السلوك الإنساني، كما أن أفكاره قريبة من الحياة اليومية، لأن القارئ يستطيع أن يرى نفسه في مواقف الغضب والغيرة والخوف والضغط والخلافات العائلية والمهنية، أما أحد الجوانب التي يمكن مناقشتها فهو أن بعض الطروحات الواسعة حول تأثير الذكاء العاطفي في النجاح تحتاج إلى التمييز بين ما تدعمه الأدلة العلمية بقوة وما يمثل تفسيرا أو تعميما أوسع، خصوصا أن مجال الذكاء العاطفي نفسه شهد نقاشات علمية حول تعريفه وطرق قياسه.

في النهاية، لا يقدم الذكاء العاطفي دعوة إلى التخلص من المشاعر، بل إلى فهمها، فالمشكلة ليست أن الإنسان يغضب أو يحزن أو يخاف، وإنما أن يسمح لهذه المشاعر بأن تتولى القيادة دون وعي، وحين يتعلم الإنسان أن يتوقف لحظة، ويفهم ما يحدث داخله، ثم يختار الطريقة التي يريد أن يتصرف بها، يصبح أكثر قدرة على إدارة حياته وعلاقاته، وربما تكون الفكرة الأهم في الكتاب أن النجاح لا يحدث فقط عندما يعرف الإنسان ماذا يفعل، وإنما عندما يعرف أيضا كيف يتعامل مع نفسه ومع الآخرين أثناء قيامه بذلك.

يناسب الكتاب كل من يهتم بعلم النفس وتطوير الذات والعلاقات الإنسانية، كما يفيد العاملين في الإدارة والقيادة والتعليم والتربية، وكل شخص يريد فهم مشاعره وردود أفعاله بصورة أفضل. وهو مناسب أيضًا للقارئ الذي يبحث عن تفسير أعمق لأسباب نجاح بعض الأشخاص في التعامل مع الآخرين رغم أن النجاح لا يرتبط دائما بالقدرات العقلية التقليدية وحدها.

 

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

العنوان: الذكاء العاطفي: لماذا يمكن أن يكون أهم من نسبة الذكاء

المؤلف: دانيال جولمان

دار النشر: Bantam Books

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1995

عدد الصفحات: نحو 352 صفحة، بحسب الطبعة

ISBN: 9780553383713

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *