من المؤسف أن الشعب المصري الذي يعيش علي مياه النيل لا يعرف طريقه الي دول الجنوب التي تشهد طفرة اقتصادية جعلتها حديث العالم باثره خذ لذك مثلا دولة رواندا احدي دول منابع النيل الأبيض التي خرجت عام 1996 من حرب اهلية طاحنة أودت بحياة 800 الف مواطن..لتعيد بناء اقتصادها علي أسس عصرية جعلت العالم يختار عاصمتها كيجالي أنظف عاصمة في افريقيا لعام 2017.
بعد أن نجح الرئيس بول كاجامي، الذي تولي السلطة عام 2000، في تنويع مصادر الدخل القومي، وتقليص الاعتماد الكبير على الزراعة كمصدر للدخل واستيعاب القوي العاملة، باتجاهه نحو اقتصاد أكثر تنوعًا شمل الخدمات، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والصناعة، إلى جانب الزراعة.
مما جعل بلاده واحدة من أكثر الدول الأفريقية جذبا للمستثمرين، جنبا الي جنب مع دولة جنوب أفريقيا..واتخذها خبراء الاقتصاد في العالم نموذجًا أفريقيًا صاعدًا يستحق الدراسة، فهي دولة صغيرة المساحة، لا تتجاوز مساحتها نسبة محدودة من مساحة مصر، وقليلة السكان نسبيًا، لكنها تمتلك تأثيرًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي، سواء في منطقة البحيرات العظمى أو شرق ووسط أفريقيا أو في محيط دول حوض النيل.
ولا يمكن تجاهل العلاقات الدولية التي أسهمت في دعم مسار التنمية الرواندي، ولا سيما علاقاتها مع عدد من القوى الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين. وقد توسع الحضور الاقتصادي والاستثماري الصيني في رواندا بصورة ملحوظة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المصالح المتبادلة التي صاحبت هذا الدعم، وما يمكن أن تطلبه القوى الدولية مقابل انخراطها في دعم مشروعات التنمية والبنية الأساسية في دولة تشهد هذا التحول السريع.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في مفهوم العلاقات المصرية مع دول الجنوب، وعدم اختزال حركة المصريين في الهجرة أو الاستثمار في الدول العربية والاتحاد الأوروبي فقط. فدول شرق ووسط أفريقيا أصبحت تمثل أسواقًا واعدة وفرصًا استثمارية متنامية، كما بات لها وزن متزايد في القضايا والقرارات المرتبطة بالتعاون الإقليمي ودول حوض النيل.
وتكتسب رواندا أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر بالنظر إلى مواقفها من ملف مياه النيل، إذ كانت من الدول التي دعمت مسار اتفاقية عنتيبي، كما اتخذت موقفًا رافضًا للاعتراف ببعض الترتيبات التاريخية الخاصة بمياه النيل. وإلى جانب ذلك، تمتلك رواندا قدرات عسكرية مؤثرة في محيطها الإقليمي، وسبق لقواتها أن شاركت في صراعات وتدخلات داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية، بما يعكس اتساع نطاق حضورها الإقليمي مقارنة بحجمها الجغرافي.
ورغم هذه الأهمية، لا تزال العلاقات الشعبية والإعلامية بين مصر ورواندا محدودة، ولا يعرف الشعبان بعضهما البعض بالقدر الكافي الذي يسمح ببناء جسور حقيقية من التواصل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. كما أن ضعف التبادل الإعلامي المباشر جعل الجمهور في البلدين يعتمد بدرجة كبيرة على وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الدولية في التعرف إلى الطرف الآخر، بدلًا من الحصول على الصورة من مصادر محلية ومباشرة.
ومن ثم، تبدو الحاجة واضحة إلى وضع رؤية مصرية متكاملة لتعزيز الحضور الشعبي والثقافي والإعلامي في رواندا، بالتوازي مع العلاقات الرسمية والاقتصادية. ويمكن أن تبدأ هذه الرؤية من السياحة باعتبارها إحدى أهم أدوات التعارف بين الشعوب، خصوصًا أن رواندا تتمتع بمقومات طبيعية وسياحية مميزة، من بينها منتزه أكاغيرا الوطني، وغابات نيونغوي المطيرة، ومنتزه البراكين الوطني، الذي يُعد موطنًا للغوريلا الجبلية وواحدًا من أبرز المقاصد الطبيعية في القارة الأفريقية.
كما تزخر رواندا بالأنهار والبحيرات والمسطحات المائية، ومن أبرز أنهارها كاجيرا وأكانيارو وروزيزي، إلى جانب عشرات البحيرات الطبيعية. ويمكن توظيف هذه المقومات في بناء برامج سياحية وإعلامية مشتركة، وإنتاج أفلام وثائقية وأعمال درامية تسهم في تعريف المصريين بالمجتمع الرواندي، وفي الوقت نفسه تقدم صورة أكثر قربًا عن مصر للشعب الرواندي.
إن تعزيز السياحة والتبادل الإعلامي والثقافي يمكن أن يشكل مدخلًا لتطوير العلاقات الاقتصادية، ويمهد لإقامة شراكات وشركات ومشروعات استثمارية مصرية في رواندا، فضلًا عن توسيع نطاق التواصل بين رجال الأعمال والمؤسسات والمجتمع المدني في البلدين.
فالعلاقات بين الدول لا تعتمد علي الحكومات والاتفاقيات الرسمية وحدها بل يلزمها حضور شعبي وثقافي وإعلامي مستدام. ومن دون بناء هذا النوع من الحضور، ستظل قدرة القوة الناعمة المصرية على التأثير في محيطها الأفريقي محدودة، خصوصًا في دولة تزداد أهميتها الاستراتيجية داخل منطقة منابع النيل وشرق ووسط أفريقيا، وتعمل على ترسيخ مكانتها كإحدى الدول الأفريقية الصاعدة.







