طالما كانت الأزمة الكبرى في مشهدنا الاقتصادي ليست شح الأفكار أو انعدام الرؤى، بل تلك الفجوة العميقة التي تفصل بين الفكرة على الورق والمنتج على الرف، فكم من مشروع واعد مات في الأدراج المغلقة، لا لشيء إلا لأن صاحبه لم يجد الجسر الذي يوصله إلى رجل المال، أو اصطدم بعقبات تنظيمة جعلت تحويل الفكرة إلى مشروع ملموس أمرًا معقدًا؟.
ومن هنا بالضبط، تكمن الجاذبية الحقيقية لمؤتمر “بكرة” المقرر عقده في الثالث من شهر أكتوبر المقبل بقاعة الماسة بدار المشاة؛ فهذا المؤتمر لا يبدو مجرد محفل صحفي لإعادة سرد المشكلات، بل يحمل شعارًا يلامس جوهر الاحتياج الاقتصادي الراهن: “من الفكرة إلى الإنتاج”.
ولا شك أن الاقتصادات الناشئة لا تُبنى بالخطب والمؤتمرات الاستعراضية، بل بالحلول العملية والإرادة التنفيذية، وما يحسب لهذه المبادرة برعاية موقع “بكرة” ومشاركة هذا الحشد من الاقتصاديين وصناع القرار ورجال الأعمال هو وضعها لخريطة طريق تبدأ من نقطة التلاقي بين طرفي المعادلة المتمثلين في المبتكر ورائد الأعمال الذي يملك الفكرة الجريئة والحل الذكي، لكنه يفتقد للتمويل وخبرة النفاذ إلى السوق، فضلًا عن المستثمر ورجل الأعمال الباحث عن فرصة استثمارية حقيقية تتجاوز النمطية وتضمن عائدًا مستدامًا، علاوة على الإعلام وصانع القرار لتفكيك العقبات وتذليل المساحات البيوقراطية التي تعطل الانطلاق.
وفي ظل المتغيرات الاقتصادية المتسارعة، لم يعد الاقتصاد المصري يملك رفاهية الأفكار المؤجلة، لأن التحول نحو الإنتاج المحلي وتوطين الصناعات والخدمات بات ضرورة قصوى لتخفيف الضغوط المالية وبناء قوة ذاتية، وهذا التحول لن يحدث إلا عندما يجد رأس المال طريقه لتمويل الأفكار الجادة بشكل مباشر وميسر.
ولذلك فأن الرهان في مؤتمر “بكرة” ليس على جودة الكلمات التي ستُقال داخل القاعة، بل على مدى القدرة على ترجمة تلك النقاشات إلى ورقة عمل ومسار تنفيذي يخرج من باب القاعة ليتحول إلى خطوط إنتاج ومصانع وفرص عمل حقيقية، ومؤتمر “بكرة” الذي ننتظره جميعًا لا يبدأ بالوعود، بل يبدأ من لحظة تحويل الفكرة إلى منتج يحمل علامة “صُنع في مصر”.







