بقلم – آية عثمان
لم يعد المستثمر الخليجي اليوم يبحث عن مشروع يَعِد بعائد مرتفع فحسب، بل عن فرصة قادرة على الصمود والنمو وصناعة قيمة طويلة الأجل، فمع اتساع دور صناديق الثروة السيادية وتزايد الاستثمارات العابرة للحدود، تغيّر السؤال من: “كم سأربح؟” إلى: “ماذا سيضيف هذا الاستثمار إلى محفظتي واقتصادي وشبكة أعمالي؟”.
وتكشف اتجاهات الاستثمار في الخليج خلال عام 2026 أن رأس المال أصبح أكثر انتقائية، مع تركيز واضح على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية واللوجستيات والصناعات الاستراتيجية، وفي النصف الأول من العام استحوذت السعودية والإمارات وحدهما على نحو 65% من نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ في المنطقة بينما تصدرت قطاعات التكنولوجيا والإعلام والاتصالات النشاط بـ76 صفقة بزيادة 41% على أساس سنوي.
المستثمر الخليجي أصبح أكثر اهتمامًا بجودة الفرصة نفسها، نموذج أعمال واضح، إدارة قادرة على التنفيذ، سوق قابل للنمو، وتدفقات نقدية يمكن توقعها؛ وهذا يعني أن الشركات التي تبحث عن رأس مال خليجي لم تعد تستطيع الاكتفاء بعرض أرقام المبيعات والأرباح بل تحتاج إلى الإجابة عن سؤال أكثر أهمية وهو “لماذا هذا المشروع مهم خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة؟” فالمستثمر طويل الأجل يريد أن يرى إمكانية التوسع، وقدرة المشروع على بناء ميزة تنافسية يصعب تقليدها وليس مجرد فرصة مؤقتة تستفيد من موجة سوقية عابرة.
أحد أبرز التحولات أن اهتمام رأس المال الخليجي بالذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرًا على الاستثمار في شركات التطبيقات أو الشركات الناشئة بل يمتد إلى البنية التحتية التي تجعل الذكاء الاصطناعي ممكنًا مثل مراكز البيانات والطاقة والألياف والحوسبة والخدمات الرقمية.
وتشير بيانات منشورة في 2026 إلى أن صناديق الثروة السيادية استثمرت نحو 66 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية خلال 2025، مع توجه متزايد نحو الأصول التي تقع في قلب منظومة الذكاء الاصطناعي، وهنا تظهر رسالة مهمة للشركات العربية: “المستثمر الخليجي لا يبحث بالضرورة عن تطبيق جديد وإنما قد يبحث عن الشركة التي تحل مشكلة حقيقية داخل الاقتصاد الرقمي.
رغم التحول الاقتصادي الكبير في دول الخليج، لم تختفِ الطاقة من خريطة الاستثمار لكنها أصبحت مرتبطة بمفاهيم أوسع مثل أمن الإمدادات، كفاءة الطاقة، الطاقة المتجددة، الهيدروجين، وتطوير البنية التحتية.
والتطورات الجيوسياسية الأخيرة عززت أهمية الاستثمار في الموانئ وخطوط الأنابيب ومسارات التجارة البديلة، ما يجعل المرونة اللوجستية وأمن سلاسل الإمداد من الملفات التي يمكن أن تستقطب مزيدًا من رأس المال.
قد تكون إحدى أهم الإجابات عن سؤال “ماذا يريد المستثمر الخليجي؟” هي أنه يريد أن يملك جزءًا من الطريق الذي تتحرك عبره التجارة، فالموانئ، والمناطق اللوجستية، والتخزين، والنقل، وسلاسل التوريد والبنية الرقمية أصبحت أصولًا استراتيجية، خصوصًا مع إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية؛ وهنا يمكن لمصر بحكم موقعها الجغرافي وقناة السويس وحجم سوقها أن تقدم فرصًا تتجاوز الاستثمار التقليدي في العقارات أو السياحة، لتصل إلى اللوجستيات والتصنيع والخدمات التكنولوجية وسلاسل القيمة الإقليمية.
بالنسبة للسوق المصرية، لا ينبغي أن يكون السؤال: “كيف نجذب المستثمر الخليجي؟” فقط، وإنما: “ما نوع المشروعات المصرية التي تتوافق مع ما يبحث عنه رأس المال الخليجي؟”؛ والفرصة الأكبر قد تكون في المشروعات التي تجمع بين أربعة عناصر: سوق محلي كبير، قابلية للتصدير، ميزة جغرافية، وإمكانية التوسع إقليميًا.
فالمستثمر الذي يدخل مصر لا يريد بالضرورة بيع منتجاته داخل مصر فقط؛ بل يمكن أن يكون أكثر اهتمامًا بجعل مصر قاعدة إنتاج أو تصدير إلى أفريقيا والشرق الأوسط، وهذه النقطة تحديدًا قد تعيد صياغة مفهوم جذب الاستثمار فبدلاً من تقديم مصر باعتبارها سوقًا استهلاكية ضخمة يمكن تقديمها باعتبارها منصة إقليمية للإنتاج والتصدير والخدمات.
التحول الأهم ربما يكمن في طبيعة العلاقة نفسها، فصناديق الثروة السيادية والمستثمرون المؤسسيون في الخليج أصبحوا أكثر ميلًا إلى الشراكات والاستثمارات المباشرة، وليس مجرد ضخ الأموال وانتظار العائد؛ حيث تشير تقارير حديثة إلى أن رأس المال السيادي الخليجي يتحرك بصورة متزايدة كشريك استراتيجي ومستثمر مباشر، مع اهتمام أكبر بالاستثمارات المشتركة وبناء القدرات الاقتصادية.
لذلك فإن صاحب المشروع الذي يريد جذب هذا النوع من الاستثمار يحتاج إلى تقديم منظومة متكاملة، فريق قوي، حوكمة واضحة، بيانات دقيقة، استراتيجية توسع، وخطة خروج أو تخارج منطقية.
المستثمر الخليجي اليوم لا يبحث عن صفقة رابحة بالمعنى التقليدي فقط، وإنما عن أصل أو شركة أو مشروع يستطيع أن يصبح جزءًا من قصة اقتصادية أكبر، فهو يبحث عن التكنولوجيا التي ستصنع المستقبل، والطاقة التي ستدعم النمو، والبنية التحتية التي تحمي الاقتصاد، واللوجستيات التي تربط الأسواق، والشركات القابلة للتوسع إقليميًا، ولهذا فإن المنافسة على رأس المال الخليجي لن تكون بين الدول التي تقدم أكبر الحوافز فقط، بل بين الدول التي تستطيع أن تقدم أفضل قصة استثمارية قابلة للتنفيذ.
وأخيرًا، ربما يكون السؤال الأهم أمام أي مشروع عربي يريد جذب المستثمر الخليجي: “هل تبحث عن تمويل لمشروعك، أم تقدم للمستثمر فرصة ليكون شريكًا في صناعة المستقبل؟
وفي هذا الصدد، يتشرف موقع “بكرة” وبرنامج مصر بكرة بدعوة سيادتكم للمشاركة في مؤتمر “الاستثمار في مصر وصناعة المستقبل: التحديات والفرص.. من الفكرة إلى الاستثمار.. ومن الاستثمار إلى الإنتاج”.
ومن المقرر مناقشة أهم الخطوات التنفيذية لنتحويل شرارة في عقلك إلى فكرة مشروع استثماري ناجح كما سنقدم إليك أفضل الحلول: “من أين تبدأ؟.. أين تستثمر ؟.. وكيف تحوّل فكرتك ومدخراتك إلى مشروع وقيمة وإنتاج ؟”
ويأتي هذا المؤتمر بمشاركة وتشريف كوكبة مميزة من كبار المسئولين ورجال الاقتصاد ورجال الأعمال والمجتمع المدنى والإعلاميين والمواطنين.







