“ساعة النجمة” ليست مجرد رواية عن فتاة فقيرة تعيش على هامش مدينة كبيرة بل هي عمل أدبي يتأمل معنى الوجود والفقر والوحدة والهوية والعدالة الاجتماعية وحدود قدرة الكاتب على نقل حياة إنسان آخر إلى القارئ ..الرواية هي آخر أعمال الكاتبة البرازيلية كلاريس ليسبكتور وقد صدرت للمرة الأولى عام 1977 وتدور أحداثها في ريو دي جانيرو حول ماكابيا وهي فتاة فقيرة في التاسعة عشرة من عمرها هاجرت من شمال شرق البرازيل وتعمل على آلة كاتبة وتعيش حياة شديدة القسوة دون أن تدرك تماما حجم بؤسها. أما النسخة العربية الصادرة عن الكتب خان عام 2018 فترجمها ماجد الجبالي عن البرتغالية.
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.
لماذا كتبت كلاريس ليسبكتور هذا الكتاب؟
تختار ليسبكتور شخصية تبدو للوهلة الأولى عادية إلى درجة الاختفاء. ماكابيا فتاة فقيرة تعمل كاتبة على الآلة الكاتبة وتعيش في مدينة لا تمنح كثيرا من الاهتمام للأشخاص الذين يعيشون على هامشها.
لكن المفارقة أن هذه الشخصية التي لا تبدو مهمة بالنسبة إلى العالم تصبح محور الرواية كلها. ومن خلال حياتها الصغيرة تطرح الكاتبة أسئلة كبيرة حول قيمة الإنسان ومن يحق له أن يكون بطلا في الأدب ومن الذي يملك القدرة على رواية حياة الآخرين.
ماكابيا ليست بطلة تقليدية تبحث عن المجد أو النجاح. إنها فتاة تعيش حياة فقيرة للغاية وتعمل بأجر محدود وتسكن مع نساء أخريات وتجد متعتها في أشياء بسيطة مثل الاستماع إلى الراديو وشرب الكوكاكولا ومشاهدة الأفلام..الأهم من ذلك أنها لا تنظر إلى حياتها بالطريقة التي ينظر بها إليها الآخرون. فهي لا تمتلك الوعي الكامل بحجم الفقر الذي تعيشه ولا تتعامل مع نفسها باعتبارها ضحية بالمعنى التقليدي وهنا تقدم الرواية واحدة من أكثر أفكارها إزعاجا وتأثيرا وهي أن الإنسان قد يعيش ظروفا قاسية دون أن يمتلك اللغة التي يستطيع بها وصف قسوته.
ماكابيا فقيرة لكنها لا تمتلك خطابا عن الفقر وماكابيا مهمشة لكنها لا تمتلك لغة الاحتجاج وماكابيا وحيدة لكنها لا تعرف كيف تطلب الحب.
تدخل ماكابيا في علاقة مع أوليمبيكو وهو شاب من شمال شرق البرازيل مثلها لكنه أكثر طموحا وقسوة..لا يرى أوليمبيكو في العلاقة معها طريقا حقيقيا إلى المستقبل ولذلك تصبح علاقتهما صورة أخرى من صور الصراع الاجتماعي. فهو يحلم بالصعود بينما تبدو ماكابيا بالنسبة إليه عائقا أمام هذا الصعود ثم يتركها من أجل زميلتها غلوريا وهي شخصية تختلف عنها في الشكل والحضور والثقة بالنفس.
تنجح الرواية في تحويل الفقر من مفهوم اقتصادي إلى تجربة إنسانية.
فالفقر في حياة ماكابيا يظهر في الطعام والعمل والسكن والعلاقات وحتى في طريقة رؤيتها للعالم لكن الكاتبة لا تقدم الشخصية باعتبارها مجرد ضحية اجتماعية بل تمنحها مشاعر وأحلاما صغيرة وقدرة على الاستمتاع بأشياء تبدو بسيطة للغاية وهنا تكمن قوة الرواية فالإنسان الفقير لا يفقد إنسانيته بسبب فقره ولا تتحول حياته إلى رقم في تقرير اقتصادي.
في مرحلة لاحقة تذهب ماكابيا إلى السيدة كارلوتا وهي عرافة تخبرها بأن مستقبلها سيكون مختلفا وأنها ستلتقي رجلا ثريا وأجنبيا يقود سيارة مرسيدس للمرة الأولى تقريبا تشعر ماكابيا بأن المستقبل يمكن أن يحمل شيئا جميلا وهنا تبلغ الرواية درجة عالية من المفارقة لأن القارئ يعرف أن الأمل الذي منحته العرافة للفتاة لن يقودها إلى النهاية التي تتخيلها فاللحظة التي تبدأ فيها ماكابيا بتخيل حياة أفضل تصبح في الوقت نفسه الطريق إلى نهايتها المأساوية.
“ساعة النجمة “العنوان نفسه يحمل مفارقة شديدة الأهمية فالنجمة عادة ترتبط بالشهرة والظهور والتميز بينما ماكابيا شخصية مجهولة لا يكاد أحد يلتفت إليها لكن الرواية تمنحها في نهايتها ما يمكن اعتباره لحظة ظهور قصيرة ومأساوية. إنها اللحظة التي يصبح فيها وجودها مرئيا بعدما كانت تعيش طوال حياتها على الهامش وهنا يمكن قراءة عنوان «ساعة النجمة» باعتباره إشارة إلى لحظة يصبح فيها الإنسان الذي لم يره أحد جديرا بأن يراه الجميع ولو للحظات.
من أكثر الجوانب تميزا في الرواية أن الكاتب لا يختفي خلف الحكاية.
رودريجو يتحدث عن الكتابة وعن علاقته بشخصيته وعن صعوبة الحديث عن الفقر من موقع شخص لا يعيش التجربة نفسها وهذا يجعل الرواية تسأل سؤالا أخلاقيا مهما ..هل يستطيع الكاتب أن يتحدث باسم شخص آخر؟ وهل يستطيع الإنسان الميسور أن يفهم تماما حياة الإنسان الفقير؟ وهل يمكن للأدب أن يمنح صوتا لمن لا صوت له دون أن يعيد إنتاج المسافة الموجودة بينهما؟ ..وهذه الأسئلة تجعل «ساعة النجمة» تتجاوز حدود الحكاية الاجتماعية لتصبح رواية عن الأدب نفسه وعن مسؤولية الكاتب أمام الشخصية التي يكتب عنها .
مميزات الكتاب
تتميز الرواية بالاقتصاد في عدد الصفحات مع كثافة الأفكار كما تتميز بطريقة سرد غير تقليدية حيث يتداخل صوت الراوي مع أحداث القصة ويصبح القارئ شاهدا على عملية صناعة الرواية نفسها وتجمع ليسبكتور بين الواقعية الاجتماعية والتأمل الفلسفي والبعد النفسي وهو ما يجعل الأحداث البسيطة تحمل معاني متعددة كما أن شخصية ماكابيا من الشخصيات التي يصعب نسيانها لأنها لا تقدم صورة نمطية للفقير وإنما تقدم إنسانة كاملة رغم هشاشتها وفقرها وعدم قدرتها على فهم العالم المحيط بها.
لمن تناسب هذه الرواية؟
تناسب «ساعة النجمة» محبي الأدب اللاتيني والروايات القصيرة ذات الأبعاد الفلسفية والاجتماعية كما تناسب القارئ الذي يهتم بقضايا الفقر والتهميش والطبقات الاجتماعية والهوية الإنسانية وهي مناسبة أيضا لمن يبحث عن رواية لا تكتفي بسرد الأحداث وإنما تجعل القارئ يفكر في معنى الكتابة والحياة والموت والحب والعدالة.
يلخص هذا الكتاب عدة امور
الفقر لا يلغي إنسانية الإنسان
الشخصيات الهامشية قد تحمل أكثر القصص تأثيرا
الحياة البسيطة يمكن أن تخفي أسئلة وجودية عميقة
الحب قد يتأثر بالمكانة الاجتماعية والطموح
الأمل يمكن أن يظهر حتى في أكثر اللحظات قسوة
الإنسان يحتاج إلى من يراه ويعترف بوجوده
الكاتب لا يستطيع فصل نفسه تماما عن الشخصية التي يكتب عنها
الأدب يمكن أن يمنح المهمشين مساحة للحضور
الاختلاف الطبقي يؤثر في طريقة رؤية الإنسان لنفسه وللآخرين
الموت في الرواية ليس نهاية الحدث فقط بل لحظة تكشف قيمة الحياة التي سبقتها
حقوق النشر
هذا التلخيص هو عمل صحفي تحليلي مستقل يستند الى قراءة الكاتب للمؤلف محل الدراسة ويعبر عن رؤيته وفهمه الشخصي للافكار والمضامين الواردة فيه ولا يعد هذا الاصدار تلخيصا رسميا او اعادة انتاج لمحتوى الكتاب الاصلي كما لا يعبر عن رأي مؤلفه او ناشره وقد اعد بغرض التحليل والنقد والتفسير في اطار العمل الصحفي والثقافي مع الالتزام باحترام جميع حقوق الملكية الفكرية للمؤلف والناشر ويخضع هذا العمل لاحكام قانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002 مع التأكيد على ان جميع الحقوق المتعلقة بالمؤلف الاصلي وكتابها محفوظة لاصحابها.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: ساعة النجمة
المؤلف: كلاريس ليسبكتور
الناشر: الكتب خان للنشر والتوزيع
المترجم: ماجد الجبالي
التصنيف: أدب أمريكا اللاتينية المترجم والرواية المترجمة
تاريخ الإصدار: 1 يناير 2018
عدد الصفحات: 110 صفحات
ISBN: 9789778030501
رقم الايداع : 11332548569







