قراءة في كتاب لماذا ننام؟ اكتشف قوة النوم والأحلام — ماثيو ووكر

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

______________________

 

يبدأ ماثيو ووكر كتابه من فكرة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تمس جانبا أساسيا من حياتنا: النوم ليس وقتا ضائعا أو فترة يتوقف فيها الإنسان عن العمل، وإنما هو حالة بيولوجية ضرورية للحفاظ على العقل والجسم، ويرى ووكر أن الإنسان الحديث ارتكب خطأ كبيرا عندما بدأ ينظر إلى النوم باعتباره شيئا يمكن الاستغناء عن جزء منه لصالح العمل أو الدراسة أو الترفيه، فبينما نستطيع تأجيل الكثير من احتياجاتنا اليومية، لا يمكننا التعامل مع النوم بالطريقة نفسها، لأن الحرمان منه يؤثر في الذاكرة والمناعة والمزاج والهرمونات والتمثيل الغذائي وصحة القلب والدماغ، ولهذا فإن السؤال الحقيقي في نظره ليس كيف أستطيع النوم ساعات أقل؟، وإنما كيف يمكنني أن أحصل على النوم الذي يحتاجه جسدي وعقلي؟.

 

يشرح الكتاب أن النوم ليس مرحلة واحدة متشابهة طوال الليل، بل يتكون من دورات ومراحل مختلفة، لكل منها وظيفة مهمة، هناك نوم غير حركة العين السريعة، بمراحله المختلفة، وهناك نوم حركة العين السريعة الذي يرتبط بالأحلام ومعالجة المشاعر وبعض جوانب الذاكرة، وخلال الليل ينتقل الدماغ بصورة منظمة بين هذه المراحل، وتتغير نسبة كل مرحلة مع مرور الساعات، لذلك فإن النوم لمدة قصيرة لا يعني فقط فقدان عدد من الساعات، بل قد يعني أيضا فقدان أجزاء مهمة من العمليات التي كان من المفترض أن تحدث خلالها، ومن هنا يفسر ووكر لماذا لا يمكن دائما تعويض النوم المفقود ببساطة بالنوم في وقت آخر، لأن توقيت النوم وتركيبته الداخلية مهمان بقدر أهمية عدد الساعات.

 

ومن أهم الأفكار التي يركز عليها الكتاب العلاقة بين النوم والذاكرة، عندما نتعلم شيئا جديدا، لا تنتهي عملية التعلم بمجرد إغلاق الكتاب أو مغادرة المحاضرة، بل يحتاج الدماغ إلى النوم حتى يعالج المعلومات ويثبتها ويعيد تنظيمها، ولهذا يمكن أن يكون النوم بعد المذاكرة جزءا من عملية التعلم نفسها، ويشير ووكر إلى أن قلة النوم تضعف القدرة على استقبال المعلومات الجديدة، كما تضعف القدرة على الاحتفاظ بما تم تعلمه، ولذلك فإن السهر طوال الليل قبل الامتحان قد يعطي الإنسان إحساسا بأنه استغل وقتا أطول في الدراسة، لكنه في الواقع قد يضر بالقدرة على استيعاب واسترجاع ما درسه، الفكرة هنا أن النوم ليس عدوا للإنتاجية، بل أحد الشروط التي تجعل التعلم والعمل أكثر كفاءة.

 

ويتوسع ووكر في الحديث عن تأثير النوم في المشاعر والصحة النفسية. فالنوم الجيد يساعد الدماغ على التعامل مع الأحداث والانفعالات بصورة أكثر توازنا، بينما يمكن للحرمان من النوم أن يجعل الإنسان أكثر عصبية وقلقًا وحساسية تجاه الضغوط، ويشير الكتاب إلى أن العلاقة بين النوم والصحة النفسية ليست في اتجاه واحد، فالمشكلات النفسية قد تؤثر في النوم، لكن اضطراب النوم نفسه يمكن أن يزيد من صعوبة التعامل مع المشاعر والضغوط، وهذا يجعل النوم عنصرا مهما في الحفاظ على التوازن النفسي، وليس مجرد وسيلة للتخلص من التعب الجسدي.

 

ولا يقتصر تأثير النوم على الدماغ، بل يمتد إلى الجسم كله، يربط ووكر قلة النوم باضطرابات في الشهية والهرمونات والتمثيل الغذائي، لأن النوم يؤثر في الإشارات التي تخبرنا بالجوع والشبع، كما يؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الطاقة والجلوكوز، ولذلك قد يجد الشخص الذي لا ينام جيدا نفسه أكثر ميلا إلى تناول الطعام، وخاصة الأطعمة الغنية بالسعرات، في الوقت الذي تصبح فيه قدرة الجسم على التعامل مع الجلوكوز أقل كفاءة، ومن هنا تصبح قلة النوم عاملا يمكن أن يساهم مع مرور الوقت في مشكلات صحية ووزنية، وليس مجرد سبب للشعور بالنعاس في اليوم التالي.

 

ويتناول الكتاب كذلك جهاز المناعة، موضحًا أن النوم يمثل فترة مهمة لإعادة تنظيم عدد من الوظائف المناعية، عندما لا يحصل الإنسان على نوم كاف، لا يكون الأمر مجرد انخفاض في الطاقة، بل قد تتأثر قدرة الجسم على التعامل مع التحديات الصحية، كما يناقش ووكر العلاقة بين النوم وصحة القلب والأوعية الدموية، ويشير إلى أن النوم المنتظم والكافي يرتبط بوظائف أفضل في عدد من الأنظمة التي تحافظ على صحة الجسم ،لذلك فإن تجاهل النوم بصورة مستمرة قد يكون له ثمن صحي يتراكم بمرور السنوات.

 

ومن الأفكار اللافتة في الكتاب أن الإنسان لا يستطيع دائما الاعتماد على شعوره الذاتي لمعرفة مدى تأثره بقلة النوم، فقد يعتاد الشخص على النوم لساعات قليلة ويعتقد أنه أصبح قادرا على العمل بصورة طبيعية، بينما تكون بعض وظائفه العقلية قد تراجعت بالفعل، وهذه من أخطر مشكلات الحرمان المزمن من النوم: أن الإنسان قد لا يدرك حجم الخلل لأنه أصبح معتادًا على مستواه الجديد من الأداء، ولذلك يحذر الكتاب من ثقافة تمجيد الأشخاص الذين ينامون قليلا وكأن قلة النوم دليل على القوة أو الطموح، النوم ليس علامة على الكسل، كما أن الحرمان منه ليس دليلا على الاجتهاد.

 

ويتحدث ووكر أيضا عن الساعة البيولوجية، وهي النظام الداخلي الذي يساعد الجسم على تحديد أوقات النوم والاستيقاظ والنشاط والراحة، ويتأثر هذا النظام بالضوء والظلام والعادات اليومية، ولهذا فإن التعرض للضوء في أوقات معينة، واستخدام الأجهزة والشاشات في الليل، وتغيير مواعيد النوم بصورة مستمرة، كلها أمور يمكن أن تربك الساعة البيولوجية، ومن هنا تأتي أهمية انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ، والتعامل مع الضوء بصورة مناسبة، وتهيئة البيئة المحيطة بحيث يفهم الجسم أن الليل وقت للراحة.

 

ومن الرسائل المهمة التي يطرحها الكتاب أن النوم ليس رفاهية يمكن التضحية بها كلما ازدحمت الحياة، الإنسان قد يعتقد أن لديه ساعات محدودة في اليوم، وأن تقليل النوم سيمنحه وقتا إضافيا للعمل، لكن المشكلة أن قلة النوم قد تقلل جودة الساعات التي يقضيها مستيقظا، الشخص الذي ينام جيدا قد يكون أكثر تركيزا وذاكرة واستقرارا وقدرة على اتخاذ القرارات، بينما الشخص المحروم من النوم قد يقضي وقتًا أطول في العمل لكنه يعمل بكفاءة أقل، ولذلك فإن النوم في فلسفة الكتاب ليس منافسا للإنتاجية، وإنما أحد مصادرها الأساسية.

 

ويحاول ووكر في النهاية تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى النوم، فالمجتمع الحديث يميل إلى مكافأة الانشغال المستمر، ويجعل السهر يبدو أحيانا كأنه دليل على الطموح، لكن علم النوم يقدم صورة مختلفة تماما النوم يعيد تنظيم الدماغ، ويدعم الذاكرة والتعلم، ويساعد في تنظيم المشاعر، ويؤثر في المناعة والهرمونات والتمثيل الغذائي وصحة القلب، لذلك فإن الاهتمام بالنوم ليس مجرد محاولة للشعور بالراحة، وإنما استثمار طويل المدى في الصحة والقدرة العقلية وجودة الحياة.

 

الرسالة الأساسية للكتاب يمكن تلخيصها في أن النوم ليس فترة فراغ بين يومين، بل جزء من الحياة نفسها، نحن لا ننام لأن أجسامنا تتوقف عن العمل، بل لأن أجسامنا وعقولنا تدخل خلال النوم في واحدة من أكثر حالات النشاط والتنظيم أهمية، وكلما فهم الإنسان هذه الحقيقة، أصبح من الأسهل أن يتوقف عن اعتبار النوم شيئا يمكن التضحية به بسهولة، الكتاب في جوهره دعوة إلى إعادة النوم إلى مكانته الطبيعية، والتعامل معه باعتباره حاجة أساسية مثل الطعام والحركة، لا عادة يمكن تقليلها كلما ازدادت المسؤوليات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكلمة الأخيرة

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

______________________

حقوق النشر

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

________________

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: لماذا ننام؟ اكتشف قوة النوم والأحلام

المؤلف: ماثيو ووكر

دار النشر: Scribner

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2017

عدد الصفحات: 368 صفحة

ISBN: 978-1501144318

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *