بقلم عمرو فكري
من الزبالة إلى المليارات لماذا أصبحت المخلفات فرصة استثمارية
كل يوم تبدأ دورة اقتصادية ضخمة قبل أن يفتح الناس أعينهم على يوم جديد فالمصانع تنتج والمطاعم تطهو والمحلات تبيع والمنازل تستهلك ثم تتحرك ملايين الأطنان من الأشياء التي انتهت وظيفتها إلى صناديق القمامة وكأن القصة انتهت بمجرد إلقائها هناك لكن الحقيقة أن القصة الاقتصادية تبدأ أحيانا عند هذه اللحظة تحديدا لأن ما يعتبره شخص مخلفات قد يمثل بالنسبة لمستثمر آخر مادة خام رخيصة وسوقا ضخمة لم يتم استغلالها بالشكل الكافي
مصر تنتج كميات كبيرة من المخلفات بصورة يومية ومع ارتفاع عدد السكان واتساع المدن وزيادة النشاط الصناعي والتجاري يصبح التعامل مع المخلفات تحديا اقتصاديا وليس مجرد قضية نظافة عامة فعملية الجمع والنقل والفرز والدفن تحتاج إلى أموال ضخمة بينما تحمل المخلفات نفسها قيمة يمكن استعادتها وتحويلها إلى منتجات جديدة توفر إيرادات وفرص عمل وتقلل الضغط على الموارد الطبيعية
الفكرة الاستثمارية الحقيقية تبدأ عندما تتغير النظرة إلى المخلفات من عبء يجب التخلص منه إلى مورد يمكن إدارته واستثماره فالبلاستيك يمكن فرزه وطحنه وتحويله إلى خامات تستخدم في صناعات مختلفة والورق والكرتون يمكن إعادة تدويرهما وإعادتهما إلى دورة الإنتاج والمعادن الموجودة داخل المخلفات يمكن استخراجها وبيعها بينما تحمل المخلفات الزراعية فرصا أكبر من مجرد التخلص منها بالحرق أو التخزين العشوائي
قش الأرز مثلا يمثل نموذجا واضحا لكيف يمكن لمشكلة بيئية أن تتحول إلى فرصة اقتصادية فبدلا من اعتبار المخلف الزراعي شيئا يجب التخلص منه يمكن استخدامه في إنتاج مواد مختلفة تدخل في صناعات مثل الأعلاف والوقود الحيوي وبعض المنتجات الصناعية ومواد البناء وهنا يتحول الفلاح من شخص يبحث عن طريقة للتخلص من المخلف إلى طرف في سلسلة اقتصادية تستطيع تحقيق قيمة إضافية
الفرصة الأكبر لا تكمن دائما في إنشاء مصنع ضخم لإعادة التدوير فالسوق يحتاج أيضا إلى شركات صغيرة ومتوسطة تعمل في الجمع والفرز والنقل والتجميع والتخزين والمعالجة الأولية وكل مرحلة من هذه المراحل تستطيع أن تتحول إلى نشاط اقتصادي مستقل عندما يتم تنظيم السوق وربط أصحاب المخلفات بالمصانع التي تحتاج إليها كمواد خام
قطاع المخلفات يملك ميزة استثمارية مهمة تتمثل في استمرار تدفق المادة الخام فالمصنع التقليدي يحتاج إلى شراء خاماته من الأسواق المحلية أو العالمية بينما تتجدد المخلفات يوميا مع استمرار الاستهلاك والإنتاج وهذه الخاصية تمنح المستثمر فرصة لبناء نموذج أعمال يعتمد على مصدر خام متكرر شرط وجود نظام جيد للجمع والفرز والتعاقد
التحول الرقمي يستطيع أيضا أن يدخل إلى هذه الصناعة بطريقة أكبر مما يتخيل البعض فالتطبيقات والمنصات الرقمية يمكنها ربط المصانع بمصادر المخلفات وتنظيم عمليات الجمع ومعرفة الكميات المتاحة وتحديد مواقعها وتحسين مسارات النقل وحتى تقييم جودة الخامات الناتجة عن الفرز وهنا لا يصبح الاستثمار محصورا في المعدات والمصانع بل يمتد إلى التكنولوجيا والبيانات والخدمات اللوجستية
السوق المصري يحتاج كذلك إلى تطوير ثقافة الفرز من المصدر لأن اختلاط أنواع المخلفات يجعل عملية إعادة التدوير أكثر تكلفة وأقل كفاءة وكلما ارتفعت جودة الفرز ارتفعت قيمة المادة الخام الناتجة وأصبحت عملية المعالجة أكثر جدوى اقتصاديا ولذلك يمكن أن تظهر فرص استثمارية جديدة في توفير حلول الفرز للمنازل والمطاعم والمصانع والفنادق والمراكز التجارية والمؤسسات المختلفة
التصدير يمثل زاوية أخرى شديدة الأهمية لأن المنتج الناتج عن إعادة التدوير لا يجب أن يتوقف عند حدود السوق المحلي فبعض الخامات المعاد تدويرها تستطيع الدخول في سلاسل توريد صناعية تحتاج إلى كميات كبيرة وجودة محددة وهنا يمكن لمصر أن تنتقل تدريجيا من تصدير بعض المواد الخام إلى تصدير منتجات وخامات معالجة ذات قيمة أعلى
المستثمر الذكي في هذا القطاع لا ينظر إلى القمامة الموجودة أمامه فقط وإنما ينظر إلى السلسلة الاقتصادية الكاملة التي تبدأ لحظة التخلص من المنتج وتنتهي بعودته إلى مصنع آخر في صورة مادة خام جديدة وكلما استطاع المستثمر اختصار حلقات الهدر ورفع كفاءة الجمع والفرز والمعالجة زادت القيمة التي يستطيع استخراجها من نفس الكمية من المخلفات
التحدي الحقيقي يظل مرتبطا بالتنظيم والتمويل والتكنولوجيا وجودة الجمع والفرز واستقرار التعاقدات لأن المشروع الناجح لا يستطيع الاعتماد على توفر المخلفات وحده بل يحتاج إلى سوق واضح للمنتج النهائي ونظام تشغيل قادر على التحكم في التكلفة وضمان جودة الخامة واستمرارية التوريد
مصر لا تحتاج فقط إلى التخلص من مخلفاتها بصورة أفضل وإنما تستطيع بناء اقتصاد كامل حول إدارتها وإعادة استخدامها وتحويلها إلى قيمة جديدة وهذا الاقتصاد يمكن أن يجمع بين الصناعة والزراعة والطاقة والخدمات والنقل والتكنولوجيا والتصدير في منظومة واحدة
المعادلة تبدو بسيطة لكنها تحمل وراءها سوقا ضخما فالمجتمع يدفع أموالا للتخلص من المخلفات ثم يدفع أموالا أخرى لشراء مواد يمكن أن تكون بعض مكوناتها موجودة أصلا داخل تلك المخلفات والفرصة الاستثمارية تظهر عندما يستطيع أحدهم بناء الحلقة التي تعيد المادة إلى السوق مرة أخرى
الثروة أحيانا لا تكون مخبأة تحت الأرض ولا خلف أبواب البنوك وإنما موجودة أمام أعين الجميع في شيء اعتاد الناس النظر إليه باعتباره بلا قيمة
المخلفات ليست نهاية المنتج وإنما بداية حياة اقتصادية جديدة له والمستثمر الذي يفهم هذه الفكرة مبكرا قد لا يرى أكوام القمامة باعتبارها مشكلة وإنما يراها باعتبارها مصانع مفتوحة تنتظر من يعرف كيف يستخرج منها القيمة
وانتظروا قريبا جدا اكبر مؤتمر للاستثمار في مصر برعايه مصر بكره وهيكون متواجد فيه عن اكبر المستثمرين العرب والاعلان عن اليوم الرسمي للمؤتمر قريبا جدا







