قراءة في كتاب تنمية مهارات مهندس الاختبارات الكهربائية

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

ويحمل كتاب “تنمية مهارات مهندس الاختبارات الكهربائية” للمهندس كامل بدرخان رسالة واضحة وعميقة مفادها أن الهندسة الكهربائية التطبيقية لا تقف عند حدود النظريات الأكاديمية أو القوانين المحفوظة على مقاعد الدراسة، بل تبدأ حقيقتها وتتجلى قيمتها في الميدان العملي.

يوجه الكاتب رسالته لكل مهندس وفني يخطو خطواته الأولى أو يتلمس طريقه في عالم محطات الطاقة وشبكات النقل والتوزيع، مؤكداً أن الفارق بين مهندس تقليدي وآخر محترف يكمن في دقة الملاحظة، والقدرة على قراءة دلالات الأرقام، وفهم السلوك الحقيقي للمعدات تحت الضغط. الرسالة الجوهرية هنا هي بناء عقلية هندسية واعية ومسؤولة تدرك أن خطأً بسيطاً في اختبار عازلية أو تحديد مسار كابل قد يكلف أرواحاً أو يتسبب في خسائر فادحة، ولذا فإن الإتقان والالتزام بالمواصفات القياسية هما صمام الأمان الأول في هذه المهنة الحرجة.

 

 

يقوم المؤلف في هذا العمل على عدة أفكار محورية تنظم هيكل الكتاب وتمنحه قوته التطبيقية في التركيز على أن المناهج الدراسية تضع الأساس، لكن الممارسة الحية واختبارات الموقع تفرض تحديات متجددة تستوجب مهارات خاصة.، وبناء فكرة أن الاختبارات الدورية واختبارات القبول للمعدات والكابلات الجديدة والقديمة هي خط الدفاع الأول لمنع الأعطال الكارثية قبل وقوعها، والاعتماد على الأدوات الحديثة وتقنيات تتبع مسارات الكابلات وتحديد أماكن القطع أو التسرب بدقة متناهية بعيداً عن العشوائية أو التخمين، وربط دائم بين جودة الاختبار وضمان السلامة المهنية والشخصية لكل العاملين في محيط المنشآت الكهربائية.

 

بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند عليها الكاتب وهي أن الفحص الدقيق لاختبارات عزل الكابلات بمختلف مستويات جهودها كالمنخفض والمتوسط يمثل حجر الزاوية في تقييم صلاحيتها للتشغيل المستمر، وضرورة الالتزام الصارم بالمواصفات القياسية العالمية والمحلية عند إجراء أي اختبار ضغط عالٍ أو قياسات للمقاومة، والاستعانة بالأرقام والقراءات المعيارية كمرآة صادقة تكشف الخلل الخفي الذي لا يمكن بالعين المجردة ملاحظته في المعدات والمحولات ولوحات التوزيع، وأهمية توثيق خطوات الاختبار وتوحيد المفاهيم بين فرق المقاولين والشركات المشغلة لتفادي أي نزاعات فنية أو قصور تشغيلي.

 

يستهدف المهندس كامل بدرخان قطاعاً عريضاً وحيوياً من العاملين في قطاع الطاقة؛ وفي مقدمتهم مهندسو الاختبارات والتكليف والعاملون في محطات التوليد والنقل والتوزيع، ومهندسو الصيانة المسؤولون عن متابعة حالة الكابلات والمعدات وتأمين استمرارية الخدمة، وحديثو التخرج من كليات الهندسة الباحثون عن دليل عملي يختصر سنوات طويلة من الاحتكاك الميداني، والفنيون المتقدمون والشركات الهندسية التي تبحث عن مرجع تطبيقي يضبط إجراءات الفحص والتشغيل وفق أصول الصنعة السليمة.

 

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلى نقاط القوة، و تميز الكتاب بأسلوبه الميداني الخالص بعيداً عن التنظير الممل، معتمداً على خبرة عملية واقعية تلمس المشكلات الحقيقية التي تواجه المهندس يومياً في المواقع، فضلاً عن سهولة الشرح وترتيب الخطوات الفنية بوضوح يسهل تطبيقها، ونقاط الضعف بحكم الطبيعة الفنية البحتة والتخصصية الشديدة للكتاب، قد يجد القارئ غير الممرس أو المهتم بمجالات هندسية أخرى صعوبة في استيعاب بعض التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالأكواد واختبارات الجهد العالي، كما افتقر الكتاب أحياناً إلى التوسع النظري لبعض المفاهيم الفيزيائية الكامنة خلف ظواهر الانهيار العازل لتكون أسهل لغير المتخصصين تماماً.

 

ومن خلال القراءة التحليلة للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش، حيث يطرح الكتاب تساؤلات ضمنية حول مدى دقة اختبارات العزل التقليدية في التنبؤ بالعمر المتبقي للكابلات القديمة والمخلوطة الجديد مع القديم، وهل يمكن الاعتماد كلياً على قيم الميجر والأمبير أم أن هناك متغيرات بيئية وتشغيلية معقدة تحتاج لمعادلات أعمق؟، وغالباً ما يضغط ضغط العمل ومواعيد التسليم على فرق الاختبارات لتسريع الخطوات، وهنا ينشأ نقاش حقيقي حول كيفية حماية معايير الجودة والسلامة دون الانصياع للضغوط الإدارية والاقتصادية التي قد تتغاضى عن اختبارات دقيقة ومستهلكة للوقت، وإلى أي مدى ستغير الأنظمة الذكية الحديثة والتشخيص عن بُعد من طبيعة مهام مهندس الاختبارات التقليدي الميداني؟ وهل ستحل التكنولوجيا محل الخبرة الشخصية للعين المهندسة الفاحصة؟

 

الكلمة الأخيرة ثابته في كتاب

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

 

 

 

البطاقة التعريفية للكتاب:

 

العنوان: تنمية مهارات مهندس الاختبارات الكهربائية

 

المؤلف: كامل بدرخان

 

دار النشر: دور اسكرايب

 

بلد النشر: مصر

 

الطبعة: الأولى

 

سنة النشر: 2022

 

عدد الصفحات: 140صفحة

 

ISBN: 9789778622997

 

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *