تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ليس كل إنسان فقد شيئًا في حياته يصبح إنسانًا مهزومًا، وليس كل من مر بظروف صعبة يفقد قدرته على الاستمرار، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإحباط من تجربة مؤقتة إلى إحساس دائم بأن لا شيء يمكن تغييره، من هذه المنطقة ينطلق مصطفى حجازي في كتابه الإنسان المهدور، محاولًا الاقتراب من الإنسان الذي لا تضيع إمكاناته بسبب عدم امتلاكه لها، وإنما لأنها تظل معطلة وغير مستثمرة.
والكتاب هنا لا يقدم التنمية البشرية بالشكل التقليدي الذي يختصر الحياة في عبارات مثل كن إيجابيًا وثق بنفسك، على العكس، يحاول حجازي أن يسأل سؤالًا أكثر صعوبة ماذا لو كان الإنسان الذي لا يستطيع التقدم ليس كسولًا أو ضعيف الإرادة، وإنما يعيش في ظروف جعلته يفقد تدريجيًا إحساسه بقدرته على الفعل؟
فالفرد، بحسب رؤية الكتاب، لا يتشكل بعيدًا عن المجتمع الذي يعيش فيه، الأسرة، والتعليم، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، وطريقة التعامل مع الإنسان منذ طفولته، كلها عوامل يمكن أن تبني ثقته بنفسه أو تهدمها، وعندما يتعرض الإنسان بصورة مستمرة للقهر أو التهميش أو التقليل من قيمته، قد يبدأ في تصديق الرسالة التي تصله بشكل متكرر: أنت لا تستطيع.
وهنا يتحول القهر الخارجي مع الوقت إلى شيء يسكن داخل الإنسان نفسه، فيتردد قبل اتخاذ القرار، ويخشى الفشل، ويتجنب المواجهة، وربما يختار البقاء في وضع غير مريح لأنه أصبح أكثر ألفة بالنسبة إليه من تجربة التغيير.
وهذا هو الجانب الأكثر قسوة في فكرة الهدر، أن الإنسان قد يمتلك قدرات حقيقية، لكنه لا يستخدمها. قد تكون لديه أفكار، وطموحات، وذكاء، ورغبة في النجاح، لكن الخوف والإحباط وتراكم التجارب السلبية تجعل هذه الإمكانات محبوسة داخله.
والكتاب هنا لا يقول إن الإنسان بلا مسؤولية عن حياته، لكنه يرفض أيضًا فكرة تحميله كل شيء، فليس من العدل أن نطلب من شخص عاش سنوات في بيئة محبطة أن يتصرف فجأة وكأن كل ما حوله لا يؤثر فيه، التغيير يحتاج إلى وعي بالظروف، لكنه يحتاج أيضًا إلى استعادة الإنسان لدوره في حياته.
وهذه الاستعادة لا تعني أن يتحول الشخص إلى بطل قادر على حل كل مشكلاته دفعة واحدة، فربما تبدأ المسألة بخطوة صغيرة جدًا، أن يقوللا عندما يكون الرفض ضروريًا، أن يتخذ قرارًا طالما أجله، أن يجرب مرة أخرى بعد فشل، أو أن يتوقف عن النظر إلى نفسه باعتباره مجرد ضحية لما يحدث حوله.
ومن هنا تصبح التنمية الحقيقية، في جوهر الكتاب، ليست البحث المستمر عن حياة بلا مشكلات، وإنما استعادة القدرة على التعامل مع المشكلات باعتبار الإنسان طرفًا فاعلًا فيها، وليس مجرد شخص تنتظر حياته ما يفعله الآخرون.
والإنسان المهدور يترك القارئ عميق يستحق التأمل أمام سؤال شخصي أكثر منه نظريًا: هل أنا فعلًا عاجز عن تغيير بعض الأشياء في حياتي، أم أنني تعودت على العجز حتى أصبح يبدو لي وكأنه قدر لا يمكن تغييره؟
وربما تكون قيمة هذا الكتاب في أنه لا يمنح إجابة سهلة، بل يدفع القارئ إلى النظر مرة أخرى إلى نفسه وإلى البيئة المحيطة به، واكتشاف المساحة التي ما زالت لديه القدرة على التحرك داخلها، ففي النهاية، استعادة الإنسان لنفسه قد تبدأ من لحظة بسيطة يدرك فيها أنه، رغم كل ما حدث، ما زال قادرًا على أن يفعل شيئًا.
الكلمة الأخيرة:
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة التحليلية إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، وصياغة أكثر المفاهيم جدلا في قاموس النفس البشرية عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية
المؤلف: مصطفى حجازي
دار النشر: المركز الثقافي العربي
بلد النشر: المغرب – الدار البيضاء
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2005
عدد الصفحات: 350 صفحة
ISBN: 9953-68-061-2







