تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة وهذه القراءة ليست اختصارا للكتاب أو بديلا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالأسئلة التي ما زالت حاضرة في حياتنا اليومية
بعض الكتب تتعامل مع الاقتصاد باعتباره أرقاما وأسعارا وأسواقا ونسب نمو وبعضها يذهب إلى منطقة أعمق فيبحث عن الإنسان الذي يقف خلف كل رقم وعن النظام الذي يحدد طريقة امتلاك الثروة وإنتاجها وتوزيعها واستهلاكها اقتصادنا لمحمد باقر الصدر ينتمي إلى النوع الثاني لأنه لا يتعامل مع الاقتصاد باعتباره نشاطا منفصلا عن المجتمع وإنما يراه جزءا من منظومة فكرية تحدد علاقة الإنسان بالمال والعمل والملكية والعدالة
محمد باقر الصدر كتب اقتصادنا في مرحلة كان الصراع الفكري بين الرأسمالية والماركسية شديد الحضور وكان العالم يبحث عن نماذج مختلفة لتنظيم الإنتاج والثروة ولذلك اختار الصدر أن يدخل إلى قلب المعركة الفكرية من خلال مقارنة المذاهب الاقتصادية الكبرى وتحليل الأسس التي تقوم عليها ثم الانتقال إلى محاولة صياغة تصور إسلامي مستقل لا يكون مجرد خليط من أفكار الشرق والغرب
الفكرة الأولى التي يبني عليها الصدر مشروعه تتمثل في الفصل بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي فعلم الاقتصاد يبحث في الظواهر والعلاقات الاقتصادية ويحاول تفسير طريقة عملها بينما يهتم المذهب الاقتصادي بالطريقة التي ينبغي أن تنظم بها الحياة الاقتصادية ولذلك فإن معرفة أسباب ارتفاع الأسعار أو انخفاض الإنتاج لا تكفي وحدها للإجابة عن سؤال العدالة في توزيع الثروة
الرأسمالية تظهر باعتبارها نظاما يمنح الملكية الخاصة وحرية النشاط الاقتصادي مساحة واسعة ويعتمد على السوق في تنظيم جانب كبير من العلاقات الاقتصادية لكن الصدر يناقش نتائج هذا التصور عندما تتحول الحرية الاقتصادية إلى قوة تسمح بتراكم الثروة لدى فئات محددة ويصبح امتلاك وسائل الإنتاج سببا في تفاوت كبير بين أفراد المجتمع
الماركسية تدخل المشهد باعتبارها محاولة للرد على مشكلات الرأسمالية من خلال تفسير الصراع الطبقي وعلاقات الإنتاج والملكية الخاصة ثم محاولة نقل المجتمع إلى نموذج مختلف يقوم على الملكية الجماعية لكن الصدر يناقش الأسس الفكرية التي قامت عليها الماركسية ويرفض اختزال حركة التاريخ والإنسان في العامل الاقتصادي وحده ويرى أن الإنسان أكثر تعقيدا من أن يصبح مجرد نتيجة مباشرة لعلاقات الإنتاج
الإسلام بالنسبة إلى الصدر لا يقدم مجرد نصائح أخلاقية حول المال وإنما يقدم منظومة من القواعد التي تنظم الملكية والإنتاج والتوزيع ودور الدولة والعلاقة بين الفرد والمجتمع ولذلك يحاول استخراج ملامح مذهب اقتصادي إسلامي من خلال قراءة التشريعات والقواعد الفقهية داخل رؤية متكاملة
الملكية تمثل أحد المحاور الأساسية لأن السؤال لا يتعلق بمجرد حق الإنسان في امتلاك المال وإنما يتعلق أيضا بمصدر هذا الحق وحدوده والوظيفة التي يمكن أن تؤديها الثروة داخل المجتمع ويبحث الصدر في الملكية الخاصة والعامة ويحاول تحديد المجالات التي يكون فيها الفرد مالكا والمجالات التي تصبح فيها الثروة ذات طبيعة اجتماعية أو عامة
التوزيع يحتل مكانة محورية لأن إنتاج الثروة لا يعني بالضرورة عدالة توزيعها ولذلك يميز الصدر بين التوزيع قبل عملية الإنتاج والتوزيع بعد عملية الإنتاج ويبحث في الطريقة التي يحصل بها الإنسان على الموارد والعوامل التي تدخل في عملية الإنتاج ثم الطريقة التي تتوزع بها نتائج النشاط الاقتصادي بعد تحقق الإنتاج
الإنتاج نفسه لا يظهر باعتباره عملية تقنية فقط وإنما يرتبط بعلاقات الملكية والعمل ورأس المال والموارد ولذلك فإن تنظيم الإنتاج يحتاج إلى قواعد تحدد الحقوق وتمنع تحول القوة الاقتصادية إلى وسيلة للسيطرة على المجتمع
دور الدولة يأخذ مساحة مهمة داخل التصور لأن السوق وحده لا يمثل الحل النهائي لكل المشكلات الاقتصادية فالدولة تمتلك مسؤوليات تتعلق بتحقيق التوازن وحماية المجتمع والتدخل عندما تتعارض بعض المصالح الفردية مع المصلحة العامة وهنا يظهر مفهوم منطقة الفراغ الذي يمنح الدولة مساحة للتحرك التشريعي والتنظيمي وفقا لمتطلبات الظروف والمصلحة العامة
قيمة اقتصادنا لا تتوقف عند الإجابات التي قدمها الصدر قبل عقود لأن الأسئلة التي يناقشها ما زالت حاضرة بأشكال جديدة فالاقتصاد الرقمي غير شكل الملكية والعمل والشركات العابرة للحدود غيرت مفهوم السوق والتكنولوجيا صنعت ثروات هائلة في أيدي شركات وأفراد محدودين ومع ذلك بقي سؤال العدالة في توزيع الثروة وسؤال حدود الحرية الاقتصادية وسؤال دور الدولة حاضرا بقوة
الكتاب لذلك لا يقدم نموذجا اقتصاديا تجريبيا يقوم على الأرقام والنماذج الرياضية بقدر ما يقدم مشروعا فكريا يبحث عن الأساس الذي ينبغي أن تتحرك فوقه الحياة الاقتصادية وهذه النقطة تفسر أهميته في تاريخ الفكر الاقتصادي الإسلامي الحديث
اقتصادنا يحاول نقل النقاش من سؤال كيف يعمل الاقتصاد إلى سؤال لماذا يعمل بهذه الطريقة ومن يملك ومن ينتج ومن يحصل على الثروة ومن يتحمل تكلفة توزيعها وهي أسئلة تجعل الاقتصاد قضية تتجاوز السوق لتصل إلى فلسفة المجتمع نفسه
أهمية الكتاب الحقيقية تكمن في محاولة بناء تصور متكامل يجمع الملكية والتوزيع والإنتاج والعدالة ودور الدولة داخل إطار واحد ولذلك ظل حاضرا في النقاشات المتعلقة بالاقتصاد الإسلامي رغم تغير العالم الاقتصادي بصورة هائلة منذ ظهوره
حين ينتهي القارئ من رحلة اقتصادنا قد لا يخرج بإجابة واحدة عن شكل النظام الاقتصادي المثالي لكنه يخرج بسؤال أكثر إزعاجا وأهمية وهو هل يمكن أن يكون الاقتصاد عادلا إذا كانت القواعد التي تحكمه غير عادلة والسؤال نفسه هو الذي يمنح الكتاب قدرته على البقاء حيا لأن الاقتصاد مهما تغيرت أدواته يظل في جوهره سؤالا عن الإنسان والثروة والسلطة والعدالة
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه وتظل جميع حقوق الكتاب محفوظة لأصحابها والناشر
البطاقة التعريفية
العنوان اقتصادنا
المؤلف محمد باقر الصدر
الناشر مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر
بلد النشر العراق
الطبعة الثانية
سنة النشر غير متاحة
عدد الصفحات 904 صفحة
رقم الإيداع غير متاح
ISBN 9645860261







