يستعد موقع “بكرة” من خلال برنامج “مصر بكرة” لاستضافة مؤتمر عن الاستثمار فى مصر، وهو محطة حاسمة لطرح ملفات اقتصادية مصيرية على طاولة النقاش بين المسؤولين والمستثمرين، وتأتي في مقدمة هذه الملفات التحدى الأكبر وهو : كيف ننتقل بالاستثمار من التمركز الاساسى في القاهرة الكبرى إلى خلق مراكز انتاج حقيقية تتوزع على كافة المحافظات والمدن الجديدة؟.
لعقود طويلة كانت القاهرة الكبرى هي الوجهة الأولى لمعظم الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية في مصر، حيث تتركز فيها الشركات والبنوك والخدمات وفرص العمل، ومنها تتحرك نسبة كبيرة من النشاط التجاري.
في السنوات الأخيرة بدأت هذه الصورة تتغير كثيرا، مع التوسع في المدن الجديدة، ونقل مؤسسات الدولة إلى العاصمة الإدارية، وزيادة الاهتمام بالمناطق الصناعية والسياحية واللوجستية في المحافظات.
وبدأت الدولة بالفعل فى انتقال تدريجي لبعض الأنشطة خارج القاهرة مما يؤكد أننا نتجه بالفعل إلى خريطة اقتصادية جديدة يمكن أن تجعل المحافظات والعاصمة الإدارية مراكز نمو حقيقية خلال السنوات المقبلة.
على سبيل المثال، العاصمة الإدارية تمثل أحد أبرز نماذج هذا التحول، فالمشروع لا يستهدف فقط توفير مقر جديد للحكومة، وإنما يضم مناطق الخدمات والمؤسسات ومراكز المال ، إلى جانب التوسع العمراني والسكني وتطوير العقارات بشكل ملفت للأنظار.
نجاح نموذج العاصمة الإدارية لن يكون مرتبط بعدد الأبراج أو حجم المشروعات العقارية وحدهما، وإنما بقدرته على خلق نشاط اقتصادي مستمر حوله وجذب فرص استثمار حقيقية.
لأن بطبيعة الحال وجود شركات وفرص عمل جديدة يعني طلبا على وجود خدمات مثل المدارس والمستشفيات وزيادة عدد السكان يفتح فرص لاصحاب الاعمال الصغيرة مثل السوبر ماركت والمطاعم والخدمات الأخرى مما يزيد من عجلة الانتاج مما يفتح الباب أمام دورة جديدة من الإنتاج وفرص استثمارية أكثر.
والتحدي الأكبر هو هل نقل جزء من النشاط من القاهرة إلى العاصمة الإدارية والمحافظات هو بداية التغير الحقيقى فى خريطة الاستثمار؟ أم أن يجب توجيه الاستثمار إلى مناطق بها موارد يمكن الاستفادة منها؟.
فعلى سبيل المثال، يمتلك الصعيد فرص حقيقية واعدة فى العديد من المجالات ، مثل مصنع السكر في بني سويف الذى يعد من التجارب الاستثمارية الناجحة.
وأيضا الدلتا تمتلك قاعدة زراعية كبيرة وبيئة خصبة للعديد من الزراعات التى يمكن أن تضيف فرص استثمارية واعدة وهو ما يظهر في نماذج مثل شركة الدلتا للسكر وشركة الدقهلية لصناعة وتكرير السكر.
والمحافظات الساحلية ومدن القناة التى شهدت تطورا كبيرا فى الآونة الأخيرة مثل تطوير موانئ العين السخنة والدعم اللوجيستي والتوسع الكبير فى قناة السويس .
ولا يحتاج المستثمر إلى توفير أراضى فقط لإقناعه بالانتقال من القاهرة، فالمستثمر يبحث في النهاية عن منظومة متكاملة: إجراءات وتراخيص سريعة، وبنية تحتية، ومصادر طاقة بأسعار مناسبة للإنتاج، وإنترنت سريع، وأيضا العمالة المدربة التى تتمتع بها مصر ، بالإضافة إلى أسواق قريبة وعالمية للتصدير.
وهنا يظهر الفرق بين بناء مدن سكنية هدفها تخفيف الضغط السكاني ، وبين بناء مراكز اقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات،يمكن اعتبار العقارات هى نقطة البداية ، لكنها وحدها لا تكفي لصناعة اقتصاد متكامل وجذب فرص استثمار حقيقية.
فالمدينة يمكن أن تنجح عمرانيا خلال سنوات، لكن المركز الاقتصادي يحتاج إلى شركات ومصانع وجامعات ومراكز تدريب ومشروعات صغيرة ومتوسطة، والأهم إلى فرص عمل حقيقية قريبة ومتاحة للاحتفاظ بالسكان.
ويجب التركيز على أن التنمية خارج القاهرة لا تعني إضعاف العاصمة أو سحب دورها الاقتصادي، ولكن لتخفيف الضغط عنها وخلق مراكز جديدة للنشاط.
عندما يجد الشاب فرصة مناسبة في محافظته لن يحتاج إلى الانتقال الى القاهرة و بالتالى تبقى الكفاءات ورؤوس الأموال داخل الإقليم وغير متركزة فى مكان واحد ، وهذا يساعد على توزيع الكفاءات كما يخلق دورة اقتصادية مستدامة.
نحن الآن امام المعادلة المطروحة من خلال موقع “بكرة”وبرنامج “مصر بكرة” وهى الانتقال من “تنمية الحوائط والعقارات” إلى “تنمية الإنتاجية والتصدير”، والإجابات الحتمية التي سينتظرها السوق من المؤتمر هي: كيف نوفر بيئة تجعل المستثمر ينتج بتكلفة أقل ويصل للأسواق بأسرع طريق؟ حينها فقط ستنطلق قاطرة الاستثمار الحقيقية في مصر.







