تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة وهذه القراءة ليست اختصارًا للكتاب أو بديلًا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالواقع الذي نعيشه اليوم
نولد بفضول وشغف لاكتشاف العالم ثم نبدأ تدريجيًا في اكتشاف نسخة أخرى من أنفسنا نسخة صنعتها الأسرة والمجتمع والتجارب والخوف والتوقعات التي التصقت بنا حتى أصبح من الصعب معرفة أين تنتهي شخصيتنا الحقيقية وأين تبدأ الأشياء التي تعلمناها دون أن نختارها وهنا يضع يوسف الحسني يده على واحدة من أكثر المناطق حساسية داخل الإنسان وهي تلك المساحة التي تتكون فيها الأفكار والمعتقدات والانفعالات ثم تتحول مع الوقت إلى أنماط نكررها وكأنها طبيعتنا
الطفل لا يولد وهو يعرف أنه أقل من الآخرين ولا يأتي إلى الحياة وهو مقتنع بأنه يحتاج إلى إثبات قيمته باستمرار لكنه يتعلم ذلك من نظرات ومواقف وكلمات قد تبدو عابرة في لحظتها ثم تستقر داخله وتتحول إلى صوت خفي يرافقه سنوات طويلة وقد يكبر الإنسان وهو يحاول الحصول على قبول الآخرين لأنه لم يتعلم أن قيمته موجودة قبل هذا القبول وقد يدخل علاقات مؤذية لأنه يخلط بين الحب والحاجة إلى أن يختاره أحد وقد يبالغ في العمل والإنجاز لأنه يبحث في النجاح عن إجابة لسؤال داخلي لم يستطع مواجهته
تظهر العقد النفسية هنا باعتبارها ليست مجرد مشكلات منفصلة يمكن وضعها في قائمة ثم التخلص منها واحدة وراء الأخرى بل هي أنماط تتشابك مع طريقة رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين ولذلك قد يبدو الإنسان واثقًا أمام الناس بينما يعيش داخله خوف شديد من الرفض وقد يبدو قويًا في العمل بينما ينهار أمام علاقة عاطفية وقد يرفض الظلم من الآخرين لكنه يسمح لنفسه بأن يعيش سنوات كاملة في علاقة تستنزفه لأن المواجهة بالنسبة إليه أكثر رعبًا من الألم نفسه
يأخذ الكتاب القارئ إلى فكرة مهمة وهي أن كثيرًا من اختياراتنا لا تبدأ لحظة اتخاذ القرار وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة حين تتشكل داخلنا تصورات عن الحب والنجاح والرجولة والأنوثة والسلطة والمال وقيمة الإنسان وهذه التصورات قد تتحول إلى قوانين غير مكتوبة نحاكم أنفسنا والآخرين بناء عليها دون أن نسأل من وضع هذه القوانين ولماذا صدقناها أصلًا
تظهر العلاقات الإنسانية كواحدة من أكثر المساحات التي تكشف العقد النفسية لأن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يخفي نقاط ضعفه عن الجميع لكنه يجد صعوبة في إخفائها داخل علاقة قريبة وقد يتعلق بشخص لا يمنحه الأمان لأنه اعتاد أن يربط الحب بالقلق وقد يفسر الغيرة باعتبارها اهتمامًا والسيطرة باعتبارها حماية والتجاهل باعتباره اختبارًا للحب وهنا تصبح المشكلة أخطر لأن الشخص لا يدافع فقط عن علاقة تؤذيه بل يدافع عن تفسيره الخاص لما يحدث داخلها
يركز الكتاب كذلك على مفهوم الاستحقاق وكيف يمكن للإنسان أن يبحث عنه خارج نفسه فقد يربط قيمته بالمال أو المظهر أو المكانة أو إعجاب الآخرين أو وجود شريك عاطفي وحين يختفي أحد هذه الأشياء يشعر وكأن جزءًا من قيمته اختفى معه وهذه الفكرة تكشف لماذا يستطيع شخص ناجح جدًا أن يشعر في داخله بأنه غير كاف ولماذا يمكن لإنسان يملك الكثير أن يعيش دائمًا في حالة خوف من فقدان ما يثبت له أنه يستحق
تأتي المواجهة مع الذات باعتبارها الطريق الأصعب لأن الإنسان يستطيع بسهولة أن يفسر أخطاء الآخرين لكنه يجد مقاومة أكبر عندما يحاول تفسير سلوكه هو وقد يكتشف أن بعض الصفات التي يكرهها في الآخرين موجودة داخله بصورة مختلفة وقد يكتشف أن بعض ردود أفعاله الحالية مرتبطة بتجارب قديمة لم يعد يتذكر تفاصيلها لكنه ما زال يعيش آثارها
يفتح الكتاب كذلك بابًا مهمًا حول النضج النفسي فالنضج لا يعني أن الإنسان يتوقف عن الخوف أو الحزن أو الاحتياج وإنما يعني أن يصبح أكثر قدرة على فهم هذه المشاعر بدل أن تسيطر عليه وأن يتعلم وضع الحدود دون شعور دائم بالذنب وأن يستطيع قول لا دون أن يعتقد أنه أصبح شخصًا سيئًا وأن يواجه الخلاف دون أن يهرب منه أو يحوله إلى معركة
الفكرة الأكثر إثارة هنا أن التحرر النفسي لا يعني التخلص من الماضي لأن الماضي جزء من تكوين الإنسان لكنه يعني التوقف عن السماح له بإدارة الحاضر فقد تكون التجربة القديمة حقيقية ومؤلمة لكن استمرارها داخل كل علاقة جديدة ليس قدرًا محتومًا وقد يكون الإنسان ضحية لما حدث له في البداية لكنه يصبح مسؤولًا عن الطريقة التي يتعامل بها مع أثر ذلك الحدث بعد أن يصبح واعيًا به
تتحول معرفة النفس بذلك من رحلة للبحث عن العيوب إلى محاولة لفهم الإنسان بكل تناقضاته فالخوف قد يكون رسالة والحاجة إلى القبول قد تكون أثرًا قديمًا والغضب قد يخفي جرحًا والرغبة المستمرة في السيطرة قد تكون محاولة للهروب من شعور عميق بالعجز وكلما أصبح الإنسان قادرًا على قراءة هذه الإشارات أصبح أكثر قدرة على اختيار رد فعله بدل الاستسلام للرد التلقائي
يبقى السؤال الذي يتركه الكتاب أثقل من مجرد سؤال كيف أتخلص من عقدي لأن السؤال الحقيقي يصبح كم قرارًا في حياتي اتخذته وأنا أظن أنه نابع من إرادتي بينما كان في الحقيقة محاولة للهروب من خوف قديم وكم علاقة تمسكت بها لأنني أحبها فعلًا وكم علاقة تمسكت بها لأنني كنت أخاف أن أبدأ من جديد وربما يكون أصعب اكتشاف يصل إليه الإنسان أن السجن النفسي لا يحتاج دائمًا إلى قضبان فقد يستطيع الإنسان أن يحمل سجنه معه أينما ذهب ثم يكتشف بعد سنوات أن مفتاحه كان موجودًا داخله منذ البداية
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق النص الأصلي محفوظة لأصحابها وورثتهم والناشرين وفقًا للقوانين المعمول بها.
البطاقة التعريفية:
العنوان: عقدك النفسية سجنك الأبدي
المؤلف: د. يوسف الحسني
الناشر: عصير الكتب للنشر والتوزيع
بلد النشر: مصر
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 288 صفحة
رقم الإيداع: غير متاح
ISBN: 9789778591668







