جلسات نفسيه

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة وهذه القراءة ليست اختصارًا للكتاب أو بديلًا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالواقع الذي نعيشه اليوم

نعيش سنوات طويلة نتعلم خلالها كيف نتعامل مع الدراسة والعمل والناس والالتزامات والمشكلات اليومية لكننا ننسى أحيانًا أهم علاقة في حياتنا وهي علاقتنا بأنفسنا ومن هنا تبدأ الفكرة الأساسية التي يتحرك حولها كتاب جلسات نفسية فالمشكلة التي تؤثر في حياتنا قد لا تكون دائمًا الظروف المحيطة بنا وإنما الطريقة التي نفهم بها أنفسنا ونحاكم بها مشاعرنا ونفسر بها أخطاءنا

يحاول الكتاب أن يجعل الإنسان يتوقف قليلًا أمام صوته الداخلي ذلك الصوت الذي يرافقه طوال الوقت ويخبره بأنه غير كاف أو أنه فاشل أو أنه لا يستحق الحب أو أنه يجب أن يكون أفضل دائمًا وقد يتحول هذا الصوت مع مرور السنوات إلى سلطة داخلية أقسى من أي شخص آخر لأن الإنسان يستطيع الابتعاد عن الأشخاص الذين يؤذونه لكنه يصعب عليه الهروب من نفسه حين تصبح هي مصدر الأذى

تبدأ رحلة التعامل الصحي مع النفس من تقديرها واحترامها فالنفس التي تتعرض للإهانة المستمرة لن تصبح أقوى لمجرد أن صاحبها يطالبها بالمزيد والقسوة لا تصنع دائمًا إنسانًا أفضل وقد يتحول النقد المستمر إلى وسيلة لتحطيم الثقة بدلًا من إصلاح الأخطاء لذلك تصبح طريقة الحديث مع الذات جزءًا أساسيًا من بناء السلام النفسي

تتكون صورتنا عن أنفسنا عبر سنوات طويلة من التجارب والمواقف والكلمات التي نسمعها من الأسرة والمجتمع والمدرسة والأصدقاء وقد تحمل بعض هذه التجارب أحكامًا نصدقها دون أن نراجعها وربما يسمع الطفل مرة أنه ضعيف أو فاشل أو غير محبوب ثم يكبر وهو يتعامل مع هذه الجملة كأنها حقيقة ثابتة رغم أنها لم تكن أكثر من حكم صدر في لحظة معينة

تؤثر هذه المعتقدات القديمة في العلاقات التي ندخلها وفي الطريقة التي نتعامل بها مع النجاح والفشل وحتى في قدرتنا على قبول الحب فقد يبحث الإنسان عن دليل مستمر يؤكد أنه محبوب لأن داخله فكرة قديمة تقول إنه لا يستحق الحب وقد يبالغ في إرضاء الآخرين لأنه يخشى أن يؤدي رفضه لطلب ما إلى خسارتهم وقد يتحمل ما لا يجب تحمله لأنه يربط الحفاظ على العلاقة بالتنازل المستمر عن نفسه

يفتح الكتاب كذلك مساحة للتعامل مع المشاعر بدلًا من الهروب منها فالحزن والغضب والخوف والقلق ليست علامات تلقائية على الضعف وإنما تجارب إنسانية تحتاج إلى فهم وتفسير وقد يصبح تجاهل المشاعر أكثر ضررًا من مواجهتها لأن ما يتم دفنه دون فهم قد يعود في صورة توتر أو غضب أو انسحاب أو تعلق زائد بالآخرين

تظهر فكرة المسؤولية الشخصية باعتبارها مختلفة عن جلد الذات فالاعتراف بأن لدينا دورًا في بعض مشكلاتنا لا يعني أننا السبب في كل شيء كما أن فهم الماضي لا يعني استخدامه عذرًا دائمًا للاستسلام فهناك فرق بين أن تقول إن تجربة قديمة أثرت في شخصيتك وبين أن تعتبر هذه التجربة حكمًا نهائيًا على بقية حياتك

يتعامل الكتاب مع السعي إلى الكمال باعتباره واحدًا من الطرق التي يمكن أن تتحول بها الرغبة في التطور إلى مصدر دائم للتعاسة فالإنسان الذي يضع لنفسه معيارًا لا يمكن الوصول إليه سيجد دائمًا سببًا جديدًا لاتهام نفسه مهما حقق وقد تتحول الإنجازات بدلًا من أن تكون مصدرًا للرضا إلى مجرد محطات مؤقتة قبل الانتقال إلى مطلب جديد

تأتي مقارنة النفس بالآخرين باعتبارها فخًا آخر لأن الإنسان يرى عادة الصورة الخارجية من حياة الآخرين بينما يعيش تفاصيل حياته من الداخل ولذلك تبدو حياة الآخرين أكثر استقرارًا ونجاحًا وسعادة بينما يرى هو نقاط ضعفه ومخاوفه وأيامه السيئة وقد تؤدي هذه المقارنة إلى شعور مستمر بالتأخر رغم أن كل إنسان يتحرك داخل ظروف وتجارب مختلفة

يمتد التعامل الصحيح مع النفس إلى القدرة على وضع الحدود فالطيبة لا تعني قبول كل شيء والتسامح لا يعني السماح بتكرار الأذى والحب لا يعني التخلي عن الكرامة والخوف من خسارة الآخرين قد يجعل الإنسان يخسر نفسه تدريجيًا لذلك يصبح وضع الحدود فعلًا من أفعال احترام الذات وليس نوعًا من الأنانية

تتطلب السكينة النفسية كذلك فهم أن الإنسان لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث حوله لكنه يستطيع بدرجات مختلفة التحكم في استجابته لما يحدث وهذا التحول في التفكير يخفف كثيرًا من الصراع الداخلي لأن جزءًا كبيرًا من القلق يأتي من محاولة السيطرة على أشياء تقع خارج نطاق القدرة الشخصية

يمنح الكتاب القارئ مساحة للتصالح مع فكرة أن التغيير النفسي ليس حدثًا سريعًا فالإنسان الذي عاش سنوات وهو يكره نفسه لن يتحول خلال يوم واحد إلى شخص متصالح معها والأنماط القديمة تحتاج إلى وعي وتكرار ومراجعة وصبر لذلك تصبح الرحلة أهم من البحث عن نتيجة فورية

تتجمع هذه الأفكار كلها حول معنى واحد وهو أن إصلاح العلاقة مع النفس ليس رفاهية وإنما أساس تتأثر به العلاقات والعمل والقرارات وحتى القدرة على الاستمتاع بالحياة فحين يفهم الإنسان نفسه بصورة أكثر عدلًا يصبح أقل احتياجًا لإثبات قيمته أمام الآخرين وأكثر قدرة على اختيار ما يناسبه بدلًا من الركض المستمر وراء القبول

يبقى السؤال الحقيقي الذي يتركه الكتاب ليس كيف تصبح سعيدًا طوال الوقت لأن السعادة الدائمة فكرة غير واقعية وإنما كيف تصبح قادرًا على العيش مع نفسك دون حرب مستمرة وكيف تتعلم أن ترى أخطاءك دون أن تختزل نفسك فيها وأن تعترف بضعفك دون أن تعتبر نفسك ضعيفًا وأن تطلب المساعدة دون أن تشعر بأنك أقل من غيرك وربما تكون السكينة التي يبحث عنها الإنسان أقل ارتباطًا بتغيير العالم من حوله وأكثر ارتباطًا بالطريقة التي يعود بها إلى نفسه كلما ابتعد عنها
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق النص الأصلي محفوظة لأصحابها وورثتهم والناشرين وفقًا للقوانين المعمول بها.
البطاقة التعريفية:
العنوان: جلسات نفسية
المؤلف: د. محمد إبراهيم
الناشر: عصير الكتب للنشر والتوزيع
بلد النشر: مصر
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 232 صفحة
رقم الإيداع: غير متاح في المصادر التي تم التحقق منها
ISBN: 9789776902190

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *