الخسارة تعني التغيير.. قراءة في كتاب “ربما عليك أن تكلم أحدًا”

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ماذا يريد الكاتب؟
كمعالجة نفسية تعرف الكثير عن الألم، وعن كيفية ارتباطه بالخسارة، أيضًا إن التغيير والخسارة يسيران معًا جنبًا إلى جنب، تخبرك أن أي تغيير من دون خسارة، وخلاصة ما تريد أن تصل إليه أن من يريد أن يتغير عليه أولًا أن يدرك طبيعة مشكلته، ثم عليه أن يتحدث عنها مع من يثق به من معالجين نفسيين حتى يمكن النظر بإمعان فيها، ولا يتم ذلك بشكل أحادي، بل هو مسارٍ متوازٍ بين الطرفين.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كتاب مضحك ومثير للتفكير ومدهش في آن، يأخذنا وراء كواليس عالم العلاج النفسي، حيث يبحث مرضاها عن إجابات هي نفسها تبحث عنها، بينما تستكشف «لوري غوتليب» العوالم الداخلية في حياة مرضاها، تصل إلى حقيقة أن الأسئلة التي يعانون في إيجاد حل لها هي الأسئلة نفسها التي تطرحها على معالجها بحكمة مبهرة وحس فكاهة لافت، تأخذنا «غوتليب» إلى عالمها كمعالجة نفسية ومريضة في آن، تمحّص الحقائق والخيالات التي نخبرها لأنفسنا وللآخرين، بينما نتأرجح على حبل الحب والرغبة، والمعنى والموت، والذنب والخلاص، والرعب والشجاعة، والأمل والتغيير، كما أن الكتاب ثوري في صراحته، يأخذنا في جولة عميقة إلى مكنوناتنا ويقدم لنا مشهدية بالغة الجرأة لمعنى أن تكون إنسانًا. سرد مضحك وملهم ومثير لحياتنا الغامضة والقوة التي نتسّلح بها لتحويلها.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور، حيث تجمع الكاتبة بين دورها كمعالجة جلسات لمرضاها، وتغطيها كمريضة تجلس أمام معالجها الخاص (ويندل) بعد تعرضها لأزمة عاطفية مؤكدة للأغراض المهمة، وأبرز الأفكار ومحاور الكتاب، هي ازدواجية الدور حيث يستعرض الكتاب بصدق كيف أن المعالجين النفسيين يعانون من نفس المعاناة، الصراعات، والأسئلة الوجودية التي يعاني منها مرضاهم، أيضا حكايات من الواقع حيث تسرد لوري غوتليب قصص حقيقية ومؤثرة لأربعة من اللاعبين يواجهون تحديات متنوعة؛ مثل الوحدة، حلم الأمل، الموت، وأزمات العلاقات، إلى جانب قوة التأمل الذاتي إذ يشارك الكتاب في الجدوى في مواجهة الذات، والاعتراف بالضعف، والانفتاح على الحوار الصعب للتغلب على الضغوط النفسية، وأخيرًا بالاعتراف الإنساني حيث يرسخك لفكرة أن طلب المساعدة ليس عيباً، بل هو خطوة شجاعة نحو التوصل إلى نتيجة مفيدة للحياة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب كتاب “ربما عليك أن تتكلم أحدًا” كل من يبحث عن فهم النفس البشرية، أو يواجه أزمة شخصية، أو يحتاج إلى معرفة النفس والعلاقات الإنسانية، حيث التعاون عن العلاج النفسي فيتنافس من يترددون في تجربة العلاج النفسي أو يخافون من وصمته، حيث يغلق الباب على كواليس الغرفة العلاجية ويزيل حاجز الخوف، ويعالج من صدمات الفقدان، أو الشعور بالوحدة والضياع، و شركات التجارب العلمية والأكاذيب التي صنعتها لأنفسنا ونعيش في سجنها، أيضا عشاق القصص الواقعية حيث يناسب من يفضلون الكتب التي تطرح أفكاراً رقيقة بقالب قصصي إنساني ممتع، سلس، ومزوج بفك اللاهية.
مميزات الكتاب:
يمتاز الكتاب بكونه عملاً مؤكداً أن تربط بين العمق النفسي، والأسلوب المذهل الممتع، والصراحة المطلقة التي تكسر الصورة النمطية لكتب العلاج النفسي النفسي، كما أن الكتاب تجربة فريدة ترى فيها الكاتبة المعالجة النفسية والمريض في آنٍ واحد، فهي تستعرض قصص مرضاها بينما هي الكائنات شخصياً لجلسات علاج نفسي مع علاجها الخاص، ويغوص في تفاصيل مشاعر مركبة ومقودة مثل الفقد، الحب، الوحدة، الموت، ويفكر في معنى، من خلال قصص مؤثرة ونابضة معجبة تتميز بوجود سلسلة أدبي تجمع بين خفة الظل والعمق الفلسفي والنفسي، مما يجعل سرعان من قلب القارئ ومسلياً رغم قتامة بعض التحديات النفسية.
قراءة صحفية…
يسرد هذا الكتاب مجموعة من الحكايات الواقعية التي جمعت بين مؤلفته، المعالجة النفسية الأمريكية لوري غوتليب، ومجموعة من مرضاها، كما أنه يفعل أكثر من ذلك، فمضمونه يخرج عن الإطار التقليدي الذي يجد فيه القارئ وعظًا مباشرًا أو نصائح يمليها طرف أقوى يملك الخبرة والمعرفة وهو الطبيب المعالج، وطرف أضعف وهش ينتظر الخلاص وهو المريض.
الكاتبة هنا تتعامل مع الأمر بمنظور مختلف، فهي تروي وقائع تتقاطع هي ذاتها مع جوانب عديدة منها، فهي تتبادل الأدوار مع الشخصيات التي تتعامل معها، وتشير صراحة إلى أنها لا يمكن أن تفهم ما يمر به أي مريض وتدفعه إلى الكلام معها بشأن مشكلته من أجل اكتشاف سبل العلاج لها إلا إذا وضعت نفسها مكانه، وتخيلت ما يمر به وتداعيات ذلك عليه، فهذا هو السبيل الوحيد للفهم وبالتالي للتوصل إلى حل يحقق الراحة.
الكتاب بعنوان “ربما عليك أن تكلم أحدًا، معالج نفسي، وحياتنا كما يكشفها”، وهو كما تشير كلمة الغلاف “مثير ومدهش في آن، يأخذنا وراء كواليس عالم العلاج النفسي”. ويضم هذا العمل ملاحظات وتأملات كتبتها مؤلفته بطريقة قصصية مشوقة عن حالات إنسانية متباينة من المحتمل أن تمس القارئ نفسه، لأنها تتعلق بجوانب يشترك فيها البشر جميعًا ترتبط بأنماط تفكيرهم ومشاعرهم وسلوكياتهم.
ويطرح هذا العمل كما تقول الكاتبة سؤالًا هو “كيف نتغير؟”، ليجيب: “نتغير بحسب العلاقة مع الآخرين”، وتفرض هذه العلاقات ثقة متبادلة بين المعالج النفسي والمرضى لكي يحدث التغيير المنشود. وتؤكد الحالات التي يعرضها الكتاب أن أي شخص يريد أن يحدث أي تغيير إيجابي في حياته لابد أنه سيعاني نوعًا ما من الألم والخسارة، فهو سيتعرض لمجموعة من المعوقات التي تعترض طريقه نحو السعادة أو تحقيق النجاح في مجالات الحياة المختلفة، لهذا سيكون لزامًا عليه أن يتحرك لتغيير مثل هذا الوضع.

حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: ربما عليك أن تكلم أحدًا، معالج نفسي، وحياتنا كما يكشفها
المؤلف: لوري غوتليب – ترجمة نادين نصر الله
دار النشر: دار التنوير للطباعة والنشر
بلد النشر: بيروت
الطبعة: العربية
سنة النشر: 2020
عدد الصفحات: 528
رقم الإيداع: غير متوافر
ISBN: 9786144721490

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *