تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
قد يبدو عنوان كتاب”يوم بعيد عن الهاتف” للمؤلفة”آية محمود” للوهلة الأولى وكأنه دعوة إلى الابتعاد عن التكنولوجيا، لكن الكتاب في جوهره لا يطرح الهاتف باعتباره عدواً يجب التخلص منه، وإنما يتعامل معه بوصفه واحداً من أكثر الأشياء التي يمكن أن تستهلك وقت الإنسان إذا تحول استخدامه من وسيلة إلى عادة مسيطرة.
وتبدأ المؤلفة فكرتها من سؤال بسيط ماذا يمكن أن يفعل الإنسان إذا ابتعد عن هاتفه ليوم واحد؟
ومن هنا تأخذ القارئ في تجربة عملية، تطلب منه أن يترك الهاتف جانباً، ويعيد اكتشاف الساعات التي كانت تضيع في التصفح العشوائي ومتابعة الأصدقاء والعالم الافتراضي.
وتصف الكاتبة الكتاب باعتباره رحلة إلى الذات وإلى تقدير الوقت، مؤكدة أن الهدف ليس الابتعاد الدائم عن الهاتف، وإنما استثمار جزء من اليوم بعيداً عنه.
الرسالة الأساسية إذن ليست”اترك الهاتف”بقدر ما هي اكتشف ماذا تستطيع أن تفعل عندما لا يكون الهاتف هو النشاط الأول في يومك.
فالكتاب يقترح أن يتحول الوقت المستقطع من الشاشة إلى مساحة للعبادة، والدراسة، والتخطيط، ومساعدة الأسرة، والراحة، والتفكير في المستقبل.
وهنا يصبح الهاتف مجرد رمز لمشكلة أكبر: مشكلة الوقت الذي نملكه، لكننا لا نعرف دائماً أين يذهب.
توجية الوقت لأشياء أكثر نفعآ:
يقوم الكتاب على فكرة محورية وهي أن الوقت الذي يستهلكه الهاتف يمكن استعادته وتوجيهه إلى أشياء أكثر نفعاً، حيث تبدأ الكاتبة رحلتها من قرار واضح إغلاق الهاتف ووضعه في مكان آمن، ثم التعامل مع اليوم باعتباره فرصة لتجربة حياة مختلفة، وهي توضح للقارئ منذ البداية أنه يستطيع العودة إلى هاتفه بعد انتهاء التجربة، وأن المطلوب ليس الانقطاع النهائي، وإنما تجربة يوم أو ساعات قليلة بعيداً عن الشاشة.
استخدام مجموعة من الأنشطة التي يمكن أن تملأ هذا الوقت:
وتحتل العبادة مساحة كبيرة من الكتاب؛ فتدعو القارئ إلى قراءة القرآن والتدبر والاهتمام بالصلاة وقيام الليل والتوبة والتقرب إلى الله، ثم تنتقل إلى الدراسة وطلب العلم، وتربط الابتعاد عن الهاتف باستثمار الوقت في التعليم، حتى إذا كان الإنسان لا يحب كل المواد الدراسية التي يدرسها.
مساعدة الأسرة:
كما تطرح فكرة مساعدة الأسرة، وتحديداً المشاركة في الأعمال المنزلية وتقدير الشخص الذي يقوم بهذه المسؤوليات بصورة مستمرة، ولا تتوقف الرحلة عند ذلك، إذ تدعو الكاتبة القارئ إلى كتابة أهدافه وخططه، وتحديد ما يريد إنجازه، ثم تقسيم الطريق إلى خطوات صغيرة ومستمرّة، وفي نهاية اليوم، لا تدعو إلى إلغاء الهاتف تماماً؛ بل تسمح بوقت للعودة إلى الأصدقاء واللعب والترفيه، ولكن بصورة أكثر وعياً.
بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندت عليها الكاتبة وهي أن:
الهاتف يمكن أن يتحول من وسيلة مفيدة إلى وسيلة لاستهلاك الوقت إذا غاب الوعي في استخدامه.
الابتعاد عن الهاتف ولو لفترة محدودة يمكن أن يكشف حجم الوقت الذي يذهب في التصفح غير الضروري.
الوقت الضائع يمكن إعادة توجيهه إلى أنشطة أكثر فائدة.
العبادة وقراءة القرآن تمثلان في رؤية الكاتبة جانباً أساسياً من استثمار اليوم.
الدراسة وطلب العلم من المجالات التي يمكن أن تستفيد من الوقت المستعاد من الهاتف.
مساعدة الأسرة والأعمال المنزلية يمكن أن تكون جزءاً من اليوم المنتج.
التخطيط للأهداف يساعد الإنسان على تحويل النوايا إلى خطوات عملية.
الأهداف الكبيرة يمكن الاقتراب منها من خلال خطوات صغيرة ومتواصلة.
الراحة ليست إضاعة للوقت، وإنما جزء من تنظيم اليوم واستعادة النشاط.
الابتعاد عن الهاتف لا يعني قطع العلاقات الاجتماعية، وإنما إعادة تنظيم العلاقة مع العالم الافتراضي.
الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:
يبدو أن الكتاب يستهدف بصورة أساسية الشباب والمراهقين، وخصوصاً من يشعرون بأن الهاتف يستحوذ على جزء كبير من يومهم.
ويتضح ذلك من لغة الكتاب ومخاطبته المباشرة لمن يقضون ساعات طويلة في تصفح الهاتف أو الحديث مع الأصدقاء عبر العالم الافتراضي، وكذلك من تركيزه على الدراسة وطلب العلم وتنظيم المستقبل.
لكن الفكرة يمكن أن تمتد إلى فئات أكبر من ذلك بكثير.
فالمشكلة التي يناقشها الكتاب لم تعد مرتبطة بالمراهقين وحدهم؛ إذ أصبح الهاتف جزءاً أساسياً من حياة الموظف والصحفي والطالب ورب الأسرة.
وقد يكون الشخص جالساً لإنجاز مهمة مهمة، ثم يجد نفسه بعد دقائق ينتقل بين تطبيق وآخر دون أن يعرف لماذا فتح الهاتف من الأساس.
وهنا يصبح الكتاب مناسباً لكل شخص يشعر بأن يومه يمر بسرعة، وأن الهاتف يأخذ من وقته أكثر مما يعطيه.
أما عن نقاط القوة في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:
من أبرز نقاط القوة أن الكتاب لا يكتفي بانتقاد الهاتف، وإنما يقدم للقارئ بديلاً.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن مطالبة الإنسان بترك عادة دون إعطائه شيئاً يملأ الفراغ الناتج عنها غالباً لا تكون كافية.
الكاتبة تقول للقارئ بصورة عملية: إذا تركت الهاتف، اقرأ، ادرس، خطط، ساعد أسرتك، مارس العبادة، استرح، ثم عد إلى الترفيه بصورة محسوبة.
وهذه النقلة من”ماذا لا تفعل؟” إلى”ماذا تفعل بدلاً منه؟” تجعل الفكرة أكثر قابلية للتطبيق.
كما أن الكتاب يتميز ببساطة لغته ومباشرته، فهو لا يقدم دراسة أكاديمية عن الإدمان الرقمي، وإنما يخاطب القارئ بصورة شخصية ويضعه داخل تجربة ليوم واحد.
ومن نقاط القوة أيضاً أن الكتاب يربط قضية إدارة الوقت بالقيم الدينية والأسرية والتعليمية، بدلاً من حصر الإنتاجية في العمل والإنجاز المادي.
ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:
أهم سؤال يطرحه الكتاب هو: هل الهاتف هو المشكلة فعلاً، أم أن المشكلة في الطريقة التي نستخدمه بها؟
الهاتف في حد ذاته لا يحدد كيف نعيش، يمكن أن يكون أداة للتعلم والعمل والقراءة والتواصل، ويمكن في الوقت نفسه أن يتحول إلى وسيلة لاستهلاك ساعات طويلة دون فائدة، لذلك فإن الحل الأكثر نضجاً ربما لا يكون في إعلان الحرب على الهاتف، وإنما في استعادة السيطرة على العلاقة معه.
وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً آخر: هل نستطيع فعلاً أن نعيش يوماً بعيداً عن الهاتف؟
بالنسبة لبعض الناس، ستكون الإجابة سهلة، بينما قد يشعر آخرون بالقلق بمجرد إبعاده عن أيديهم، وهذا يكشف أن المسألة لا تتعلق بالجهاز نفسه، وإنما بدرجة ارتباط الإنسان به.
الكتاب ينجح في لفت الانتباه إلى مشكلة “التصفح بلا هدف”وهي واحدة من أكثر صور ضياع الوقت شيوعاً، فقد يفتح الإنسان هاتفه لسبب محدد، ثم ينتقل إلى شيء آخر، ثم ثالث، وبعد نصف ساعة يكتشف أنه لم يفعل الشيء الذي فتح الهاتف من أجله، وهنا لا تضيع الدقائق منفردة، وإنما تتراكم حتى تتحول إلى ساعات.
ومن الأفكار اللافتة في الكتاب أيضاً دعوة القارئ إلى كتابة أهدافه وتقسيمها إلى خطوات صغيرة.
وهذه الفكرة تتجاوز الهاتف نفسه، فحتى لو أغلق الإنسان هاتفه، فلن يتغير شيء إذا ظل يؤجل كل شيء إلى الغد، لذلك فإن الكتاب في جوهره يمكن قراءته باعتباره دعوة إلى استعادة المبادرة، أن تقول لنفسك: هذا وقتي، وأنا من يقرر أين يذهب.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي..كم ساعة أستطيع أن أقضيها بعيداً عن الهاتف؟بل: ماذا أريد أن أفعل بالساعات التي أملكها قبل أن تضيع؟.
في النهاية عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان:”يوم بعيد عن الهاتف”
المؤلفة:”آية محمود”
دار النشر: نشر إلكتروني
بلد النشر: مصر
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 17 صفحة في النسخة الإلكترونية
ISBN: 979-8371131508







