تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
يبدأ توماس إريكسون كتابه من سؤال يبدو بسيطا لكنه يكشف مشكلة عميقة في علاقاتنا اليومية: لماذا نستطيع التفاهم بسهولة مع بعض الأشخاص، بينما نشعر أن التعامل مع أشخاص آخرين مرهق إلى درجة تجعلنا نصفهم بأنهم أغبياء أو مستفزون أو مستحيلون؟ الفكرة الأساسية التي يحاول الكاتب نقلها إلى القارئ هي أننا في الغالب لا نعيش وسط الحمقى، وإنما وسط أشخاص يختلفون عنا في طريقة التفكير والتصرف والتواصل، وما نسميه غباء في الآخرين قد يكون في كثير من الأحيان مجرد اختلاف في الشخصية أو الأولويات أو سرعة اتخاذ القرار أو طريقة التعبير، ومن هنا ينقل الكتاب القارئ من مرحلة الحكم على الآخرين إلى محاولة فهمهم، وهي النقلة التي يعتبرها إريكسون أساسا لتحسين العلاقات في العمل والأسرة والحياة الاجتماعية، ويعتمد الكاتب في تفسيره للاختلافات السلوكية على نموذج “DISC”، ويقدمه بصورة مبسطة من خلال أربعة ألوان رئيسية: الأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق.
الشخصية الحمراء، وفق النموذج الذي يقدمه الكتاب، تميل إلى الحسم والسيطرة والسرعة والتركيز على النتائج، صاحب هذا النمط لا يحب الدوران حول الموضوع، ويفضل أن يعرف ماذا يجب أن يحدث ومتى وكيف، قد يبدو حادا أو متسلطا أو قليل الصبر بالنسبة إلى الأشخاص الأكثر هدوءا، لكنه في المقابل قد يكون قادرا على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية ودفع الآخرين إلى الإنجاز، المشكلة تبدأ عندما يتعامل شخص أحمر مع الجميع بالطريقة نفسها، أو عندما يفسر تردد الآخرين على أنه ضعف وعدم كفاءة، لذلك ينصح الكتاب بالتعامل معه بصورة مباشرة وواضحة، والابتعاد عن الإطالة والتفاصيل غير الضرورية عندما لا تكون مطلوبة، ومن المهم هنا أن نفهم أن الهدف ليس أن نتحول إلى أشخاص حمر، وإنما أن نتعلم كيف نوصل رسالتنا بالطريقة التي يستطيع الطرف الآخر استقبالها.
أما الشخصية الصفراء فهي أكثر اجتماعية وحماسا وانفتاحا، وتحب الحديث والتفاعل والأفكار الجديدة، صاحب هذا النمط قد يكون مصدرا للطاقة والحماس داخل المجموعة، وغالبا ما ينظر إلى الاحتمالات أكثر من العقبات، لكنه قد يبدو مشتتا أو كثير الكلام أو قليل الاهتمام بالتفاصيل، وقد يبدأ عدة أشياء دون أن ينهيها كلها، وهنا يظهر اختلاف مهم في التواصل: الشخص الأزرق قد يرى الأصفر غير منظم، بينما يرى الأصفر الأزرق معقدا ومملا أكثر مما ينبغي، لا يعني ذلك أن أحدهما أفضل من الآخر، وإنما يعني أن كل شخص ينظر إلى العالم من زاوية مختلفة، التعامل مع الأصفر يحتاج إلى مساحة للحوار والتفاعل، وإلى الاستفادة من حماسه، مع مساعدته على تحويل الأفكار إلى خطوات عملية واضحة.
ثم يأتي النمط الأخضر، وهو من أكثر الأنماط ارتباطا بالاستقرار والهدوء والعلاقات الإنسانية، الشخص الأخضر غالبا لا يحب الصراعات والتغييرات المفاجئة، ويميل إلى الاستماع والصبر ومراعاة مشاعر الآخرين، قد يكون شخصا يمكن الاعتماد عليه في العلاقات طويلة المدى، لكنه قد يجد صعوبة في اتخاذ قرارات سريعة أو مواجهة الآخرين بصورة مباشرة، وإذا تعرض لضغط شديد فقد ينسحب بدلا من الدخول في مواجهة، لذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى قدر من الهدوء والاحترام وإعطائه الوقت الكافي، خصوصا عندما يكون المطلوب منه تغييرا مفاجئا، الخطأ الذي يقع فيه الشخص الأحمر مثلا هو أن يضغط على الأخضر كي يتصرف بسرعة، ثم يفسر بطء استجابته على أنه ضعف، بينما الحقيقة أنه يحتاج إلى الشعور بالأمان والوضوح قبل أن يتحرك.
أما الشخصية الزرقاء فهي الشخصية التحليلية الدقيقة التي تهتم بالحقائق والتفاصيل والجودة والمنطق، لا تحب هذه الشخصية اتخاذ القرارات اعتمادا على الانطباعات وحدها، وغالبا ما تريد معرفة المعلومات والأرقام والأسباب قبل أن توافق على شيء، قوتها تظهر في الدقة والتنظيم واكتشاف الأخطاء والتخطيط، لكن الإفراط في التحليل قد يجعلها بطيئة في بعض المواقف أو كثيرة التدقيق، وقد يراها الشخص الأصفر مملة ومعقدة، بينما ترى الشخصية الزرقاء أن الأصفر متسرع ولا يهتم بالتفاصيل، هنا يريد إريكسون أن يوضح أن المشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في أننا نصر على استخدام أسلوبنا الخاص مع الجميع، ثم نغضب عندما لا يستجيب الآخرون بالطريقة التي نتوقعها.
ومن أهم الرسائل التي يكررها الكتاب أن معرفة الآخرين لا تكفي، بل يجب أن يبدأ الإنسان بنفسه، فمن السهل أن نقرأ شخصية الآخرين ونضعهم في ألوان وتصنيفات، لكن الأصعب هو أن نكتشف عيوب أسلوبنا نحن في التواصل، قد يكون الإنسان مباشرا أكثر من اللازم، أو كثير الحديث، أو شديد الحساسية تجاه التغيير، أو مفرطا في التدقيق، ثم يتساءل لماذا لا يفهمه الآخرون، لذلك فإن الكتاب يدفع القارئ إلى مراقبة سلوكه وطريقة كلامه وردود أفعاله، ثم ملاحظة الأنماط المتكررة في الأشخاص المحيطين بهذه الخطوة تجعل فكرة الألوان أداة لفهم الذات قبل أن تكون وسيلة لتصنيف الآخرين.
وتزداد أهمية الفكرة عندما ينتقل الكتاب إلى الحياة العملية، ففي مكان العمل قد يجتمع المدير الحاسم مع الموظف الهادئ، والشخص الاجتماعي مع الشخص التحليلي، وكل واحد منهم يعتقد أن طريقته هي الطريقة الطبيعية والصحيحة، المدير الأحمر يريد النتائج فورا، والأزرق يريد المزيد من البيانات، والأخضر يريد الحفاظ على الانسجام داخل الفريق، والأصفر يريد مساحة للحوار والأفكار، إذا تحدث المدير مع الجميع بالطريقة نفسها، فمن المحتمل أن يفشل في التواصل مع جزء كبير من فريقه، أما إذا فهم اختلافاتهم، فيستطيع تعديل طريقته دون أن يفقد شخصيته أو سلطته، وهذه من أكثر النقاط العملية في الكتاب، لأن التواصل الفعال لا يعني أن تقول ما تريد فقط، بل أن تفكر أيضا في الطريقة التي سيستقبل بها الطرف الآخر ما تقوله.
والفكرة نفسها تنطبق على العلاقات العائلية والاجتماعية، كثير من الخلافات بين الأزواج والأصدقاء وأفراد الأسرة لا تكون بسبب اختلاف جوهري في النوايا، وإنما بسبب اختلاف طريقة التعبير عن الاحتياجات، شخص يحتاج إلى الحديث والتفريغ، وآخر يحتاج إلى الهدوء، شخص يريد حل المشكلة فورا، وآخر يحتاج إلى وقت قبل أن يتحدث، شخص يرى التفاصيل ضرورية، وآخر يرى أنها مجرد تعقيد، عندما لا ندرك هذه الاختلافات، نبدأ في تفسير سلوك الآخرين بصورة شخصية: هو لا يهتم بي، هي لا تفهمني، هو عنيد، هي تتكلم كثيرا، بينما قد يكون التفسير الحقيقي أبسط بكثير: نحن مختلفون في الطريقة التي نتعامل بها مع المواقف.
ومن الجوانب الجيدة في الكتاب أن إريكسون لا يقدم الفكرة بطريقة أكاديمية شديدة التعقيد، وإنما يستخدم أمثلة ومواقف تساعد القارئ على التعرف على الأنماط بسرعة وربطها بحياته اليومية، وهذا يجعل الكتاب سهل القراءة ومفيدا لمن يريد مدخلا عمليا إلى موضوع التواصل وفهم السلوك، كما أن تقسيم الشخصيات إلى ألوان يجعل المفاهيم سهلة التذكر، فبدلا من حفظ مصطلحات نفسية كثيرة يستطيع القارئ أن يتذكر خصائص الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق ويستحضرها عند التعامل مع الآخرين، وقد ساهمت هذه البساطة في انتشار الكتاب على نطاق واسع وترجمته إلى لغات عديدة.
لكن قوة الكتاب هي في الوقت نفسه أحد جوانب ضعفه، فالبشر أكثر تعقيدا من أن يمكن اختزالهم دائما في أربعة ألوان، الإنسان الواحد قد يكون حاسما في موقف وهادئا في موقف آخر، اجتماعيا مع أصدقائه ومنظما وتحليليا في عمله، كما أن الشخصية تتأثر بالتربية والثقافة والخبرة والظروف النفسية والموقف الذي يجد الإنسان نفسه فيه، لذلك فإن التعامل مع نموذج الألوان على أنه تشخيص علمي نهائي للشخصية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، فقد يتحول القارئ من شخص يحاول فهم الآخرين إلى شخص يضعهم في قوالب ثابتة ويحكم عليهم من خلالها، وهذا من أهم المفاهيم التي تحتاج إلى مناقشة عند قراءة الكتاب: التصنيف مفيد إذا استخدم كخريطة تقريبية تساعدنا على التواصل، لكنه يصبح خطرًا إذا استخدم كحقيقة مطلقة عن الإنسان، وتشير بعض المراجعات أيضا إلى انتقادات تتعلق بالتبسيط المفرط والأساس العلمي للنموذج المستخدم، لذلك من الأفضل التعامل مع الكتاب باعتباره دليلا عمليا للتواصل لا تشخيصا نفسيا متخصصا.
في النهاية، لا يريد إريكسون من القارئ أن يبحث عن لون كل شخص حوله لمجرد تصنيفهم، وإنما يريد أن يغير السؤال من لماذا هذا الشخص غبي؟، إلى لماذا يتصرف بهذه الطريقة؟، وكيف يمكنني التواصل معه بشكل أفضل؟، وهذه هي القيمة الحقيقية للكتاب، فعندما ندرك أن الناس لا يستقبلون الكلام بالطريقة نفسها، وأن ما نراه منطقيًا قد لا يكون منطقيا بالنسبة إلى شخص آخر، يصبح بإمكاننا أن نكون أكثر مرونة في علاقاتنا لن نحتاج تغيير شخصيات الآخرين، ولن ننجح أصلا في ذلك بسهولة، لكن يمكننا تغيير الطريقة التي نخاطبهم بها ونضع حدودا أوضح ونتوقع منهم ما يتناسب مع طبيعتهم.
والقارئ الذي سيستفيد أكثر من “محاط بالحمقى” هو من يتعامل باستمرار مع أشخاص مختلفين عنه، سواء في العمل أو الأسرة أو العلاقات الاجتماعية، أو من يشعر أن سوء التفاهم يتكرر في حياته ولا يعرف سببه، الكتاب مناسب أيضا لمن يريد بداية سهلة في فهم أنماط السلوك وتحسين مهارات التواصل، أما من يبحث عن دراسة علمية عميقة للشخصية أو علم النفس، فلن يكون هذا الكتاب كافيا بمفرده، وفي القراءة المتأنية، أفضل طريقة للاستفادة منه هي ألا تسأل فقط: أي لون أنا؟، بل أن تسأل: ما السلوك الذي يظهر مني تحت الضغط؟، وما السلوك الذي أحتاج إلى تطويره؟، وكيف يمكنني فهم الشخص المختلف عني دون أن أعتبر اختلافه عيبًا؟، عندها يتحول الكتاب من مجرد تصنيف ممتع للشخصيات إلى تمرين عملي على المرونة والتفاهم، وتصبح رسالته الأساسية واضحة: كثير من الناس الذين نظن أنهم حمقى ليسوا كذلك، نحن فقط نحاول فهمهم باستخدام الطريقة نفسها التي نفهم بها أنفسنا.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
______________________
حقوق النشر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
________________
البطاقة التعريفية العنوان: محاط بالحمقى: الأنماط الأربعة للسلوك البشري
المؤلف: توماس إريكسون
المترجم: عمر فتحي
الناشر: صفصافة للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 319 صفحة
ISBN: 9789778211832
_______________________________________







