قراءة في كتاب الإنسان ذو البعد الواحد — هربرت ماركوز

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يقدم هربرت ماركوز في كتابه نقدا عميقا للمجتمع الصناعي الحديث، ولا يكتفي بانتقاد الرأسمالية بوصفها نظاما اقتصاديا، بل يحاول أن يكشف الطريقة التي استطاع بها هذا النظام أن يدخل إلى وعي الإنسان نفسه، فيصبح الإنسان مشاركا في النظام الذي يحد من حريته من دون أن يشعر بأنه مقيد، الفكرة الأساسية التي يبني عليها ماركوز كتابه هي أن السيطرة في المجتمعات الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القمع المباشر أو القوة أو منع الإنسان من التعبير، وإنما أصبحت أكثر نعومة وتعقيدا، فالمجتمع يستطيع أن يجعل الإنسان يشعر بأنه حر، بينما يوجه رغباته وأفكاره واحتياجاته بطريقة تجعله متوافقا مع النظام القائم، ومن هنا جاء تعبير “الإنسان ذو البعد الواحد”: الإنسان الذي تضيق داخله مساحة التفكير النقدي والخيال والاعتراض، فيصبح قادرا على رؤية العالم من خلال الأطر التي يفرضها المجتمع الاستهلاكي والتقني.

ينطلق ماركوز من ملاحظة تبدو بسيطة لكنها شديدة الأهمية: المجتمعات الصناعية المتقدمة نجحت في توفير مستوى مرتفع من الرفاهية والاستهلاك بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الناس، وهذا النجاح نفسه يمكن أن يتحول إلى وسيلة للسيطرة، فالإنسان الذي يحصل على سيارة أفضل، وهاتف أحدث، ومنزل أكثر راحة، وترفيه أكثر، وخيارات استهلاكية أوسع، قد يشعر أنه يعيش في مجتمع حر ومتقدم، لكن السؤال الذي يطرحه ماركوز هو: هل كثرة الخيارات تعني بالضرورة الحرية؟ هنا يبدأ الفرق بين الحرية الحقيقية وبين مجرد القدرة على الاختيار بين منتجات وخدمات مختلفة، قد يكون الإنسان حرا في اختيار العلامة التجارية التي يشتريها، لكنه غير حر في أن يسأل لماذا أصبحت قيمته الاجتماعية مرتبطة بما يشتريه، أو لماذا يعمل ساعات طويلة لكي يستطيع شراء أشياء لم يكن يحتاج إليها أصلا، وهكذا يتحول الاستهلاك من وسيلة لإشباع الحاجات إلى وسيلة لصناعة حاجات جديدة باستمرار.

ويرى ماركوز أن المجتمع الحديث لا يكتفي بتلبية الاحتياجات الطبيعية للإنسان، وإنما يصنع ما يسميه بصورة عامة الحاجات الزائفة، أي الحاجات التي يتم تكوينها داخل الفرد من خلال الدعاية والإعلام والثقافة الاستهلاكية، بحيث يعتقد الإنسان أنه يريد شيئا لأنه اختاره بنفسه، بينما تكون رغبته قد تشكلت تدريجيا بواسطة البيئة المحيطة به، الإنسان لا يشتري فقط لأنه يحتاج، بل لأنه يريد أن يشعر بأنه ناجح، جذاب، حديث، مقبول أو مختلف، وهنا تصبح الرغبة نفسها جزءا من عملية السيطرة، وكلما شعر الفرد بأنه يحقق ذاته من خلال الاستهلاك، أصبح أقل استعدادا للتساؤل عن النظام الذي يصنع هذه الرغبات.

ومن أهم أفكار الكتاب أن التكنولوجيا ليست محايدة تماما في المجتمع الحديث، ماركوز لا يرفض التكنولوجيا في ذاتها، ولا يقول إن الآلات والتقدم العلمي شرور يجب التخلص منها، وإنما يلفت النظر إلى الطريقة التي تُستخدم بها التكنولوجيا داخل نظام اجتماعي واقتصادي معين، فالتكنولوجيا تستطيع أن تحرر الإنسان من العمل الشاق، وتقلل ساعات العمل، وتزيد قدرته على الإبداع، لكنها يمكن أيضا أن تُستخدم لزيادة الإنتاج والاستهلاك والرقابة والتنظيم، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل التكنولوجيا جيدة أم سيئة؟، بل لمن تعمل التكنولوجيا؟، وما نوع المجتمع الذي تستخدم داخله؟، وما الهدف الذي توجه إليه؟، فإذا كان الهدف الأساسي هو زيادة الإنتاج والاستهلاك والربح، فإن التكنولوجيا قد تزيد قدرة النظام على السيطرة بدل أن تزيد حرية الإنسان.

وهنا يصل ماركوز إلى واحدة من أكثر أفكار الكتاب إثارة: الإنسان الحديث قد يكون أكثر راحة من الإنسان في المجتمعات القديمة، لكنه ليس بالضرورة أكثر حرية، فزيادة الرفاهية يمكن أن تجعل الإنسان أقل رغبة في الثورة على النظام الذي يوفر له هذه الرفاهية، عندما يصبح الفرد مرتبطا بمستوى معين من الدخل والاستهلاك والوظيفة والامتيازات، يصبح فقدان هذا النظام مخيفا بالنسبة إليه، حتى لو كان يدرك بعض عيوبه، وهكذا لا يحتاج المجتمع إلى إجبار الإنسان على البقاء داخله بالقوة دائمًا؛ يكفي أحيانا أن يجعله يخشى فقدان ما اعتاد عليه.

ومن هنا ينتقل ماركوز إلى مفهوم مهم آخر، وهو اندماج الإنسان داخل النظام، في المجتمعات القديمة كان من السهل نسبيا رؤية التناقض بين الإنسان والسلطة، أما في المجتمع الصناعي المتقدم فإن الحدود بين الفرد والنظام تصبح أكثر غموضا، الإنسان يعمل داخل النظام، ويستهلك منتجاته، ويستخدم أدواته، ويستمتع بوسائل ترفيهه، ويقيس نجاحه بالمعايير التي يضعها، ثم قد يظن أنه يحقق ذاته بصورة مستقلة، ولذلك تصبح السيطرة أكثر فعالية عندما تتحول إلى شيء يشارك الفرد نفسه في إنتاجه.

ويرى ماركوز أن اللغة نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة لتقليص التفكير، فحين تصبح الكلمات مختصرة ومعلبة وجاهزة، وحين تتحول القضايا المعقدة إلى شعارات بسيطة، يفقد الإنسان القدرة على رؤية التناقضات، اللغة التي تختصر الواقع أكثر مما ينبغي تجعل التفكير نفسه أكثر ضيقا، ولهذا يهتم ماركوز بطريقة استخدام وسائل الإعلام والخطاب السياسي والإعلاني للغة؛ فاللغة الحديثة قد تقدم للإنسان إجابات جاهزة قبل أن تمنحه فرصة طرح الأسئلة، وعندما يعتاد الإنسان التفكير بهذه الطريقة، يصبح من الصعب عليه تخيل نظام مختلف تماما عن النظام الذي يعيش فيه.

ويهاجم الكتاب كذلك فكرة أن التقدم الاقتصادي وحده يساوي التقدم الإنساني، فالمجتمع قد ينتج أكثر، ويستهلك أكثر، ويطور تقنياته، ويزيد دخله، ومع ذلك لا يعني هذا بالضرورة أن الإنسان أصبح أكثر سعادة أو حرية أو قدرة على تحقيق إمكاناته الإنسانية، بالنسبة إلى ماركوز، ينبغي أن نقيس تقدم المجتمع أيضا بمدى قدرة الإنسان على التفكير بحرية، وعلى تطوير خياله، وعلى التخلص من العمل غير الضروري، وعلى امتلاك الوقت الذي يسمح له بالحياة خارج منطق الإنتاج والاستهلاك.

وتظهر هنا أهمية فكرة الخيال عند ماركوز، فالإنسان لا يستطيع تغيير الواقع إذا لم يكن قادرا على تخيل واقع آخر، المجتمع ذو البعد الواحد هو المجتمع الذي يجعل البديل يبدو مستحيلا أو غير منطقي أو غير واقعي، فإذا اعتاد الإنسان أن يعتقد أن هكذا هي الحياة وأن العمل والاستهلاك والمنافسة والنجاح المادي هي الأشياء الطبيعية والوحيدة الممكنة، فإنه لن يفكر في السؤال الأهم: هل يمكن أن نعيش بطريقة مختلفة؟، لذلك فإن التفكير النقدي يبدأ أحيانا من مجرد القدرة على تخيل عالم آخر.

بعد قراءة الكتاب، يمكن ملاحظة أن ماركوز لا يريد أن يقول إن كل إنسان مستهلك هو إنسان مغلوب على أمره، ولا أن كل رفاهية أو تكنولوجيا أو منتج حديث يمثل مؤامرة للسيطرة على الإنسان، قوته الحقيقية تكمن في أنه يجعل القارئ يشكك في الأشياء التي يعتبرها طبيعية، عندما نشتري شيئا لأننا نريده، يمكن أن نسأل: هل هذه رغبتي فعلًا؟ عندما نعمل أكثر للحصول على دخل أكبر، يمكن أن نسأل: ماذا أفعل بوقتي الذي أتنازل عنه؟ عندما أعتقد أن لدي عشرات الخيارات، يمكن أن أسأل: هل أختار فعلا، أم أن الخيارات نفسها تم تحديدها مسبقا؟ وعندما أرى مجتمعا أكثر ثراء، يمكن أن أسأل: هل أصبح الإنسان داخله أكثر حرية بالفعل؟.

قوة الكتاب الأساسية أنه سبق عصره في تحليل العلاقة بين الاستهلاك والإعلام والتكنولوجيا والسيطرة النفسية، وعلى الرغم من أن الكتاب صدر في ستينيات القرن العشرين، فإن كثيرا من أفكاره تبدو شديدة الصلة بعصر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات الرقمية والخوارزميات، اليوم لا يحتاج الإنسان حتى إلى الذهاب إلى متجر لكي يتعرض لصناعة الرغبات، فالإعلانات والمحتوى التجاري يمكن أن تلاحقه طوال اليوم، والخوارزميات تستطيع أن تتعلم من اهتماماته ثم تقدم له المزيد مما يجذب انتباهه، وهذا يجعل سؤال ماركوز أكثر أهمية: أين تنتهي رغباتنا الشخصية وأين تبدأ الرغبات التي صُنعت لنا؟.

لكن الكتاب ليس سهلا، وهذه إحدى نقاط ضعفه بالنسبة للقارئ العادي، لغة ماركوز فلسفية ومجردة، ويتداخل فيها النقد الاجتماعي مع الفلسفة السياسية والتحليل النفسي والنظرية الماركسية، كما أن بعض أحكامه تبدو متشائمة، وكأنه يمنح النظام الحديث قدرة هائلة على السيطرة بحيث يصبح الخروج منه شديد الصعوبة، ويمكن الاعتراض عليه بأن الإنسان ليس مجرد مستهلك سلبي، وأن المجتمعات الحديثة أنتجت أيضا أشكالا جديدة من الحرية والتعليم والتواصل والإبداع لم تكن متاحة في الماضي، كما أن التكنولوجيا التي يمكن أن تُستخدم للرقابة يمكن أن تُستخدم أيضا لنشر المعرفة وتنظيم الاحتجاج وتوسيع مساحة التعبير.

ومن المفاهيم التي تستحق النقاش أيضًا فكرة الحاجات الزائفة، فمن الصعب دائما تحديد أين تنتهي الحاجة الطبيعية وأين تبدأ الحاجة التي صنعها المجتمع، فالملابس مثلا حاجة، لكن الرغبة في نوع معين من الملابس قد تتأثر بالموضة، والهاتف قد يكون أداة ضرورية للعمل والتواصل، لكن الرغبة في تغييره كل عام قد تكون نتيجة التسويق، المشكلة إذن ليست في امتلاك الأشياء، بل في اللحظة التي يصبح فيها امتلاكها شرطا للشعور بالقيمة أو النجاح أو السعادة.

في النهاية، لا يقدم “الإنسان ذو البعد الواحد” وصفة بسيطة لتحرير الإنسان، بقدر ما يقدم له طريقة جديدة للنظر، إنه يدعو القارئ إلى الشك في الرضا السهل، وإلى التمييز بين ما نريده فعلا وما تعلمنا أن نريده، وبين الحرية الحقيقية وحرية الاختيار داخل مجموعة من الخيارات الجاهزة، والرسالة الأعمق للكتاب هي أن أخطر أشكال السيطرة ليست دائما تلك التي تمنعك من الكلام، بل تلك التي تجعلك لا ترى سببًا للكلام أصلا، وليست تلك التي تجبرك على شيء تكرهه، بل تلك التي تجعلك ترغب فيما يخدم النظام ثم تقنعك بأن هذه الرغبة نابعة منك وحدك.

لهذا فإن قراءة ماركوز اليوم لا تعني رفض التكنولوجيا أو المال أو الاستهلاك أو الحياة الحديثة، وإنما تعني الاحتفاظ بمسافة نقدية بينها وبين الإنسان، أن أستخدم الأشياء دون أن تجعلني الأشياء أداة لها، وأن أعمل دون أن تصبح هويتي كلها مرتبطة بعملي، وأن أستهلك دون أن يصبح الاستهلاك تعريفا لذاتي، وأن أستفيد من التكنولوجيا دون أن أسمح لها بتحديد ما أفكر فيه وما أرغب فيه وما أراه مهما، وفي هذا المعنى يصبح التحرر عند ماركوز قبل أن يكون تغييرا سياسيا أو اقتصاديا، قدرة الإنسان على استعادة حقه في التفكير والتخيل والرغبة بصورة مستقلة.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

______________________

حقوق النشر

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

________________

البطاقة التعريفية

العنوان: الإنسان ذو البعد الواحد

المؤلف: هربرت ماركوز

المترجم: جورج طرابيشي

الناشر: دار الآداب – بيروت

الطبعة: الرابعة

سنة النشر: 2004

عدد الصفحات: 268 صفحة

ISBN: 9789953893921

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *