الوطن لا يُنجز مرة واحدة

ثمة فكرة تستحق أن نتوقف أمامها كثيرًا، وهي أن الأوطان لا تُبنى بالطريقة التي تُشيَّد بها الأبنية؛ لا يضع شخص حجر الأساس، ثم يتولى آخرون إكمال الجدران وفق خطة واحدة حتى يكتمل البناء. الوطن أكثر تعقيدًا من ذلك؛ لأنه مشروع مفتوح لا يكتمل، ومسؤولية تنتقل من جيل إلى جيل، وكل جيل يضيف إليه شيئًا أو ينتقص منه.

ولهذا فإن بناء الأوطان ليس بطولة فردية، ولا إنجازًا يمكن أن يُنسب إلى شخص واحد مهما بلغت قدرته أو إخلاصه. فالدولة التي نراها اليوم هي حصيلة أعمال صغيرة وكبيرة قام بها ملايين الأشخاص الذين ربما لم يعرف بعضهم بعضًا، لكنهم اشتركوا في صناعة النتيجة نفسها.

المعلم الذي أمضى سنواته في الفصل، والطبيب الذي واصل عمله في المستشفى، والعامل الذي أتقن صنعته، والمزارع الذي حافظ على أرضه، والمهندس الذي صمم مشروعًا، والباحث الذي أمضى سنوات في المختبر، والموظف الذي أدى عمله بأمانة، والأم التي ربت أبناءها على المسؤولية، كل هؤلاء يشاركون، بدرجات مختلفة، في بناء الوطن.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للعمل الجماعي: أنه لا يشترط أن يقوم الجميع بالشيء نفسه، وإنما أن يقوم كل شخص بالدور الذي يستطيع أداءه على أفضل وجه.

المشكلة ليست في اختلاف الأدوار

أحيانًا ننظر إلى اختلاف مواقع الناس باعتباره تفاوتًا في القيمة، بينما الحقيقة أن المجتمعات لا يمكن أن تعمل إذا تشابهت أدوار جميع أفرادها.

لا يمكن للطبيب أن يقوم بدور المهندس، ولا للمهندس أن يحل محل المعلم، ولا للمزارع أن يستغني عن العامل، ولا للمصنع أن يعمل دون إدارة، ولا للإدارة أن تنجح دون موظفين يؤدون التفاصيل اليومية التي قد لا يراها أحد.

الدول القوية ليست تلك التي يمتلك فيها الجميع القدرات نفسها، وإنما تلك التي تعرف كيف تحول اختلاف القدرات إلى قوة مشتركة.

وهذه نقطة جوهرية في فهم العمل الجماعي؛ فالتعاون الحقيقي لا يعني إلغاء الفروق بين الناس، وإنما يعني تنظيم هذه الفروق داخل هدف أكبر. أن أعرف أن ما أفعله، مهما بدا محدودًا، يمكن أن يصبح جزءًا من نتيجة لا يستطيع أحد تحقيقها بمفرده.

فالطريق الذي يسير عليه الناس لم يصنعه شخص واحد، والمستشفى الذي يستقبل المرضى لا يعمل بالطبيب وحده، والجامعة لا يصنعها الأستاذ فقط، والمصنع لا ينتج بجهد العامل وحده. خلف كل نتيجة ناجحة شبكة واسعة من الأدوار المتداخلة، بعضها ظاهر وبعضها لا يراه أحد.

قيمة العمل الذي لا يصفق له أحد

ربما يكون أخطر ما يهدد ثقافة العمل العام هو اعتقاد الإنسان أن قيمة ما يفعله ترتبط بمدى ما يحصل عليه من تقدير.

لكن الأوطان تتقدم في الغالب بالأعمال التي لا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية.

هناك آلاف الأشخاص الذين يؤدون أعمالهم كل يوم دون أن يعرفهم أحد. موظف يراجع أوراقًا بدقة، عامل يحافظ على جودة الإنتاج، مدرس يكتشف موهبة في طالب، مهندس يراجع تفصيلة صغيرة في مشروع، ممرض يعتني بمريض، شاب يتطوع في مبادرة لخدمة حيه.

قد لا يبدو أي من هذه الأفعال إنجازًا تاريخيًا بمفرده، لكنها عندما تتكرر ملايين المرات تصبح جزءًا من القوة الحقيقية للمجتمع.

الأمم لا تتقدم فقط بالمشروعات الكبرى، وإنما كذلك بقدرة الناس على أداء الأعمال اليومية بصورة صحيحة.

ولهذا فإن أحد أهم التحولات التي تحتاجها المجتمعات هو الانتقال من ثقافة انتظار «الإنجاز الكبير» إلى تقدير الإنجاز المتراكم.

فالنهضة في جوهرها ليست لحظة، وإنما تراكم.

من انتظار الحل إلى صناعة الحل

العمل الجماعي يبدأ عندما يتغير سؤال الإنسان من: «ماذا قدم لي الوطن؟» إلى سؤال آخر أكثر نضجًا: «ماذا أستطيع أن أقدم لهذا الوطن؟».

ليس المقصود بذلك أن يتنازل المواطن عن حقوقه أو أن تتحول الوطنية إلى مطالبة الناس بالصمت عن المشكلات. على العكس؛ فالمواطن الذي يطالب بتحسين التعليم والصحة والخدمات وحقوقه المشروعة يمارس جزءًا من مسؤوليته تجاه وطنه.

لكن الفرق كبير بين النقد الذي يبحث عن الإصلاح، والنقد الذي يتحول إلى وسيلة دائمة للتنصل من المسؤولية.

الوطن يحتاج إلى مواطن يسأل عن حقوقه، لكنه يحتاج أيضًا إلى مواطن يعرف واجباته.

ويحتاج إلى دولة تستمع إلى المجتمع، كما يحتاج إلى مجتمع يدرك أن الدولة ليست كيانًا منفصلًا عنه.

ومن هنا تصبح العلاقة بين المواطن والدولة علاقة مشاركة في المسؤولية، لا علاقة انتظار دائم من طرف واحد.

حين تصبح المسؤولية ثقافة

لا يمكن بناء مجتمع قوي بمجموعة من القوانين وحدها، لأن القانون يستطيع أن يحدد ما يجب فعله، لكنه لا يستطيع أن يصنع الضمير الذي يدفع الإنسان إلى فعل الصواب حتى عندما لا يراقبه أحد.

الوطن أكبر من جيل واحد

ومن أجمل ما في فكرة العمل الجماعي أن الإنسان يدرك معها أنه لا يعمل فقط من أجل اللحظة التي يعيشها، كل جيل يرث شيئًا ممن سبقه، ويترك شيئًا لمن يأتي بعده، نحن نستخدم طرقًا لم نبنها، ونذهب إلى مدارس وجامعات أنشأها آخرون، ونعتمد على علوم طورها أشخاص لم نلتق بهم، ونعيش داخل مؤسسات أسسها أناس ربما لم نعرف أسماءهم.

 

لا نحتاج إلى أن نتشابه كي نتعاون

ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم: العمل الجماعي لا يحتاج إلى تطابق الآراء. فالمجتمع الطبيعي يضم اختلافات في الأفكار والخبرات والمصالح والتوجهات. والمشكلة لا تبدأ من الاختلاف، وإنما تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى قطيعة، أو عندما يصبح الانتماء إلى جماعة سببًا لرفض كل ما يأتي من خارجها، كما أن الأوطان القوية لا تلغي التعدد، وإنما تديره.

فيمكن للناس أن يختلفوا في الرؤية، وأن يتناقشوا حول الأولويات، وأن ينتقدوا السياسات، وأن يتنافسوا في الانتخابات أو في المجال العام، ثم يلتقوا جميعًا عند فكرة أكبر: أن الدولة يجب أن تستمر، وأن المجتمع يجب أن يبقى متماسكًا، وأن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الوطن نفسه.

وهنا يتحول العمل الجماعي من مجرد تعاون بين أفراد إلى قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته دون أن يفقد أهدافه المشتركة.

البناء الحقيقي يبدأ عندما نرى أنفسنا جزءًا من الصورة.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: من الذي بنى الوطن؟ فهذا السؤال يفترض وجود شخص أو مجموعة يمكن نسب الفضل إليها وحدها. أما السؤال الأكثر إنصافًا فهو: كيف شاركنا جميعًا في بنائه، وماذا سنترك لمن سيأتي بعدنا؟

عندها ندرك أن الوطن ليس مشروعًا ينتهي، ولا إنجازًا يكتمل، ولا ملكية حصرية لأحد.

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *