فن التجاهل.. طريقك إلى السلام الداخلي

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

 

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

في عالم مزدحم بالرسائل والإشعارات والتعليقات والانتقادات والمقارنات، أصبح الإنسان مطالبًا بالرد على أشياء كثيرة لا تستحق في الحقيقة كل هذا الاهتمام. ومن هنا تأتي فكرة كتاب «فن التجاهل لتحقيق السلام الداخلي» للكاتبة صبرين السعيداني، الذي يضع التجاهل في إطار مختلف؛ فلا يقدمه باعتباره هروبًا من المشكلات أو تخليًا عن المسؤولية، وإنما باعتباره اختيارًا واعيًا لما يستحق أن نمنحه وقتنا وطاقتنا.

 

ماذا يريد الكاتب؟

 

يريد الكتاب أن ينقل مفهوم التجاهل من صورته السلبية الشائعة إلى مفهوم أكثر وعيًا وتوازنًا، فليس كل موقف يحتاج إلى رد، وليس كل كلمة تستحق الدخول في نقاش بسببها، وليس كل انتقاد يستوجب الدفاع عن النفس، كما أن التعامل مع كل مشكلة باعتبارها معركة شخصية يمكن أن يحول الحياة إلى حالة مستمرة من التوتر.

 

الفكرة الأساسية هي أن الإنسان يمتلك قدرًا محدودًا من الطاقة النفسية والذهنية، ومن ثم فإن توجيه هذه الطاقة إلى كل ما يحدث حوله يعني في النهاية استنزافها، لذلك يصبح التجاهل، عندما يستخدم بصورة صحيحة، وسيلة لحماية هذه الطاقة وتوجيهها إلى ما هو أكثر أهمية.

 

ويؤكد الكتاب بصورة عامة أن التجاهل لا يعني الضعف، بل قد يكون في بعض المواقف علامة على النضج والقدرة على التحكم في ردود الفعل. فالشخص الذي يستطيع أن يميز بين ما يحتاج إلى مواجهة وما يمكن تجاوزه، يكون أكثر قدرة على الحفاظ على هدوئه واتخاذ قراراته بعيدًا عن الانفعال.

 

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

 

ينطلق الكتاب من واقع يومي أصبح فيه الإنسان معرضا لكم هائل من المؤثرات، فهناك النقد المستمر، والمقارنات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والرسائل المتواصلة، والآراء المختلفة، والمواقف التي قد تستنزف المشاعر دون أن تضيف شيئا حقيقيا إلى حياة الإنسان.

 

ومن هنا يحاول الكتاب الإجابة عن سؤال بسيط لكنه مهم: كيف يمكن أن نحمي أنفسنا من الأشياء التي تستنزفنا دون فائدة؟

 

ولا يقدم المؤلف التجاهل باعتباره تجاهلًا مطلقًا لكل شيء، وإنما يركز على التمييز بين التجاهل السلبي والتجاهل الإيجابي، فهناك تجاهل قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات، مثل تجاهل مشاعر شخص قريب أو ترك مشكلة حقيقية دون حل، وهناك تجاهل آخر يمكن أن يكون مفيدًا عندما يتعلق الأمر بالاستفزاز أو النقد غير البناء أو الأمور التي لا تستحق استنزاف المشاعر.

 

وهنا تظهر القيمة الأساسية للكتاب: ليست المهارة في أن نتجاهل كل شيء، وإنما في أن نعرف ماذا نتجاهل، ومتى نتجاهله، ولماذا نتجاهله.

 

يلخص هذا الكتاب عدة أمور:

 

أولًا: التجاهل ليس هروبًا:

من أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب أن التجاهل لا ينبغي أن يكون وسيلة للهرب من المسؤوليات أو المشكلات التي تحتاج إلى مواجهة، فالتهرب من مشكلة حقيقية لا يحلها، وتجاهل شخص متألم لا يعني التعامل معه بصورة صحيحة. التجاهل الإيجابي يختلف عن الإهمال، لأنه يقوم على قرار واعٍ بعدم منح بعض المواقف أكثر مما تستحق من اهتمام.

ثانيًا: هناك تجاهل إيجابي وتجاهل سلبي:

التجاهل السلبي قد يضر بالعلاقات ويزيد المشكلات، خصوصًا عندما يستخدم الإنسان التجاهل لمعاقبة الآخرين أو للهروب من الحوار، أما التجاهل الإيجابي، فيرتبط بالمواقف التي لا تستحق الدخول فيها، مثل الاستفزاز المتعمد أو النقد الذي لا يحمل هدفًا حقيقيًا للإصلاح.

ثالثًا: حماية السلام الداخلي:

يربط الكتاب بين القدرة على التجاهل وبين الوصول إلى قدر أكبر من الهدوء الداخلي، فعندما يتوقف الإنسان عن محاولة إرضاء الجميع، وعن الرد على كل تعليق، وعن الدخول في كل نقاش، يصبح لديه وقت وطاقة أكبر للأمور التي تمثل أولوية حقيقية في حياته.

رابعًا: التركيز على ما يستحق الاهتمام:

لا تتعلق الفكرة بالتجاهل من أجل التجاهل، وإنما بإعادة ترتيب الأولويات، فبدلًا من إضاعة الوقت في متابعة ما يقوله الآخرون، يمكن توجيه الاهتمام إلى العمل والأسرة والأهداف الشخصية وتطوير الذات والعلاقات المهمة.

خامسًا: التعامل مع الانتقادات بحكمة:

ليس كل نقد يستحق الرد، وليس كل رأي يعبر بالضرورة عن حقيقة، لذلك يمكن للإنسان أن يتعلم التفرقة بين النصيحة التي تساعده على التطور، والكلام الذي هدفه التقليل منه أو استفزازه، قبول النقد المفيد وتجاهل النقد الهدام يمثلان معًا جزءا من النضج.

سادسًا: التجاهل يحتاج إلى وعي:

التجاهل ليس رد فعل عشوائيًا، بل مهارة تحتاج إلى تدريب. وقد يبدو الأمر صعبًا في البداية، خصوصًا بالنسبة للشخص الذي اعتاد الدفاع عن نفسه أمام كل كلمة أو الرد على كل موقف، لكن مع الممارسة يمكن أن يصبح اختيار المعارك أكثر سهولة.

سابعًا: التجاهل لا يعني قطع العلاقات.

يمكن للإنسان أن يتجاهل تصرفًا مستفزًا دون أن يتخلى عن علاقاته، وأن يتجاوز موقفًا عابرًا دون أن يحول العلاقة إلى صراع دائم، وفي هذا المعنى يصبح التجاهل وسيلة لتقليل الاحتكاك وليس وسيلة لإيذاء الآخرين.

ثامنًا: تعليم هذه المهارة للأطفال والمراهقين.

يمتد موضوع الكتاب أيضًا إلى التعامل مع الأطفال والمراهقين، حيث يمكن أن يكون التجاهل التكتيكي، في بعض المواقف السلوكية، وسيلة تربوية عندما يستخدم بصورة مدروسة، مع تعزيز السلوك الإيجابي بدلًا من منح السلوك غير المرغوب فيه اهتمامًا مستمرًا، وتشير المادة المتاحة عن الكتاب إلى تناوله أثر التجاهل على الطفل وسلوكيات التجاهل التكتيكي والتعزيز الإيجابي.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب بصورة خاصة الأشخاص الذين يشعرون بأنهم يستهلكون قدرًا كبيرًا من طاقتهم في التفكير في كلام الآخرين، أو الدخول في نقاشات متكررة، أو محاولة إثبات وجهة نظرهم في كل موقف.

كما يمكن أن يكون مفيدًا لمن يتعاملون يوميًا مع ضغوط اجتماعية ومهنية، أو يجدون صعوبة في تجاوز المواقف البسيطة، أو يشعرون بالحاجة المستمرة إلى الرد والدفاع والتبرير.

وقد يستفيد منه أيضًا الآباء والمربون الراغبون في فهم الاستخدام الصحيح للتجاهل في التعامل مع بعض السلوكيات لدى الأطفال، بشرط ألا يتحول التجاهل إلى إهمال للمشاعر أو الاحتياجات الأساسية.

مميزات الكتاب:

من أبرز مميزات الكتاب وضوح فكرته وبساطة لغته، إذ يتناول موضوعًا قريبًا من الحياة اليومية دون الدخول في تعقيدات نظرية كبيرة.

كما أن حجمه الصغير، إذ يبلغ 43 صفحة، يجعله قراءة سريعة ومباشرة لمن يريد التعرف إلى الفكرة الأساسية دون الالتزام بكتاب طويل.

ومن نقاط القوة أيضًا أن الكتاب لا يتعامل مع التجاهل باعتباره حلًا سحريًا لجميع المشكلات، بل يفرق بين التجاهل الذي يمكن أن يساعد الإنسان على حماية نفسه، والتجاهل الذي قد يؤدي إلى مشكلات أكبر.

ويقدم الكتاب فكرة عملية يمكن للقارئ اختبارها في حياته اليومية: ليس مطلوبًا أن تكون حاضرًا نفسيًا في كل معركة، ولا أن تمنح كل شخص القدرة على التحكم في مزاجك ووقتك وطاقتك.

 

قراءة صحفية

 

يمكن قراءة الكتاب باعتباره دعوة إلى إدارة الانتباه أكثر من كونه دعوة إلى التجاهل بمعناه الحرفي.

 

فالإنسان المعاصر لا يعاني فقط من كثرة المشكلات، وإنما يعاني أيضًا من كثرة الأشياء التي تطلب انتباهه، الهاتف يطلب انتباهه، ومواقع التواصل تطلب رأيه، والآخرون يقدمون أحكامهم، والعمل يفرض عليه مهامًا، والعلاقات تضع أمامه مواقف مختلفة، وإذا حاول الإنسان التعامل مع كل ذلك بنفس الدرجة من الاهتمام، فمن الطبيعي أن يشعر بالإرهاق.

 

ومن هذه الزاوية، تصبح قيمة الكتاب في تذكير القارئ بأن الانتباه مورد محدود، وما نمنحه اهتمامنا يأخذ جزءًا من طاقتنا، ولذلك فإن اختيار ما يستحق الاهتمام يمثل جزءًا من إدارة الحياة نفسها.

 

لكن التجاهل الناجح يحتاج إلى حدود واضحة. فمن الخطأ استخدامه لتبرير عدم الاعتذار، أو تجاهل مشاعر الآخرين، أو ترك المشكلات تتراكم، أو معاقبة الأشخاص بالصمت.

 

التجاهل الذي يحمي السلام الداخلي يجب ألا يتحول إلى وسيلة لإيذاء الآخرين أو الهروب من المسؤولية.

 

والرسالة الأهم هنا أن القوة ليست دائمًا فيالرد،  أحيانًا تكون القوة في أن تعرف أن الرد لن يغير شيئًا، وأن الدخول في نقاش لن يضيف لك شيئًا، وأن أفضل قرار يمكنك اتخاذه هو أن تحافظ على هدوئك وتمضي في طريقك.

 

في الحياة اليومية، قد يكون تطبيق الفكرة بسيطًا: لا ترد فورًا على كل رسالة مستفزة، لا تجعل تعليقًا عابرًا يفسد يومك، لا تدخل في كل جدال على مواقع التواصل، ولا تسمح لرأي شخص آخر بأن يحدد قيمتك أو صورتك عن نفسك.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن ننسى الوجه الآخر للمعادلة: هناك مواقف يجب مواجهتها، وحقوق يجب الدفاع عنها، وعلاقات تحتاج إلى حوار، وأخطاء تحتاج إلى تصحيح. لذلك فإن الحكمة ليست في التجاهل دائمًا، وإنما في امتلاك القدرة على الاختيار.

 

أخيرًا، يترك «فن التجاهل لتحقيق السلام الداخلي» القارئ أمام فكرة تبدو بسيطة لكنها شديدة الارتباط بالحياة اليومية: ليست كل الأشياء تستحق اهتمامنا، وليست كل الكلمات تحتاج إلى رد، وليست كل المعارك تستحق أن نخوضها.

الكتاب يقدم التجاهل باعتباره مهارة تساعد الإنسان على إعادة ترتيب أولوياته، وحماية طاقته النفسية، والتركيز على ما يضيف قيمة حقيقية إلى حياته، وهو بذلك لا يدعو إلى اللامبالاة، وإنما إلى نوع من الوعي يجعل الإنسان أكثر قدرة على اختيار رد فعله بدلًا من أن يكون أسيرًا لكل ما يحدث حوله.

 

وفي النهاية، ربما لا يكون السلام الداخلي في أن تختفي المشكلات من حياتنا، فهذا أمر غير واقعي، وإنما في أن نتعلم كيف نحدد المشكلات التي تستحق اهتمامنا، والأشخاص الذين يستحقون وقتنا، والأمور التي يجب أن نتركها تمر دون أن نسمح لها بأن تأخذ مساحة أكبر من حجمها.

 

فأحيانًا يكون أفضل رد هو ألا ترد، وأفضل معركة هي التي تختار ألا تدخلها، وأفضل طريقة لحماية سلامك الداخلي أن تعرف جيدًا ما الذي يستحق أن تهتم به، وما الذي يستحق أن تتركه خلفك.

 

حقوق النشر

 

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: فن التجاهل لتحقيق السلام الداخلي

المؤلف: صبرين السعيداني

دار النشر: صبرين السعيداني

بلد النشر: مصر

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2025 تقريبًا

عدد الصفحات: 43 صفحة

رقم الإيداع: 978-977-0000-00-0

ISBN: 978-977-0000-00-0

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *