هذه مصر التي نتمناها.. حين يصبح «نحن» أقوى من «أنا»

عندما يضع الجميع مصلحة الوطن صوب أعينهم، ويعلون مصلحته على مصالحهم الشخصية، ويعملون من أجلها بروح جماعية وليست فردية، تكون هذه هي مصر التي نتمناها، مصر التي تتقدم بسواعد أبنائها وتنهض بأفكارهم وعملهم وإخلاصهم.

وجود الأفكار التي تعود بالنفع على الوطن أمر مهم، لكن الأهم هو العمل على إنجاح هذه الأفكار وتحويلها إلى واقع ملموس يساهم في النهوض بالبلاد، فالأفكار وحدها لا تبني الأوطان، وإنما الإرادة والعمل والتعاون هي التي تحولها إلى إنجازات حقيقية.

وهناك عدة أمور ينبغي التعامل معها حتى تكون الكلمة السائدة في حياتنا «نحن» وليست «أنا»، وحتى يصبح كل فرد على يقين بأن مصلحة الوطن في النهاية هي مصلحة للجميع.

مصر أكبر من أي فرد، والأوطان لا تُبنى بجهد شخص واحد، مهما كانت قدراته أو إمكاناته، وإنما تُبنى بالجهود الجماعية التي تتكامل فيها الأدوار وتتلاقى فيها الأفكار.

فقد يستطيع شخص أن يقدم فكرة، وآخر يطورها، وثالث يعمل على تنفيذها، ورابع يساهم في إنجاحها، وفي النهاية يكون الإنجاز باسم الجميع وليس باسم شخص واحد.

فالعمل الجماعي قادر على النهوض بالدولة، لأنه يجعل كل فرد جزءًا من منظومة أكبر، ويحول الطاقات الفردية إلى قوة حقيقية قادرة على تحقيق نتائج أكبر. ومصر بما تملكه من طاقات وكفاءات وأفكار تحتاج إلى أن تتجمع هذه الطاقات في اتجاه واحد، وهو بناء وطن أفضل وحياة أفضل لأبنائه.

والانتقال من «أنا» إلى «نحن» ليس مجرد تغيير في الكلمات، وإنما هو تغيير في طريقة التفكير والنظر إلى الأمور. فعندما يسأل الإنسان نفسه دائمًا: ماذا سأحصل؟ قبل أن يسأل: ماذا سأقدم؟ تصبح المصلحة الشخصية هي المحرك الأول، وتتراجع أمامها المصلحة العامة.

أما عندما يؤمن بأن نجاحه جزء من نجاح المجتمع، وأن ما يقدمه لوطنه سيعود عليه وعلى أبنائه وأسرته، هنا تبدأ قيمة «نحن» في الظهور.

فنحن تعني أن نجاح الطبيب في عمله ينعكس على المريض، ونجاح المعلم ينعكس على الطالب، وإتقان العامل لعمله ينعكس على الإنتاج، ونجاح المستثمر يساهم في توفير فرص العمل، وكل هذه النجاحات في النهاية تصب في مصلحة الوطن.

ومن الطبيعي أن تختلف الآراء والرؤى، فاختلاف الأفكار ليس مشكلة في حد ذاته، بل قد يكون سببًا في الوصول إلى أفكار أفضل وأكثر قدرة على معالجة المشكلات. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى صراع، أو عندما يصبح كل طرف متمسكًا برأيه لمجرد إثبات أنه على حق، حتى لو كان الرأي الآخر يحمل جزءًا من الصواب.

يمكن أن نختلف في الوسيلة، ويمكن أن تختلف رؤيتنا حول كيفية الوصول إلى الهدف، لكن يجب أن يظل الهدف في النهاية واحدًا، وهو مصلحة مصر والنهوض بها. فالوطن يتسع للجميع، والاختلاف لا يجب أن يكون سببًا لتعطيل العمل، وإنما يمكن أن يكون بابًا للتطوير والوصول إلى الأفضل.

ومصر لا تحتاج فقط إلى أفكار جديدة، وإنما تحتاج إلى تحويل الأفكار الموجودة بالفعل إلى مشروعات وقرارات وواقع يلمسه المواطن، فكم من فكرة جيدة ظلت حبيسة الأوراق، وكم من مشروع بدأ بحماس ثم تعثر بسبب غياب المتابعة أو الخلافات أو الإجراءات التي تعطل التنفيذ.

النجاح الحقيقي لا يكون في طرح الفكرة فقط، وإنما في القدرة على تنفيذها ومتابعتها وتقييم نتائجها وتطويرها إذا احتاجت إلى ذلك.

والأهم أن نؤمن بأن كل فكرة قابلة للتطوير، وأن الخطأ في التنفيذ يمكن إصلاحه، لكن ترك الأفكار الجيدة دون محاولة حقيقية لتنفيذها هو الخسارة الأكبر.

وبناء الدولة ليس مسؤولية الحكومة أو المسؤولين وحدهم، وإنما مسؤولية كل فرد يعيش على أرضها. فالطبيب له دور، والمعلم له دور، والصحفي له دور، والعامل والمهندس والموظف ورجل الأعمال والطالب، كل منهم يستطيع أن يقدم شيئًا لوطنه من موقعه.

وقد لا يشعر الإنسان أحيانًا بقيمة ما يفعله، لكنه عندما يؤدي عمله بإتقان، ويحترم وقته، ويحترم الآخرين، ويلتزم بالقانون، فهو بذلك يشارك بصورة مباشرة في بناء المجتمع. فخدمة الوطن ليست دائمًا في القرارات الكبيرة والمشروعات الضخمة، وإنما تبدأ في كثير من الأحيان من مكتب الموظف، وفصل المدرسة، والمصنع، والمستشفى، والشارع.

والنهوض بالبلاد لا يبدأ فقط من المشروعات الكبرى، وإنما يبدأ أيضًا من سلوك المواطن في حياته اليومية. الحفاظ على الشارع، وعدم إهدار المياه والكهرباء، واحترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، وإتقان العمل، واحترام الآخرين، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها عندما تتحول إلى ثقافة عامة يصبح تأثيرها كبيرًا.

فالدولة لا تستطيع وحدها أن تراقب كل شارع وكل مؤسسة وكل مواطن، ولذلك فإن وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه وطنه هو خط الدفاع الأول عن المجتمع.

وفي هذا الإطار، يأتي الشباب كواحدة من أهم القوى التي تمتلكها مصر. فالشباب لديهم الطاقة والأفكار والطموح والرغبة في العمل، لكن هذه الطاقة تحتاج إلى توجيه وفرصة حقيقية للمشاركة، والاستماع إلى أفكارهم وعدم التعامل معهم باعتبارهم مجرد متلقين.

الشاب عندما يشعر بأن فكرته مسموعة، وأن لديه فرصة حقيقية للعمل والتجربة، فإنه يتحول من مجرد شخص لديه طموح إلى عنصر فاعل في المجتمع. ولذلك فإن دعم الشباب وتمكينهم وفتح المجال أمامهم للابتكار والعمل والإنتاج ليس رفاهية، وإنما استثمار حقيقي في مستقبل مصر.

كما أن النهوض بمصر مسؤولية مشتركة، والدولة لا تستطيع أن تقوم بكل الأدوار وحدها.

فالقطاع الخاص لديه دور مهم في الاستثمار والإنتاج وتوفير فرص العمل، والمجتمع المدني يستطيع الوصول إلى العديد من الفئات والمساهمة في حل مشكلات مجتمعية مختلفة، والإعلام عليه مسؤولية كبيرة في مناقشة القضايا وطرح الحلول وإلقاء الضوء على التجارب الناجحة، وليس الاكتفاء برصد المشكلات.

وعندما تتكامل هذه الأدوار، يصبح لدينا مجتمع يعمل كفريق واحد، كل طرف فيه يعرف دوره ويؤدي مسؤوليته، ويصبح الاختلاف وسيلة للتطوير وليس سببًا لتعطيل العمل.

فيمكن أن نختلف في السياسة أو الفكر أو الرؤية، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن الاختلاف لا يعني أن يتحول الوطن إلى ساحة للصراع.

قد نختلف كثيرًا حول التفاصيل، لكن يجب ألا نختلف حول أن مصر تستحق الأفضل، وأن مصلحتها يجب أن تظل فوق أي خلاف.

وقوة المجتمع لا تظهر في غياب الاختلاف، وإنما في قدرته على إدارة هذا الاختلاف، والاستماع إلى الآخر، والبحث عن نقاط الاتفاق، والعمل معًا فيما يخدم المصلحة العامة.

وفي النهاية، فإن مصر التي نتمناها ليست حلمًا مستحيلًا، وليست صورة مثالية لا يمكن الوصول إليها، وإنما هي نتيجة طبيعية عندما يقرر كل شخص أن يبدأ بنفسه، وأن يؤدي دوره بإخلاص، وأن يضع مصلحة بلده في حساباته.

نريد مصر التي يساند فيها القادر غير القادر، ويعطي فيها صاحب الفكرة فكرته للوطن، ويجد فيها الشباب فرصة، ويؤدي فيها كل شخص عمله بإتقان، ويختلف فيها الناس دون أن يتحول اختلافهم إلى خصومة.

نريد مصر التي لا يبحث فيها كل شخص عن مكسبه وحده، وإنما يدرك أن المكسب الحقيقي هو أن يتقدم الجميع.

فحين يصبح «نحن» أقوى من «أنا»، تتغير طريقة تفكيرنا، وتتغير طريقة عملنا، وتتغير نظرتنا إلى الوطن.

وعندما يؤمن كل واحد منا بأن مصر ليست مسؤولية شخص أو مؤسسة أو حكومة وحدها، وإنما مسؤولية الجميع، عندها فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا بالفعل في بناء مصر التي نتمناها.

 

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *