من اليأس إلى الأمل

“تمهيد”

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها

“رسالة الكاتب للقارئ”

في “ثمانية أسرار لتغيير شاب غيني” يكتب عبد الله ديتين كامارا من داخل قضية اجتماعية واضحة، وهي أزمة الشباب حين يفقدون الأمل في المستقبل، فيتحول الفقر والبطالة وغياب الفرص إلى شعور بالعجز، وقد يصل هذا الشعور إلى التفكير في الهجرة والمجازفة بالحياة بحثاً عن فرصة أخرى

لكن الكاتب لا يريد أن يكتفي بوصف المشكلة، وإنما يحاول البحث عن نقطة يمكن أن يبدأ منها التغيير، وهذه النقطة هي الإنسان نفسه

فالكتاب ينطلق من تجربة الكاتب في التنمية الشخصية، ويحاول إقناع الشباب بأن النجاح يحتاج إلى الإيمان والصبر والشجاعة والعمل، والأهم إلى تحمل المسؤولية وعدم انتظار أن يأتي الحل من الخارج

وتذكر دار النشر أن الكتاب يركز على أزمة اليأس لدى الشباب الغيني، وعلى البطالة والهشاشة وغياب المرجعيات، ثم يقدم رؤية تقوم على الإيمان والصبر والعمل وتحمل المسؤولية ورفض الاستسلام للقدر بوصفه تفسيراً وحيداً للفشل (Editions L’Harmattan)

“الأفكار القائمة عليها الكتاب”

يقوم الكتاب على فكرة أن تغيير الواقع يبدأ بتغيير طريقة النظر إليه، فالإنسان الذي يعتقد أنه لا يملك أي قدرة على التأثير في حياته قد يتحول تدريجياً إلى شخص ينتظر الحل بدلاً من أن يبحث عنه

ومن هنا تأتي قيمة المسؤولية الشخصية، فالكاتب يدعو الشباب إلى التوقف عن انتظار الآخرين، وعدم تحميل المجتمع أو الظروف أو القدر مسؤولية كل ما يحدث

لكن المسؤولية في قراءة أكثر اتزاناً لا تعني إنكار الظروف، فالفقر والبطالة وغياب الفرص مشكلات حقيقية، وإنما تعني ألا تتحول هذه الظروف إلى سبب لقتل الإرادة

ويضع الكتاب العمل والاجتهاد في مواجهة ثقافة الانتظار، لأن الطموح من دون فعل يبقى أمنية، والفرصة التي لا يستعد لها صاحبها قد تمر أمامه دون أن يلاحظها

كما يولي الكاتب أهمية للإيمان والصبر، وهما بالنسبة إليه مصدران للقدرة على الاستمرار عندما لا تأتي النتائج بسرعة

ومن زاوية علم النفس الاجتماعي، تبرز فكرة تأثير الجماعة، فالكاتب يحذر بصورة غير مباشرة من الأصدقاء أو المحيط الذي يزرع الإحباط ويقلل من قيمة الإنسان، لأن الفرد يتأثر كثيراً بالرسائل التي يسمعها بصورة متكررة من محيطه

“بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن”

اليأس ليس مجرد شعور فردي، فقد تغذيه ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية، ولذلك فإن مقاومته تحتاج إلى بناء أمل شخصي وجماعي

الإنسان يحتاج إلى تحمل مسؤوليته، حتى عندما تكون الظروف صعبة

النجاح لا يأتي من الرغبة وحدها، وإنما يحتاج إلى تنظيم وانضباط وعمل واستمرار

الصبر ليس انتظاراً سلبياً، وإنما قدرة على مواصلة العمل رغم تأخر النتائج

الأصدقاء والمحيط الاجتماعي قد يكونون مصدراً للتحفيز أو مصدراً للإحباط، ولذلك يحتاج الإنسان إلى اختيار البيئة التي تساعده على النمو

الإيمان بالنسبة إلى الكاتب ليس فكرة مجردة، وإنما قوة روحية تساعد الإنسان على مواجهة اليأس

الهجرة ليست دائماً الحل، خصوصاً عندما تتحول الرغبة في الهروب من الواقع إلى مخاطرة تهدد الحياة

وأخيراً، التغيير لا يبدأ عندما تتغير كل الظروف، وإنما قد يبدأ عندما يقرر الإنسان أن يتعامل مع الظروف الموجودة بأفضل طريقة يستطيعها

“الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه”

الكتاب موجه بصورة أساسية إلى الشباب الغيني، خصوصاً أولئك الذين يشعرون بأن المستقبل مغلق أمامهم

لكن رسالته يمكن أن تتجاوز الحدود الجغرافية، لأن قضية فقدان الأمل والبحث عن الهجرة والهروب من الواقع قضايا تواجهها قطاعات من الشباب في مجتمعات مختلفة

كما يناسب الطلاب والباحثين عن العمل وأصحاب المشروعات الصغيرة وكل من يريد بناء مسار شخصي رغم صعوبة الظروف

ويخاطب أيضاً الأسرة والمجتمع، لأن صناعة جيل قادر على النجاح لا تقع على الشباب وحدهم، وإنما تحتاج إلى بيئة تساعدهم على التعلم والعمل والمبادرة

“أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي”

من أهم نقاط القوة أن الكاتب يضع قضية الشباب في مركز النقاش، ولا يتحدث عن النجاح بمعزل عن الظروف الاجتماعية التي يعيشها الشباب في غينيا

كما أن الجمع بين التنمية الشخصية والإيمان والعمل يعطي الكتاب هوية واضحة، ويجعله أقرب إلى رسالة توجيهية موجهة إلى جيل يعيش أزمة أمل

ومن نقاط القوة كذلك التركيز على المسؤولية والانضباط والعمل، وهي عناصر ضرورية لأي مشروع شخصي طويل المدى

وتؤكد المصادر أن الكاتب نفسه يعمل مدرساً ومدرباً في التنمية الشخصية، وأنه يسعى إلى تقديم إجابات عملية مستندة إلى تجربته وقراءاته في النمو الشخصي والروحاني (Editions L’Harmattan)

أما الجانب الذي يحتاج إلى نقاش فهو أن التركيز الكبير على الإرادة الفردية قد لا يكون كافياً لتفسير مشكلات الشباب، لأن البطالة والفقر وضعف المؤسسات وقلة الفرص ليست مشكلات يستطيع الفرد وحده حلها

ومن هنا يجب ألا نفهم الكتاب باعتباره يقول للشاب إن فشلك مسؤوليتك وحدك، وإنما باعتباره دعوة إلى عدم الاستسلام، مع ضرورة الاعتراف بأن التغيير الشخصي يحتاج إلى تغيير اجتماعي ومؤسسي أيضاً

“ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش”

هل يستطيع الإنسان تغيير مصيره بإرادته وحدها، أم أن الإرادة تحتاج إلى فرصة حتى تتحول إلى نتيجة، وهل يمكن مطالبة شاب يعيش الفقر والبطالة بأن يعمل أكثر دون أن نوفر له مساحة حقيقية للعمل

وهل الهجرة دائماً هروب من الواقع، أم أنها قد تكون في بعض الحالات بحثاً مشروعاً عن فرصة وحياة أفضل، والسؤال الحقيقي هنا ليس هل يهاجر الشباب، وإنما لماذا يشعر بعضهم أن المستقبل لا يوجد إلا خارج وطنهم

وهل الإيمان والصبر كافيان لصناعة النجاح، أم أن النجاح يحتاج أيضاً إلى التعليم والمهارة والمؤسسات والاقتصاد والفرص

وربما تكمن قيمة الكتاب في أنه لا يترك القارئ أمام سؤال “لماذا أنا؟”، وإنما يدفعه إلى سؤال آخر أكثر إنتاجاً، “ماذا أستطيع أن أفعل بما أملك الآن؟”

فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين عقل ينتظر الإنقاذ، وعقل يبدأ البحث عن طريق، حتى لو كان الطريق طويلاً، وحتى لو كانت الخطوة الأولى صغيرة

“الكلمة الأخيرة”

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه

“حقوق النشر”

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا

“البطاقة التعريفية للكتاب”

العنوان: Les 8 secrets du changement d’un jeune Guinéen : Les clés de la réussite enfin à la portée des jeunes de Guinée

المؤلف: عبد الله ديتين كامارا

دار النشر: “Éditions Yigui”

بلد النشر: غينيا

الطبعة: طبعة 2022

سنة النشر: 2022

عدد الصفحات: 130 صفحة

ISBN: 978-2-493098-07-8

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *