تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
يحاول بول إيكمان في هذا الكتاب أن يأخذنا إلى منطقة معقدة جدا في النفس البشرية: المنطقة التي تفصل بين ما يقوله الإنسان وما يشعر به أو يعرفه في الحقيقة، فالكذب، في نظر إيكمان، ليس مجرد جملة خاطئة نقولها، وإنما عملية نفسية واجتماعية كاملة، يدخل فيها الخوف والطمع والرغبة في حماية النفس والحفاظ على العلاقات أو الحصول على شيء لا يمكن الوصول إليه بالصراحة.
الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الكتاب هي أن الإنسان لا يكذب دائما لأنه شخص سيئ أو مخادع بطبيعته، نحن نكذب لأسباب كثيرة، وبعضها قد يبدو لنا مبررا أو حتى أخلاقيا، قد يكذب الطفل خوفا من العقاب، ويكذب الموظف حتى لا يفقد وظيفته، ويكذب الزوج خوفا من انهيار العلاقة، وقد يكذب السياسي لحماية صورته أمام الناس، وفي أحيان أخرى يكذب الإنسان لكي يحصل على منفعة أو يخفي خطأ ارتكبه، لذلك فإن فهم الكذب يبدأ من فهم الدافع الذي يقف وراءه.
لكن إيكمان يلفت النظر إلى نقطة أكثر أهمية: الكذب الناجح لا يعتمد على الكلمات وحدها، فالإنسان عندما يحاول إخفاء حقيقة معينة قد تظهر منه إشارات لا يقصد إرسالها، قد تتغير نبرة صوته، أو يتردد في الكلام، أو تظهر على وجهه انفعالات قصيرة وسريعة، أو يتعارض ما يقوله مع بعض حركاته، هذه الإشارات هي ما يسميه إيكمان تسربا للمعلومات؛ أي أن المشاعر الحقيقية قد تجد طريقها إلى الخارج رغم محاولة الشخص السيطرة عليها.
وهنا تظهر واحدة من أهم أفكار الكتاب: ليس كل شخص يبدو متوترا كاذبا، وليس كل كاذب يبدو متوترا.
فالقلق وحده لا يثبت الكذب، الشخص الصادق قد يكون خائفا لأنه يعلم أن الآخرين يشكون فيه، بينما يستطيع الكاذب المتمرس أن يبدو هادئا جدا، ولذلك يحذر إيكمان من تحويل أي حركة جسدية منفردة إلى دليل قاطع على الكذب، النظر إلى الأرض، أو لمس الوجه، أو تحريك اليدين، أو تجنب النظر في العينين ليست أدلة مؤكدة بمفردها.
المهم هو الصورة الكاملة، وما إذا كان هناك تغير واضح في سلوك الشخص عندما ينتقل الحديث إلى موضوع معين، ويشرح الكتاب أن الكذب يصبح أصعب عندما تكون المشاعر الناتجة عنه قوية، فإذا كان الشخص يخشى أن ينكشف، فقد يشعر بالخوف، وإذا كان يشعر بالذنب، فقد تظهر عليه علامات مختلفة، وإذا كان مستمتعا بخداع الآخرين، فقد تظهر لديه مشاعر أخرى تمامًا، لذلك لا توجد علامة واحدة للكذب تصلح مع الجميع.
ومن أكثر الجوانب إثارة في الكتاب حديث إيكمان عن الوجه، فقد أمضى سنوات طويلة في دراسة تعبيرات الوجه والانفعالات، واهتم خصوصا بالتعبيرات القصيرة جدا التي قد تظهر للحظات قبل أن تختفي، هذه التعبيرات قد تكشف مشاعر حقيقية يحاول الإنسان إخفاءها، ولهذا أصبحت أبحاث إيكمان حول تعبيرات الوجه والانفعالات من أشهر أعماله.
لكن أهمية هذه الفكرة لا تعني أن قراءة الوجه أصبحت آلة لكشف الكذب، إيكمان نفسه أكثر حذرا من ذلك، فالوجه قد يخبرنا أن الشخص يشعر بالخوف أو الغضب أو الحزن، لكنه لا يخبرنا بالضرورة لماذا يشعر بهذه المشاعر، وقد يكون السبب متعلقا بالكذب، وقد يكون شيئا آخر تماما.
ومن هنا يأتي التحذير المهم الذي يكرر الكتاب معناه: اكتشاف المشاعر ليس هو نفسه اكتشاف الكذب.
يناقش إيكمان أيضا لماذا تفشل الأكاذيب، أحيانا يفشل الكذب لأن الشخص ينسى التفاصيل التي اخترعها، أو لأنه يضيف معلومات أكثر مما ينبغي، أو لأن روايته تتغير مع تكرار الأسئلة، وفي أحيان أخرى يفشل بسبب التناقض بين الكلمات والصوت والوجه والجسد.
لكن هناك مشكلة أخرى: قد يكون الشخص صادقا ومع ذلك يبدو متناقضا، ولهذا فإن الشخص الذي يحاول كشف الكذب يجب ألا يبدأ من افتراض أن الطرف الآخر كاذب، لأن الشك المسبق قد يجعلنا نفسر كل تصرف باعتباره دليل إدانة.
وهذه النقطة تجعل الكتاب مختلفا عن بعض الكتب الشعبية التي تقدم قائمة علامات بسيطة للكذب، إيكمان أكثر تعقيدا، فهو يرى أن كشف الخداع عملية احتمالية، وليست عملية يقينية.
ويتطرق الكتاب كذلك إلى أجهزة كشف الكذب، وعلى رأسها جهاز كشف الكذب التقليدي البوليغراف، والفكرة الأساسية وراء هذه الأجهزة هي قياس بعض التغيرات الفسيولوجية التي قد تصاحب الانفعال أو الضغط أثناء الإجابة، لكن المشكلة أن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة أن الشخص يكذب، فالخوف والقلق والتوتر يمكن أن تحدث عند الشخص الصادق أيضا، ولذلك يناقش إيكمان حدود الاعتماد على هذه الوسائل، ويحذر من التعامل معها باعتبارها وسيلة سحرية لمعرفة الحقيقة.
ومن الأفكار المهمة أيضا أن الكذب لا يحدث فقط بين الأشخاص في العلاقات الخاصة، فالكتاب ينتقل إلى مجالات مثل السياسة والحياة العامة والعمل والعلاقات الزوجية، وفي كل مجال تتغير تكلفة الكذب ودوافعه.
في العلاقات العاطفية، قد يكون الكذب محاولة لحماية العلاقة أو إخفاء الخيانة أو تجنب المواجهة، وفي العمل قد يكون وسيلة لحماية المصالح أو تجميل الإنجازات، وفي السياسة يمكن أن يتحول الكذب إلى أداة للتأثير في الرأي العام، وكلما كانت مصلحة الشخص من الكذب أكبر، زادت أهمية فهم الظروف المحيطة بالكذبة بدل الاكتفاء بملاحظة حركة أو تعبير على الوجه.
والرسالة الأعمق التي يتركها الكتاب هي أننا لا نستطيع أن نفهم الكذب من خلال سؤال بسيط مثل: هل الشخص ينظر في عيني أم لا؟، الحقيقة أكثر تعقيدا، علينا أن نعرف ماذا يقول، وكيف يقوله، وما الذي تغير في سلوكه، وما المشاعر التي تظهر، وما الظروف المحيطة بالموقف، وما الذي قد يخسره أو يربحه إذا كان يكذب.
كما أن الكتاب يجعل القارئ يعيد النظر في فكرة الكاذب المحترف، فبعض الناس يجيدون التحكم في تعبيراتهم، وبعضهم اعتاد الكذب إلى درجة أن الكذب أصبح بالنسبة إليهم أقل صعوبة، وفي المقابل قد يكون الإنسان الصادق شديد التوتر عندما يتعرض للاتهام.
بعد قراءة الكتاب، يمكن الخروج بفكرة مهمة جدا: أفضل طريقة لفهم الكذب ليست البحث عن حركة سحرية تكشفه، وإنما ملاحظة التغيرات والتناقضات والسياق والدوافع.
وهذا يجعل الكتاب مفيدا ليس فقط لمن يريد معرفة ما إذا كان شخص ما يكذب عليه، وإنما لكل شخص يريد أن يفهم العلاقات الإنسانية بصورة أكثر نضجا، فالكذب جزء من الحياة الاجتماعية، وفهمه يساعدنا على فهم الخوف والعار والطمع والغيرة والرغبة في القبول والحاجة إلى حماية الصورة التي نرسمها عن أنفسنا أمام الآخرين
ومن نقاط قوة الكتاب أن إيكمان لا يقدم الكذب كموضوع أخلاقي فقط، وإنما يحاول دراسته من منظور علم النفس والسلوك والانفعالات، كما أن الكتاب يستفيد من أمثلة وتجارب ومواقف من الحياة العامة والعلاقات الشخصية، ويجمع بين دراسة المشاعر ومحاولة فهم عملية الخداع نفسها
أما نقطة الضعف التي ينبغي الانتباه إليها فهي أن بعض القراء قد يخرجون منه بفكرة مبالغ فيها عن قدرتهم على قراءة الآخرين، فالكتاب لا يمنح القارئ جهازا لكشف الكذب، ولا يجعل تعبيرات الوجه دليلا قاطعا، وحتى أكثر الأشخاص خبرة يمكن أن يخطئوا في الحكم على صدق الآخرين، لذلك فإن أفضل استخدام لأفكار الكتاب هو أن تجعلنا أكثر انتباها، لا أكثر شكا.
والكتاب يفتح أيضًا سؤالا أخلاقيا مهما: هل كل كذبة سيئة؟ فالكذب لإنقاذ شخص من خطر يختلف عن الكذب للاستغلال، والكذبة التي نقولها لتجنب إحراج بسيط تختلف عن الكذب الذي يدمر حياة شخص آخر، لذلك فإن فهم أسباب الكذب لا يعني تبريره، وإنما يساعدنا على فهم الإنسان الذي يقف خلفه.
في النهاية، يقدم إيكمان صورة أكثر واقعية عن الكذب: نحن نكذب لأسباب مختلفة، ونحاول أحيانا إخفاء الكذب، لكن مشاعرنا قد تترك آثارا تكشف شيئا مما نحاول إخفاءه، ومع ذلك، لا توجد علامة واحدة تستطيع أن تخبرنا بالحقيقة دائما.
أهم ما يمكن أن يأخذه القارئ من الكتاب هو ألا يصدق المظهر وحده، وألا يتهم بناء على إشارة واحدة، بل يبحث عن السياق والتناقض والدافع والتغير في السلوك.
وهنا تكمن قيمة الكتاب الحقيقية: إنه لا يعلمنا فقط كيف نبحث عن الكاذب، بل يعلمنا أيضا أن نكون أكثر حذرا من أحكامنا على الآخرين.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: قول الأكاذيب: مفاتيح الخداع في العمل والسياسة والزواج— Telling Lies: Clues to Deceit in the Marketplace, Politics, and Marriage
المؤلف: بول إيكمان — Paul Ekman
دار النشر: W. W. Norton & Company
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الرابعة المنقحة
سنة النشر: 2009
عدد الصفحات: 402 صفحة
رقم الإيداع: 2008052425
ISBN: 9780393337457







