قراءة في كتاب ألعاب يلعبها الناس— إريك برن

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يقدم الكاتب نظرة مختلفة إلى العلاقات الإنسانية؛ فهو لا يتعامل مع كثير من التصرفات التي تحدث بين الناس باعتبارها عشوائية أو غير مفهومة، بل يرى أن جانبا كبيرا من تفاعلاتنا اليومية يسير وفق أنماط متكررة يمكن فهمها وتحليلها، وقد أطلق على هذه الأنماط اسم “الألعاب النفسية”.

الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الكتاب هي أن الإنسان لا يتواصل دائما بالطريقة التي يبدو عليها التواصل في ظاهره، فقد يبدأ شخصان حديثا عاديا، لكن خلف الكلمات الظاهرة توجد أحيانا أهداف نفسية غير معلنة: الحصول على الاهتمام، إثبات التفوق، استدراج الآخر إلى الشعور بالذنب، تجنب المسؤولية، الحصول على التعاطف، أو حتى تأكيد فكرة سلبية يحملها الإنسان عن نفسه.

ومن هنا جاءت أهمية مفهوم “اللعبة”، عند برن ليست لعبة بالمعنى الترفيهي، وإنما سلسلة متكررة من التعاملات بين الأشخاص، تبدو طبيعية في ظاهرها، لكنها تقود غالبا إلى نتيجة نفسية متوقعة، وقد لا يكون الشخص واعيا تماما بأنه يكرر هذه اللعبة، فهو ربما تعلمها منذ طفولته وأصبح يمارسها بصورة تلقائية.

ولفهم هذه الألعاب، يقدم برن مفهوما أساسيا في التحليل التفاعلي، وهو أن داخل كل إنسان ثلاث حالات نفسية رئيسية: الوالد، والبالغ، والطفل.

حالة الوالد تظهر عندما نتعامل مع الآخرين بالطريقة التي تعلمناها من الوالدين أو الشخصيات المؤثرة في طفولتنا، فقد نأمر وننصح ونحذر وننتقد، أو نحاول حماية الآخرين كما لو كنا نؤدي دور الأب أو الأم.

أما الطفل فهو الجزء الذي يحمل مشاعر وتجارب الطفولة، فقد يظهر في صورة الخضوع أو الخوف أو التمرد أو البحث عن الحب والقبول، وقد يظهر أيضا في صورة العفوية والمرح والإبداع.

بينهما تأتي حالة البالغ، وهي الحالة الأكثر عقلانية واتزانًا، ففيها يحاول الإنسان أن يتعامل مع الواقع كما هو، وأن يجمع المعلومات، ويفكر قبل أن يحكم، ويتخذ قراراته بناء على الحاضر لا على ردود أفعال قديمة.

ولا يعني ذلك أن حالة الوالد أو الطفل سيئة في ذاتها، المشكلة تظهر عندما نسمح لإحدى هذه الحالات بأن تتحكم في موقف لا تحتاج إليها، أو عندما لا ننتبه إلى الحالة النفسية التي نتحدث منها والحالة التي يتحدث منها الطرف الآخر.

فقد يسأل شخص زوجته: لماذا لم تفعلي هذا الأمر؟، وقد يبدو السؤال بسيطا، لكنه قد يصدر من حالة الوالد التي تتعامل مع الآخر باعتباره طفلا يجب أن يحاسب، وقد ترد الزوجة من حالة الطفل بالدفاع أو البكاء أو التمرد، وهنا لا يصبح الحوار نقاشا بين شخصين بالغين حول مشكلة محددة، وإنما يتحول إلى نمط قد يتكرر كل مرة.

ويرى برن أن كثيرا من المشكلات في العلاقات لا تأتي من الكلمات نفسها، وإنما من الرسائل النفسية الموجودة خلف الكلمات.

ومن أكثر الأفكار أهمية في الكتاب مفهوم المعاملة أو “Transaction”، أي الوحدة الأساسية للتواصل بين شخصين، عندما يتحدث شخص إلى آخر، فإن الرسالة لا تكون مجرد كلمات، بل تأتي من حالة نفسية معينة وتستدعي غالبا ردا من حالة نفسية أخرى.

إذا كان التواصل بين بالغ وبالغ، يمكن أن يكون الحوار منطقيا ومرنا، لكن إذا تحدث أحدهما من الوالد ورد الآخر من الطفل، فقد يبدأ نمط مختلف تماما، وفي بعض الأحيان يستطيع الإنسان أن يغير مسار الحوار بمجرد أن يغير الحالة النفسية التي يتحدث منها.

وهنا تكمن إحدى الرسائل العملية المهمة في الكتاب: لسنا مجبرين دائما على الاستمرار في الدور الذي وضعنا أنفسنا فيه داخل العلاقة.

فإذا اعتاد شخص أن يشتكي باستمرار، واعتاد الآخر أن ينقذه ويقدم له الحلول، فقد أصبح الاثنان جزءا من لعبة متكررة، الأول يحصل على الاهتمام أو التعاطف، والثاني يحصل على شعور بأنه ضروري ومهم، وقد يظلان يشتكيان وينصحان دون أن تتغير المشكلة اصلا.

وهذا يقودنا إلى واحدة من أكثر أفكار الكتاب إثارة: أن بعض العلاقات تستمر ليس لأنها صحية، وإنما لأن كل طرف يحصل على مكسب نفسي معين من استمرار النمط.

وهذا المكسب لا يعني بالضرورة منفعة مادية، فقد يكون المكسب هو الشعور بالضحية، أو الحصول على الاهتمام، أو تجنب اتخاذ القرار، أو الهروب من المسؤولية، أو الشعور بالتفوق الأخلاقي، أو تجنب مواجهة الخوف الحقيقي الموجود خلف المشكلة.

ويحذر الكتاب من أن الإنسان قد يكرر السيناريو نفسه مع أشخاص مختلفين، فقد يغير وظيفته أو شريكه أو أصدقاءه، لكنه يجد نفسه في النوع نفسه من الصراعات، وهذا يعني أن المشكلة قد لا تكون دائمًا في الأشخاص المحيطين به، وإنما في النمط الذي يدخل به إلى العلاقات.

ومن هنا يصبح الوعي بالنمط خطوة مهمة في التغيير، فبدلا من أن يسأل الإنسان: لماذا يفعل الآخرون هذا بي دائمًا؟، يمكنه أن يسأل: ما دوري أنا في تكرار هذه العلاقة؟ وما الذي أحصل عليه من استمرارها؟.

ويعرض برن مجموعة كبيرة من الألعاب النفسية التي تظهر في الزواج والأسرة والعمل والصداقات، بعضها يبدو مألوفا جدا في حياتنا اليومية، مثل الشخص الذي يطلب النصيحة ثم يرفض كل نصيحة تقدم له، أو الشخص الذي يوقع الآخرين في الخطأ ثم يعلن أنه كان يعرف منذ البداية أن الأمور ستفشل، أو الشخص الذي يكرر الشكوى من مشكلة لكنه لا يريد فعلا أن يتخذ خطوة لحلها.

هذه المواقف تجعل الكتاب قريبا من الحياة اليومية، لأن القارئ قد يتعرف على نفسه أو على أشخاص يعرفهم في بعض هذه الأنماط.

لكن الهدف الحقيقي من التعرف على اللعبة ليس إطلاق الأحكام على الآخرين، فالكتاب يصبح أكثر فائدة عندما نستخدمه لفهم أنفسنا قبل الآخرين، فمعرفة أن شخصا آخر يمارس لعبة معينة لا تعني أننا أذكى منه أو أفضل منه، بل السؤال الأهم هو: لماذا أستجيب أنا لهذه اللعبة؟ ولماذا أجد نفسي أدخل فيها كل مرة؟

ومن الأفكار المهمة أيضا أن العلاقات الإنسانية لا تقوم فقط على الألعاب، فهناك تفاعلات صادقة ومباشرة يمكن أن يكون فيها الإنسان حاضرا بوعيه، ويعبر عن احتياجاته دون مناورة، ويتعامل مع الطرف الآخر باعتباره شخصا قادرا على الاختيار وتحمل المسؤولية.

ولهذا فإن الخروج من الألعاب لا يعني أن يصبح الإنسان باردا أو بلا مشاعر، وإنما يعني أن يصبح أكثر وضوحا وصدقا في التواصل.

فبدلا من التلميح يمكن أن يطلب ما يحتاجه مباشرة، وبدلا من محاولة جعل الآخر يشعر بالذنب، يمكنه أن يعبر عن غضبه بوضوح، وبدلا من انتظار أن ينقذه شخص آخر، يستطيع أن يتحمل الجزء الذي يقع ضمن مسؤوليته.

ومن منظور نفسي، تكمن قوة الكتاب في أنه ينقل القارئ من التفكير في العلاقات باعتبارها مجرد أحداث منفصلة إلى النظر إليها باعتبارها أنماطا متكررة، عندما نلاحظ النمط، يصبح لدينا احتمال أكبر لتغييره.

لكن الكتاب يحتاج إلى قراءة نقدية أيضا، فتصنيف السلوك الإنساني في ألعاب قد يكون مفيدا لفهم بعض الأنماط، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى طريقة للحكم السريع على كل تصرف، الإنسان أكثر تعقيدا من أن نضع كل علاقة أو خلاف في قالب واحد، كما أن بعض المفاهيم الواردة في الكتاب تنتمي إلى مدرسة التحليل التفاعلي في علم النفس، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها وصفًا علميا نهائيا لكل السلوك البشري.

ومع ذلك، تظل قيمة الكتاب كبيرة بالنسبة للقارئ المهتم بفهم العلاقات، لأنه يمنحه لغة جديدة لوصف أشياء كان يشعر بها دون أن يعرف كيف يسميها.

بعد قراءة الكتاب، قد تبدأ في ملاحظة تفاصيل صغيرة في حياتك اليومية: شخص يشتكي لكنه لا يريد حلا، شخص يستفزك ثم يتهمك بالغضب، شخص يضعك دائما في دور المنقذ، أو شخص يجعلك تشعر أنك مسؤول عن مشاعره باستمرار، لكن الأهم من اكتشاف ألعاب الآخرين هو اكتشاف الألعاب التي تشارك فيها أنت.

والرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من الكتاب هي أن الوعي يمنح الإنسان فرصة للخروج من السيناريو المتكرر، قد لا نستطيع التحكم في طريقة الآخرين، لكن يمكننا أن نغير طريقة استجابتنا لهم، وعندما تتغير الاستجابة، تتغير أحيانًا العلاقة كلها.

لهذا فإن “ألعاب يلعبها الناس” ليس مجرد كتاب عن الحيل النفسية أو عن كيفية اكتشاف الآخرين، بل هو كتاب عن الوعي بالعلاقات، وفهم الأدوار التي نلعبها، والانتقال من التفاعل التلقائي إلى التواصل الأكثر نضجا وحرية.

الكتاب يناسب القارئ الذي يريد فهم العلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية، وكل من لاحظ أنه يدخل في الخلافات نفسها بصورة متكررة أو يشعر بأنه يؤدي الدور نفسه مع أشخاص مختلفين.

وأقوى ما في الكتاب أنه يجعلك تتوقف أمام سؤال بسيط لكنه عميق: هل أنا أعيش علاقاتي كما أريد فعلا، أم أنني أكرر ألعابا تعلمتها منذ زمن بعيد دون أن أنتبه؟.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: ألعاب يلعبها الناس — Games People Play

المؤلف: إريك برن — Eric Berne

المجال: علم النفس، التحليل التفاعلي، العلاقات الإنسانية

الناشر الأصلي: Grove Press

بلد النشر الأصلي: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1964

عدد الصفحات: يختلف باختلاف الطبعة والترجمة

رقم الإيداع: يختلف حسب الطبعة العربية

ISBN: 978-0-8021-6017-4

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *