قراءة فى كتاب العقل المستوعب – The Absorbent Mind

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

في كتاب العقل المستوعب، تطرح ماريا مونتيسوري رؤية مختلفة تمامًا لطريقة نمو الطفل وتعلمه، حيث تنطلق من فكرة أساسية وهي أن الطفل لا يأتي إلى الدنيا بعقل مكتمل ينتظر من الكبار أن يملؤه بالمعلومات، بل يمتلك منذ بدايته قدرة مذهلة على امتصاص ما يحيط به والتعلم منه، فالطفل يراقب، ويستمع، ويقلد، ويتفاعل مع البيئة من حوله، ومن خلال هذه التجارب اليومية يبدأ في تكوين شخصيته وعاداته وطريقته في التفكير دون أن يشعر من حوله بحجم ما يحدث داخله.

ترى مونتيسوري أن السنوات الأولى من حياة الإنسان شديدة الأهمية، لأن الطفل خلالها يتعلم بطريقة تختلف عن طريقة الشخص البالغ، فهو لا يحتاج في كل لحظة إلى من يشرح له الأشياء، وإنما يتعلم كثيرًا من خلال الملاحظة والتجربة والتكرار. فالطفل الذي يسمع اللغة من المحيطين به يبدأ في التقاط أصواتها وكلماتها وقواعدها بشكل طبيعي، والطفل الذي يعيش في بيئة منظمة يبدأ تدريجيًا في فهم النظام، بينما الطفل الذي تحيط به الفوضى قد يتشرب هذه الفوضى أيضًا، ولهذا تؤكد مونتيسوري أن البيئة ليست مجرد مكان يعيش فيه الطفل، بل هي جزء أساسي من عملية تربيته.

ومن هنا تنتقد مونتيسوري فكرة التعامل مع الطفل باعتباره شخصًا صغيرًا لا يعرف شيئًا، وأن دور الكبار يقتصر على إصدار الأوامر والتعليمات، الطفل، في رأيها، لديه رغبة طبيعية في الاستقلال واكتشاف العالم. عندما يحاول أن يرتدي ملابسه بنفسه، أو يحمل شيئًا، أو يرتب ألعابه، أو يكرر حركة معينة عشرات المرات، فهو لا يضيع الوقت كما قد يعتقد الكبار، بل يبني مهاراته ويشعر بقدرته على الاعتماد على نفسه.

وتشير مونتيسوري إلى أن تكرار الطفل للفعل نفسه ليس عبثًا. الطفل قد يسكب الماء مرات عديدة، أو يفتح ويغلق شيئًا باستمرار، أو يكرر كلمة معينة، لأنه يحاول إتقان مهارة أو فهم نتيجة معينة، لذلك فإن التدخل المستمر من جانب الكبار قد يحرم الطفل من فرصة التعلم الحقيقي، أحيانًا يكون أفضل ما يستطيع الأب أو الأم فعله هو أن يراقبا الطفل، ويتركا له مساحة آمنة للمحاولة، ثم يتدخلا فقط عندما تكون المساعدة ضرورية.

ويركز الكتاب أيضًا على أهمية الحرية، لكن مونتيسوري لا تقصد الحرية المطلقة التي يفعل فيها الطفل ما يشاء دون حدود. المقصود هو أن يحصل الطفل على مساحة مناسبة للاختيار والحركة والعمل، داخل بيئة آمنة ومنظمة. عندما يعرف الطفل أن هناك قواعد واضحة، وفي الوقت نفسه يشعر بأن له دورًا في اختيار ما يفعله، فإنه يبدأ في تطوير قدر أكبر من الاستقلال والانضباط الداخلي.

ومن الأفكار المهمة في الكتاب أن التربية لا تتعلق فقط بما نقوله للأطفال، وإنما بما يرونه منا كل يوم، الطفل يلتقط سلوك الكبار بسرعة شديدة. فإذا كان الأب أو الأم يتحدثان باحترام، ويتعاملان بهدوء، ويحافظان على النظام، فمن الطبيعي أن يتأثر الطفل بذلك، أما إذا طلبنا منه الهدوء ونحن نصرخ طوال الوقت، أو طالبناه بالترتيب بينما يعيش في بيئة فوضوية، فقد يجد صعوبة في فهم التناقض بين الكلام والسلوك.

وتولي مونتيسوري اهتمامًا كبيرًا بالحواس، لأنها تعتبرها من أهم الطرق التي يكتشف بها الطفل العالم، الطفل لا يتعلم فقط من خلال الكلام والكتب، بل من خلال اللمس والرؤية والسمع والحركة والتجربة، عندما يمسك الأشياء ويقارن بينها، ويلاحظ اختلاف الأشكال والأحجام والأصوات والملمس، فإنه يبني معرفة حقيقية مرتبطة بتجربته الخاصة، لذلك فإن الأنشطة العملية بالنسبة لها ليست مجرد ألعاب، وإنما وسائل تساعد الطفل على بناء عقله وشخصيته.

كما ترى مونتيسوري أن الحركة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتفكير. الطفل يحتاج إلى أن يتحرك ويستخدم يديه وجسده حتى يكتشف البيئة المحيطة به، ولذلك فإن إجبار الطفل على الجلوس لفترات طويلة ومنعه من الحركة قد يتعارض مع طبيعته في مراحل معينة من نموه، والحركة ليست عكس التعلم، بل يمكن أن تكون إحدى الطرق التي يحدث بها التعلم.

ويتحدث الكتاب كذلك عن دور البالغين في حياة الطفل، ويضع على عاتقهم مسؤولية كبيرة، لكن ليس بالضرورة من خلال السيطرة المستمرة.د، دور الوالد أو المعلم هو أن يهيئ البيئة المناسبة، ويراقب الطفل، ويحترم إيقاع نموه، ويوفر له الأدوات التي تساعده على اكتشاف الأشياء بنفسه، فالمعلم الناجح، وفق هذه الرؤية، ليس الشخص الذي يتحدث طوال الوقت، وإنما الشخص الذي يعرف متى يتدخل ومتى ينسحب قليلًا ليترك الطفل يكتشف بنفسه.

وتلفت مونتيسوري إلى أن مقارنة الأطفال ببعضهم يمكن أن تكون مؤذية، فالأطفال لا ينمون بالسرعة نفسها، ولا تظهر مهاراتهم في التوقيت ذاته، طفل قد يتقدم سريعًا في الكلام، بينما يتفوق آخر في الحركة أو التركيز أو المهارات العملية، لذلك فإن الضغط المستمر على الطفل ليكون مثل غيره قد يجعله يشعر بأنه غير قادر، بينما يحتاج في الحقيقة إلى وقت وطريقة مناسبة تساعده على اكتشاف قدراته.

ومن أهم الرسائل التي يمكن الخروج بها من الكتاب أن الطفل يحتاج إلى الاحترام بقدر حاجته إلى الرعاية، احترام الطفل لا يعني تركه دون توجيه، وإنما الاعتراف بأنه إنسان له احتياجاته ومشاعره وقدرته على التعلم، عندما نستخف بأسئلته أو نسخر من محاولاته أو نمنعه باستمرار من التجربة، فإننا قد نضعف فضوله الطبيعي، أما عندما نأخذ أسئلته بجدية ونمنحه فرصة للمحاولة، فنحن نساعده على بناء علاقة إيجابية مع التعلم.

وفي النهاية، يقدم العقل المستوعب، فكرة تستحق التأمل الطفل لا يبدأ في التعلم عندما يدخل المدرسة، بل يبدأ منذ اللحظة الأولى التي يتفاعل فيها مع العالم، البيت، وطريقة حديث الأبوين، ونظراتهما، وعلاقتهما ببعضهما، وطريقة تعاملهما مع الخطأ، والأشياء التي يراها الطفل ويسمعها كل يوم، كلها تدخل في تكوين شخصيته.

وربما تكون أهم رسالة في الكتاب أن تربية الطفل ليست في أن نصنع منه نسخة نريدها نحن، وإنما أن نساعده على أن ينمو ويكتشف قدراته بطريقته الخاصة. فكلما فهمنا طبيعة الطفل واحترمنا فضوله ومنحناه فرصة للاستقلال، أصبح دورنا في تربيته أكثر هدوءًا وأقل اعتمادًا على الأوامر والعقاب، الطفل لا يحتاج دائمًا إلى شخص يفعل الأشياء بدلًا منه، أحيانًا يحتاج فقط إلى شخص يؤمن بقدرته، ويهيئ له الطريق، ثم يتركه يحاول.

الكلمة الأخيرة:

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: The Absorbent Mind

المؤلف: Maria Montessori – ماريا مونتيسوري

دار النشر: The Theosophical Publishing House

بلد النشر: الهند

مكان النشر: أديار، مدراس (Adyar, Madras)

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1949

عدد الصفحات: 421 صفحة

رقم الإيداع: LCCN 96908291

ISBN: 0-385-28012-2

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *