حين لا يبقى لك شيء.ما الذي يجعلك تتمسك بالحياة

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة وهذه القراءة ليست اختصارًا للكتاب أو بديلًا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالواقع

ماذا يبقى للإنسان عندما تسقط الأشياء التي كان يظن أنها تمنحه الأمان عندما يفقد بيته وعمله ومكانته وعلاقاته وحتى القدرة على التحكم في أبسط تفاصيل يومه هل يستطيع أن يحتفظ بشيء لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه هذا السؤال يقود فيكتور فرانكل إلى واحدة من أكثر الأفكار تأثيرا في علم النفس وهي أن الإنسان يستطيع أن يبحث عن معنى لحياته حتى وسط أقسى الظروف وأن وجود معنى يمنحه سببا للاستمرار عندما تبدو الحياة نفسها بلا تفسير

فرانكل لم يصل إلى هذه الفكرة من غرفة دراسة هادئة وإنما ارتبطت تجربته الشخصية بمعسكرات الاعتقال النازية التي عاش فيها ظروفا قاسية وفقد خلالها أفرادا من أسرته وعاش الخوف والجوع والمرض والإذلال والموت اليومي لذلك جاءت رؤيته للإنسان مختلفة عن النظريات التي تفسر السلوك باعتباره مجرد استجابة للرغبات أو بحثا عن المتعة فقد رأى أن هناك حاجة أخرى شديدة العمق تتمثل في رغبة الإنسان في العثور على معنى لحياته

المعنى بالنسبة إلى فرانكل ليس إجابة واحدة تصلح للجميع وليس شعارا جاهزا يمكن حفظه وترديده فالشيء الذي يمنح حياة شخص قيمة قد لا يكون له المعنى نفسه بالنسبة إلى شخص آخر ولذلك لا يبحث الإنسان عن معنى مجرد للحياة بقدر ما يكتشف معنى موقفه الخاص في لحظة معينة وقد يتغير هذا المعنى مع تغير الظروف والعمر والمسؤوليات

التجربة التي يصفها فرانكل داخل المعتقل تكشف أن الناس لم يتفاعلوا جميعا مع المعاناة بالطريقة نفسها فهناك من انهار بسرعة وهناك من حاول الحفاظ على شيء من إنسانيته وهناك من وجد سببا يجعله يتمسك بالغد حتى عندما لا توجد ضمانات بأن الغد سيأتي وهنا يظهر الفرق بين الظروف الخارجية وبين الطريقة التي يستطيع الإنسان أن يتعامل بها مع هذه الظروف

فرانكل لا يقول إن الإنسان يستطيع دائما تغيير الواقع أو التخلص من الألم فهناك مواقف لا يمكن التحكم فيها لكن الإنسان يستطيع أحيانا أن يختار موقفه الداخلي تجاه ما يحدث وهذا الجزء الصغير من الحرية يصبح بالغ الأهمية عندما تختفي بقية أشكال السيطرة

فقدان الحرية الخارجية لا يعني بالضرورة اختفاء كل مساحة داخلية للاختيار والإنسان الذي لا يستطيع تغيير الظروف قد يستطيع تغيير نظرته إليها أو الطريقة التي يتعامل بها معها وهذه الفكرة لا تجعل المعاناة جميلة ولا تنكر قسوتها لكنها تمنعها من أن تكون الشيء الوحيد الذي يحدد معنى حياة الإنسان

من هنا ظهرت فكرة العلاج بالمعنى التي أصبحت أساسا لما عرف لاحقا باللوجوثيرابي وهو اتجاه علاجي يرى أن البحث عن المعنى يمكن أن يكون قوة نفسية أساسية وأن مساعدة الإنسان على اكتشاف معنى لحياته قد تكون جزءا مهما من مساعدته على تجاوز أزماته

فرانكل يميز بين المتعة والمعنى فالإنسان قد يعيش لحظات ممتعة لكنها لا تمنحه بالضرورة إحساسا عميقا بأن حياته تستحق أن تعاش وقد يعيش ظروفا مؤلمة بينما يتمسك بهدف أو شخص أو قيمة تمنحه سببا للاستمرار ولذلك لا يمكن قياس جودة الحياة فقط بكمية السعادة أو غياب الألم

المعنى يمكن أن يأتي من العمل أو الإبداع أو الحب أو المسؤولية أو التجربة الإنسانية نفسها ويمكن أيضا أن يظهر من الطريقة التي يواجه بها الإنسان معاناة لا يستطيع تغييرها وهنا تصبح الحياة أشبه بسؤال مفتوح لا توجد له إجابة واحدة ثابتة وإنما تتغير الإجابة بحسب الموقف الذي يقف فيه الإنسان

الحب عند فرانكل ليس مجرد شعور عاطفي وإنما قدرة على رؤية قيمة شخص آخر ورؤية ما وراء المظاهر الخارجية ولذلك يستطيع الإنسان أن يستمد قوة من وجود شخص يحبه حتى عندما يكون بعيدا عنه وقد تصبح صورة هذا الشخص في الذاكرة مصدرا للتماسك وسط ظروف شديدة القسوة

العمل كذلك يمكن أن يمنح الإنسان معنى عندما يشعر أنه يؤدي شيئا له قيمة وأن هناك مسؤولية تنتظره لكن فرانكل لا يجعل العمل شرطا للمعنى لأن قيمة الإنسان لا تتوقف على إنتاجيته وإنما ترتبط بقدرته على الاستجابة للحياة وتحمل مسؤوليته تجاه ما يستطيع فعله

المعاناة تصبح في هذا التصور مسألة مختلفة تماما فإذا كان الألم قابلا للتغيير يصبح المطلوب تغييره وإذا كان يمكن تجنبه فلا يوجد معنى في تمجيده أما عندما يكون الألم أمرا لا يمكن التخلص منه فإن الطريقة التي يواجه بها الإنسان هذا الألم يمكن أن تتحول إلى موقف يحمل قيمة ومعنى

الفكرة تحتاج إلى حذر شديد لأن تحويل المعاناة إلى درس دائم قد يصبح نوعا من القسوة على الإنسان الذي يتألم وفرانكل نفسه لا يدعو إلى البحث عن الألم وإنما يركز على قدرة الإنسان على استخراج معنى من موقف لم يختره عندما لا يكون أمامه طريق آخر

الكتاب يتحدث أيضا عن الفراغ الوجودي وهي حالة يشعر فيها الإنسان بأن حياته بلا هدف واضح وأن الأيام تمر دون إحساس حقيقي بالاتجاه وقد تظهر هذه الحالة عندما تتراجع القيم القديمة دون أن تظهر أهداف جديدة تمنح الشخص سببا واضحا للحركة

الفراغ الوجودي يمكن أن يدفع الإنسان إلى محاولة تعويض غياب المعنى بالانشغال المفرط أو السعي وراء المتعة أو السلطة أو المال لكن هذه الأشياء قد تمنح إحساسا مؤقتا بالامتلاء دون أن تجيب عن السؤال الأعمق لماذا أفعل كل هذا

هنا تصبح الحرية مرتبطة بالمسؤولية فالإنسان ليس حرا فقط في اختيار ما يريد بل مسؤول أيضا عن الطريقة التي يستجيب بها لما تضعه الحياة أمامه ولذلك يرى فرانكل أن السؤال ليس دائما ماذا أتوقع من الحياة وإنما ماذا تتوقع الحياة مني في هذه اللحظة

هذا التحول في السؤال يغير طريقة النظر إلى الأزمات فبدلا من انتظار إجابة عامة عن معنى الحياة يبدأ الإنسان بالنظر إلى مسؤوليته الحالية ربما يحتاج شخص ما إلى رعاية أسرته وربما يحتاج آخر إلى إنهاء عمل مهم وربما يحتاج ثالث إلى الصمود حتى تمر مرحلة قاسية وكل موقف يحمل سؤالا مختلفا

أحد أكثر جوانب الكتاب تأثيرا أن فرانكل لا يقدم وصفة سحرية للسعادة فهو لا يعد الإنسان بحياة خالية من الألم ولا يقول إن التفكير الإيجابي يستطيع حل كل شيء بل يقدم معنى أكثر واقعية للوجود الإنساني حيث تتجاور الحرية مع القيود والسعادة مع الحزن والأمل مع الخوف

تجربة المعسكرات تجعل أفكاره شديدة القسوة والإنسانية في الوقت نفسه لأنه يتحدث عن معنى الحياة من داخل تجربة كان من السهل جدا أن يبدو فيها كل شيء بلا معنى ومع ذلك لاحظ أن الإنسان يمكن أن يتمسك بذكرى أو هدف أو مسؤولية أو فكرة عن المستقبل ويستخدمها كسبب لمواصلة الحياة

لكن قوة الكتاب لا تكمن فقط في قصة فرانكل الشخصية وإنما في السؤال الذي يتركه أمام القارئ ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان ناجحا لكنه لا يعرف لماذا يعمل ومشغولا لكنه لا يعرف إلى أين يذهب ومحاطا بالناس لكنه يشعر بالوحدة هنا تصبح مشكلة المعنى موجودة حتى في حياة لا تبدو مأساوية من الخارج

العالم الحديث يستطيع أن يمنح الإنسان خيارات كثيرة لكنه لا يمنحه بالضرورة إجابة عن سبب اختيار أحدها ولذلك يمكن أن يصبح امتلاك الحرية نفسها مصدرا للحيرة عندما لا توجد قيمة أو هدف يساعدان الإنسان على تحديد الاتجاه

فرانكل يضع الإنسان أمام مسؤولية صعبة لكنها تمنحه في الوقت نفسه قدرا من القوة فحتى عندما لا يستطيع أن يختار الظروف يستطيع أحيانا أن يختار موقفه منها وحتى عندما لا يستطيع تغيير الماضي يستطيع أن يقرر ما الذي سيفعله باللحظة القادمة

وهكذا يتحول البحث عن المعنى من سؤال فلسفي بعيد إلى ممارسة يومية تبدأ من تفاصيل بسيطة ومن مسؤولية حقيقية ومن علاقة يحبها الإنسان ومن عمل يراه ذا قيمة ومن موقف يرفض فيه أن يسمح للظروف بأن تحدد بالكامل من يكون وربما لا يحتاج الإنسان دائما إلى أن يعرف معنى الحياة كلها حتى يستمر وإنما يحتاج أحيانا إلى أن يعرف معنى الخطوة التالية فقط

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق النص الأصلي محفوظة لمؤلفه وناشره.

البطاقة التعريفية

العنوان: الإنسان في البحث عن المعنى

المؤلف: فيكتور فرانكل

المترجم: طلعت منصور

الناشر: دار القلم

بلد النشر: مصر

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2004

عدد الصفحات: 184

رقم الإيداع: غير متوفر

ISBN: 9789774590010

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *