ثلاثه يسكنون داخلك ويتحكمون في قراراتك

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة وهذه القراءة ليست اختصارًا للكتاب أو بديلًا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالواقع

ماذا يحدث داخل الإنسان عندما يريد شيئا بشدة ثم يسمع صوتا داخليا يخبره أن هذا الشيء غير مقبول ثم يحاول في الوقت نفسه أن يتصرف بطريقة عقلانية تحفظ له صورته أمام نفسه وأمام الآخرين هنا يأخذنا سيغموند فرويد إلى واحد من أكثر تصوراته شهرة عن النفس البشرية حيث لا تبدو الشخصية وحدة متماسكة تتحرك باتجاه واحد وإنما ساحة صراع مستمر بين قوى مختلفة لكل واحدة منها مطالبها ومنطقها وطريقتها في التعامل مع العالم

الهو يمثل الجانب الأكثر بدائية وغريزية من النفس فهو لا ينتظر الوقت المناسب ولا يهتم كثيرا بالقواعد الاجتماعية ولا يحب التأجيل لأنه يبحث عن الإشباع وتحقيق الرغبة ويعمل وفقا لما يسميه فرويد مبدأ اللذة ولذلك يمكن أن تظهر داخله رغبات متناقضة أو اندفاعات قوية لا تتوافق بالضرورة مع الصورة التي يحب الإنسان أن يقدمها عن نفسه

الأنا يظهر في منطقة مختلفة تماما لأنه مطالب بالتعامل مع الواقع فالإنسان لا يستطيع أن ينفذ كل رغبة بمجرد ظهورها ولا يمكنه أن يعيش وفقا لكل اندفاع داخلي ولذلك يعمل الأنا كوسيط يحاول إيجاد طريقة تسمح بتحقيق بعض الرغبات دون الاصطدام بالواقع أو القواعد أو العواقب ويعمل هنا وفقا لمبدأ الواقع الذي يجعل الانتظار والتأجيل والحساب جزءا من عملية اتخاذ القرار

الأنا الأعلى يمثل قوة أخرى تتشكل من القيم والمعايير والممنوعات التي يكتسبها الإنسان خلال نموه ويتحول جزء من هذه القواعد إلى صوت داخلي يراقب السلوك ويصدر الأحكام ويخلق الإحساس بالذنب عندما يشعر الإنسان أنه تجاوز ما يعتبره صحيحا وهكذا يصبح الإنسان محاصرا بين رغبة تريد الإشباع وواقع يفرض القيود وسلطة داخلية تريد منه الالتزام بما تعتبره أخلاقيا

الصراع بين هذه القوى لا يعني أن الإنسان يعيش دائما حالة فوضى وإنما يعني أن السلوك الإنساني أكثر تعقيدا مما يبدو من الخارج فقد يتخذ شخص قرارا بسيطا بينما تدور داخله مفاوضات طويلة بين ما يريده وما يستطيع فعله وما يعتقد أنه ينبغي عليه فعله وقد لا يكون واعيا بكل هذه العمليات التي تؤثر في قراره

الأنا يجد نفسه أمام مهمة صعبة لأنه لا يواجه الهو وحده وإنما يتعامل أيضا مع مطالب الأنا الأعلى وضغط الواقع ولذلك تصبح قوته مرتبطة بقدرته على تحقيق نوع من التوازن وإذا أصبح اندفاع الهو أقوى من قدرة الأنا على السيطرة فقد تظهر سلوكيات متهورة وإذا أصبح الأنا الأعلى قاسيا بشكل مفرط فقد يعيش الإنسان تحت ضغط الذنب واللوم والخوف من الخطأ

فرويد لا يجعل الوعي مساويا لكل ما يحدث في النفس فجزء كبير من العمليات النفسية يحدث خارج نطاق الوعي وقد يتصرف الإنسان بطريقة ثم يقدم لنفسه تفسيرا منطقيا بينما توجد دوافع أخرى لم تظهر له بوضوح وهذه الفكرة كانت من أكثر الأفكار التي جعلت التحليل النفسي مختلفا عن التصورات التي تنظر إلى الإنسان باعتباره يعرف دوافعه بالكامل

الأنا نفسه ليس كيانا مستقلا تماما لأنه يتشكل تدريجيا من علاقة الإنسان بجسده وبالعالم وبخبراته ولذلك فإن الصورة التي يحملها الشخص عن نفسه ليست ثابتة منذ البداية بل تتطور مع الوقت وتصبح قادرة على التمييز بين ما يحدث داخله وما يفرضه الواقع الخارجي

علاقة الأنا بالهو تكشف أيضا مشكلة الرغبة فالرغبة لا تختفي دائما عندما يمنع الإنسان نفسه من تحقيقها وقد تجد طريقا آخر للتعبير عن نفسها ولذلك ترتبط أفكار فرويد بالكبت والدفاعات النفسية التي يستخدمها الإنسان لحماية نفسه من أفكار أو مشاعر يصعب عليه قبولها بصورة مباشرة

الأنا الأعلى بدوره لا يظهر فجأة وإنما يرتبط بعملية داخلية طويلة يستوعب خلالها الإنسان القواعد والتوقعات التي تربى عليها ثم تتحول بعض هذه القواعد إلى سلطة داخلية تعمل حتى عندما لا يكون هناك شخص آخر يراقبه ولهذا يستطيع الإنسان أن يشعر بالذنب وهو وحيد تماما لأن المراقبة أصبحت جزءا من عالمه النفسي

الفكرة تصبح أكثر وضوحا عندما نتخيل الإنسان أمام اختيار أخلاقي صعب فقد يرغب في الحصول على شيء يرفضه ضميره بينما يعرف في الوقت نفسه أن الواقع لن يسمح له بتحقيقه بسهولة في هذه اللحظة يعمل الأنا على إدارة الصراع ومحاولة الوصول إلى حل يمكن احتماله وقد يكون الحل أحيانا التنازل أو التأجيل أو إعادة تفسير الرغبة أو إيجاد طريق مقبول لتحقيق جزء منها

النموذج الذي يقدمه فرويد لا يصف ثلاثة أشخاص يعيشون داخل عقل واحد وإنما يقدم طريقة لفهم القوى المختلفة التي تشارك في تشكيل الحياة النفسية ولذلك لا يمكن اختزال الهو في الشر أو الأنا الأعلى في الخير فكل قوة لها وظيفة وكل واحدة يمكن أن تصبح مصدر مشكلة عندما تفقد التوازن مع بقية مكونات الشخصية

تظهر أهمية الأنا خصوصا في قدرته على التعامل مع الواقع وتحمل التوتر فالحياة لا تقدم للإنسان كل ما يريد ولا تسمح له دائما بأن يعرف ما يجب أن يفعله لذلك يحتاج إلى قدرة نفسية على الانتظار والتفاوض وتحمل الإحباط وإعادة تنظيم الرغبات وهذه القدرة تصبح جزءا أساسيا من النضج النفسي

الإنسان الذي ينجح في إدارة صراعاته الداخلية ليس بالضرورة إنسانا خاليا من الرغبات أو الخوف أو الشعور بالذنب وإنما شخص يستطيع التعامل مع هذه القوى دون أن تسيطر عليه بالكامل وهنا تصبح الصحة النفسية أقرب إلى إدارة الصراع منها إلى اختفائه

أهمية الأنا والهو لا تتوقف عند المصطلحات الثلاثة الشهيرة لأن الكتاب يفتح سؤالا أكبر عن معنى أن يكون الإنسان هو نفسه فإذا كانت هناك رغبات لا يعترف بها وقواعد داخلية لا يختارها بالكامل وآليات نفسية تعمل دون وعي كامل فإلى أي درجة نستطيع القول إن قراراتنا نابعة من إرادة واعية خالصة

هذه الفكرة جعلت تصور فرويد للنفس البشرية مؤثرا ومثيرا للجدل في الوقت نفسه فقد قدم الإنسان باعتباره كائنا يعيش على أكثر من مستوى ولا تتحكم فيه الأفكار الواعية وحدها وإنما تتداخل داخله الرغبة والذاكرة والضمير والواقع والخوف من العقاب والحاجة إلى القبول

قد يبدو الإنسان من الخارج هادئا وهو في الداخل يخوض معركة كاملة وقد يظن أنه اتخذ قرارا بسيطا بينما يكون القرار نتيجة تسوية طويلة بين أصوات متعددة بعضها واضح وبعضها لا يعرف صاحبه بوجوده أصلا وربما تكمن قوة الفكرة الفرويدية هنا في أنها تجعل الإنسان أقل ثقة في بساطة نفسه وأكثر استعدادا للنظر إلى دوافعه باعتبارها شيئا يستحق الفحص

النقد الذي تعرضت له أفكار فرويد لاحقا لا يلغي أثرها التاريخي فالكتاب ساهم في ترسيخ نموذج ينظر إلى الشخصية باعتبارها منظومة ديناميكية تتفاعل داخلها قوى مختلفة وأصبح الأنا والهو والأنا الأعلى من أكثر المفاهيم ارتباطا بالتحليل النفسي في الثقافة العامة

الإنسان في هذا التصور لا يصبح حرا عندما يتخلص من كل القيود لأن ذلك مستحيل وإنما عندما يستطيع أن يفهم الصراعات التي تتحرك داخله بدرجة أكبر فمعرفة الرغبة لا تعني تنفيذها ومعرفة الشعور بالذنب لا تعني الخضوع له ومعرفة الخوف لا تعني السماح له بقيادة الحياة

وهنا تتحول رحلة فرويد من سؤال عن مكونات النفس إلى سؤال أكثر إزعاجا عن الإنسان نفسه كم قرارا نتخذه لأننا نريده فعلا وكم قرارا نتخذه لأن جزءا غريزيا يدفعنا إليه أو لأن صوتا داخليا يخبرنا أنه الصواب أو لأن الواقع لا يسمح لنا بخيار آخر وربما لا يكون الإنسان مجرد صوت واحد يبحث عن إجابة وإنما مجموعة أصوات تتفاوض طوال الوقت حتى يظهر القرار في صورته النهائية

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق النص الأصلي محفوظة لمؤلفه وناشره.

البطاقة التعريفية

العنوان: الأنا والهو

المؤلف: سيغموند فرويد

المترجم: محمد عثمان نجاتي

الناشر: دار الشروق

بلد النشر: مصر

الطبعة: الخامسة

سنة النشر: 1988

عدد الصفحات: 106

رقم الإيداع: غير متوفر في المصدر الموثق

ISBN: 9789771482345

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *