تفسير الاحلام

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة وهذه القراءة ليست اختصارًا للكتاب أو بديلًا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالواقع

هناك أشياء كثيرة يفعلها الإنسان وهو مستيقظ ثم يستطيع أن ينساها وهناك أشياء أخرى تحدث له وهو نائم ثم يستيقظ وهو يشعر أنها كانت مجرد صور عابرة لا تستحق التفكير لكن سيغموند فرويد قرر أن ينظر إلى الحلم بطريقة مختلفة تماما وكأن النوم لا يغلسق أبواب العقل بل يفتح بابا سريا يسمح للرغبات والأفكار والذكريات التي جرى كبتها طوال اليوم بأن تجد طريقا للظهور

فرويد لم يتعامل مع الحلم باعتباره نبوءة أو رالة غيبية وإنما حاول أن يقرأه باعتباره لغة نفسية لها قواعدها الخاصة فالإنسان حين يحلم لا يعبر دائما عن رغبته بصورة مباشرة لأن الرقابة النفسية تمنع بعض الرغبات من الوصول إلى الوعي ولذلك تتحول الرغبة إلى صور ورموز ومواقف غريبة تبدو أحيانا بلا معنى بينما تحمل في داخلها معنى أكثر ارتباطا بحياة صاحب الحلم مما يتخيل

الفكرة الأساسية التي يبني عليها فرويد تحليله أن الحلم يمثل تحقيقا مقنعا لرغبة ما وهذه الرغبة قد تكون واضحة وقد تكون بعيدة عن الوعي وقد ترتبط بذكريات الطفولة أو بصراعات نفسية لم تنته ولذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس ماذا رأيت في الحلم وإنما لماذا ظهر هذا الشيء بهذه الصورة تحديدا ولماذا اختار العقل هذه الشخصية أو ذلك المكان أو ذلك الحدث

الحلم عند فرويد لا يصل إلى الوعي بصورته الأصلية فهناك عملية تحول تجعل المادة النفسية المعقدة تظهر في صورة حلم يمكن للعقل النائم أن يقبله ويستوعبه وهذه العملية تفسر غرابة الأحلام وتداخل أحداثها واختلاط الأشخاص والأماكن فيها فقد يظهر شخص تعرفه بملامح شخص آخر وقد تنتقل من مكان إلى آخر دون منطق واضح وقد يحدث شيء مستحيل ثم تتعامل معه داخل الحلم وكأنه أمر طبيعي

ذلك التحول يجعل تفسير الحلم أشبه بفك شفرة فالصور الظاهرة ليست دائما هي المعنى النهائي ولذلك يميز فرويد بين المحتوى الظاهر للحلم وبين الأفكار الكامنة وراءه والمهمة تصبح محاولة الانتقال من الصورة التي يتذكرها الإنسان بعد الاستيقاظ إلى شبكة الأفكار والذكريات والرغبات التي ساهمت في تكوينها

الطريق الذي يقترحه فرويد يعتمد بدرجة كبيرة على التداعي الحر فبدلا من أن يفرض المفسر معنى جاهزا على رمز معين يطلب من الشخص أن يقول كل ما يخطر في ذهنه عندما يتذكر جزءا من حلمه لأن كلمة صغيرة أو صورة عابرة قد تقود إلى ذكرى أو رغبة أو صراع لا يبدو مرتبطا بالحلم في البداية لكن العلاقة تظهر تدريجيا

هذا الأسلوب يغير شكل العلاقة بين الإنسان وأحلامه فالإنسان لم يعد مجرد متفرج على صور غريبة أثناء النوم وإنما أصبح قادرا على البحث خلفها عن تاريخ نفسي كامل وقد تتحول التفاصيل التي تبدو تافهة إلى مفاتيح مهمة لأن العقل لا يصنع الحلم باعتباره قصة أدبية مرتبة وإنما يعيد تركيب مواد نفسية مختلفة وفقا لآليات معقدة

فرويد يولي الطفولة أهمية كبيرة لأن الحياة النفسية لا تبدأ عندما يصبح الإنسان قادرا على تفسير نفسه بل تتشكل جذورها في سنوات مبكرة من عمره ولذلك يمكن لبعض الرغبات والصراعات القديمة أن تستمر بأشكال مختلفة بعد سنوات طويلة وقد تظهر أثناء النوم بعدما فشلت في الوصول إلى الوعي بصورة مباشرة

هنا يظهر ارتباط الكتاب بفكرة الكبت فالعقل لا يسمح لكل الرغبات بأن تظهر كما هي لأن الإنسان يعيش وسط قواعد اجتماعية وأخلاقية وعائلية تجعل بعض الدوافع غير مقبولة بالنسبة إليه ولذلك لا تختفي الرغبة بالضرورة لمجرد أن الإنسان رفضها وإنما قد تبحث عن طريق آخر للظهور والحلم واحد من هذه الطرق

لكن الحلم لا يعمل وحده فهناك ما يسميه فرويد عمل الحلم وهي مجموعة التحولات التي تجعل الأفكار الكامنة تتحول إلى صور ظاهرة وتشمل هذه التحولات التكثيف والإزاحة وغيرها من الآليات التي تسمح لعناصر متعددة بالاندماج في صورة واحدة أو تجعل الانفعال المرتبط بفكرة ما ينتقل إلى فكرة أخرى تبدو أقل أهمية

هذه النقطة تحديدا تجعل الأحلام أكثر إثارة لأن الشخص الذي يظهر في الحلم قد لا يمثل نفسه فقط وقد يكون موقف بسيط في الظاهر حاملا لكمية كبيرة من المشاعر المرتبطة بأشخاص أو أحداث أخرى وهكذا تصبح غرابة الحلم جزءا من منطقه الداخلي وليس دليلا على أنه بلا معنى

اعتمد فرويد أيضا على تحليل أحلامه الخاصة في محاولة لفهم آليات النفس من الداخل وهو ما جعل الكتاب يتجاوز حدود تقديم نظرية عامة عن الأحلام ليصبح رحلة داخل التجربة الإنسانية نفسها ومن خلال هذا المسار ارتبطت أفكاره بمسائل الطفولة والرغبات والصراعات النفسية وعقدة أوديب التي أصبحت لاحقا واحدة من أكثر أفكاره إثارة للجدل

قيمة الكتاب التاريخية لا تأتي من كون كل تفسير قدمه فرويد أصبح مقبولا في علم النفس الحديث بل من الجرأة التي حملها المشروع نفسه فقد نقل الحلم من مساحة الأساطير والتنبؤات إلى مساحة البحث في الحياة النفسية وحاول أن يجعل السؤال عن الحلم سؤالا عن الإنسان ذاته وعن الأشياء التي لا يعرفها الإنسان عن نفسه رغم أنها تتحرك داخله

الكتاب يفتح كذلك بابا أوسع لفهم اللاشعور باعتباره قوة مؤثرة في السلوك وليس مجرد مخزن للأفكار المنسية فالإنسان قد يعتقد أنه يعرف أسباب أفعاله بينما توجد دوافع أخرى تعمل في الخلفية وقد لا تكون هذه الدوافع واضحة إلا عندما تظهر بصورة غير مباشرة في الأحلام أو زلات اللسان أو الأعراض النفسية

ورغم أن كثيرا من تفاصيل نظرية فرويد خضعت للنقد والمراجعة فإن الأثر الذي تركه هذا الكتاب ظل ضخما لأنه غير طريقة التفكير في العلاقة بين النوم والوعي والرغبة والذاكرة وجعل الحلم مادة يمكن البحث فيها بدل الاكتفاء باعتباره حادثا غريبا يحدث أثناء النوم

أخطر ما يتركه الكتاب لدى القارئ ليس قائمة جاهزة لتفسير الرموز وإنما فكرة أكثر إزعاجا وإثارة الإنسان قد لا يكون شفافا أمام نفسه كما يتخيل وقد تحمل بعض الصور التي يراها أثناء نومه آثارا من رغبات وذكريات وصراعات لم يمنحها وعيا كاملا طوال حياته

وهكذا يصبح الحلم عند فرويد مرآة غير عادية لا تعرض الإنسان كما يحب أن يرى نفسه وإنما تعرض شيئا من المناطق التي لا يصل إليها الضوء بسهولة وربما لهذا السبب ظل تفسير الأحلام حاضرا في تاريخ علم النفس لأن السؤال الذي بدأ منه فرويد ما الذي يحدث داخل الإنسان عندما لا يكون واعيا بما يحدث داخله لا يزال من أكثر الأسئلة التي تلاحق فهمنا للعقل البشري

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق النص الأصلي محفوظة لمؤلفه وناشره.

البطاقة التعريفية

العنوان: تفسير الأحلام

المؤلف: سيغموند فرويد

المترجم: مصطفى صفوان

المراجع: مصطفى زيور

الناشر: دار المعارف

بلد النشر: مصر

الطبعة: السادسة

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 674

رقم الإيداع: 2018/13142

ISBN: 9789770287477

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *