في الأوطان الكبرى، لا تُقاس قيمة الرجال بحجم حضورهم الشخصي، ولا بعدد الأضواء التي تحيط بهم، وإنما بما يقدمونه لوطنهم حين تتراجع الأنا، ويتقدم الوطن.
ومصر، بتاريخها وحضارتها وثقلها، أكبر من أن تختزل في شخص أو جماعة أو تيار أو مؤسسة، هي وطن يتسع للجميع، ويستحق من أبنائه أن يضعوا مصلحته فوق مصالحهم، وأن يدركوا أن الاختلاف في الرؤى لا ينبغي أن يتحول إلى صراع على النفوذ أو المكانة.
مصر ليست ساحةً يتنافس فيها الأشخاص على مجدٍ عابر، ولا مساحةً تتصارع فوقها الأهواء والحسابات الضيقة، وإنما هي وطنٌ أكبر من الجميع، وأقدم من طموحات الأفراد، وأبقى من المناصب والمواقع والأسماء.
مصر التي حملت على عاتقها تاريخًا ممتدًا عبر آلاف السنين، واحتضنت أجيالًا متعاقبة من أبنائها، لا يمكن أن تكون يومًا رهينةً لأهواء فرد أو طموح جماعة أو رغبة في الظهور.
وتبدأ مسؤوليتنا الحقيقية تجاه هذا الوطن؛ من قدرتنا على أن نضع مصر في الموضع الذي يليق بها، فوق ذواتنا، وفوق حساباتنا الخاصة، وفوق رغبتنا في أن ننسب كل نجاح إلى أنفسنا. فحين يتعلق الأمر بالوطن، تصبح الأنا عبئًا، ويصبح التجرد فضيلة، ويصبح الإخلاص للمصلحة العامة أسمى من أي مكسب شخصي أو انتصار عابر.
التجرد من أجل مصر لا يعني أن يتخلى الإنسان عن طموحه أو أن يتنازل عن حقه في النجاح، وإنما يعني أن يسمو بطموحه فوق ذاته، وأن يجعل نجاحه جزءًا من نجاح وطنه، لا أن يجعل الوطن جسرًا يعبر من خلاله إلى مجده الشخصي.
الإنسان الذي يعمل من أجل مصر بصدق لا يشغله كثيرًا أن يُذكر اسمه في مقدمة المشهد، ولا أن تُسلط عليه الأضواء، لأنه يدرك أن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى صاحبٍ يتصدر الصورة، وأن أعظم الأعمال قد يصنعها أناسٌ لا يعرفهم أحد، لكن آثارهم تبقى حاضرة في حياة الناس وفي مسيرة الوطن.
وحين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الوعي، يصبح قادرًا على أن يدعم الفكرة الجيدة حتى لو لم تكن فكرته، وأن يساند الناجح حتى لو لم يكن من فريقه، وأن يفرح بإنجاز تحقق لمصر حتى لو لم يُنسب إليه، تلك ليست هزيمة للذات، بل انتصار حقيقي عليها، وتلك هي الوطنية حين تتحول من كلمة تُقال إلى سلوك وموقف ومسؤولية.
الوطن لا يحتاج إلى أفرادٍ يريد كل واحد منهم أن يكون صاحب الفضل الأوحد، وإنما يحتاج إلى منظومة من العمل المتكامل، يدرك فيها كل إنسان أن البناء لا يتم بحجرٍ واحد، وأن النهضة لا يصنعها صوتٌ منفرد، وأن الطريق إلى المستقبل يحتاج إلى تكاتف العقول والجهود والخبرات. فكم من فكرة عظيمة أُجهضت لأن صاحبها أراد أن ينسبها إلى نفسه وحده، وكم من نجاحٍ تعطل لأن البعض انشغل بمن سيحصل على التصفيق بدلًا من أن ينشغل بما يمكن أن يتحقق على الأرض.
مصر في هذه المرحلة لا تحتاج إلى معارك حول من يقف في الصف الأول، بقدر ما تحتاج إلى أن يتقدم الصف كله إلى الأمام، ولا تحتاج إلى من يسأل: من سيحصد المجد؟ بقدر ما تحتاج إلى من يسأل: كيف نحقق الإنجاز؟ فالمجد الحقيقي ليس أن يُقال إن فلانًا فعل، وإنما أن يُقال إن مصر نجحت، وإن أبناءها استطاعوا أن يحولوا التحديات إلى فرص، والطموحات إلى واقع، والأفكار إلى إنجازات.
الاختلاف في الرأي سيظل أمرًا طبيعيًا في أي مجتمع حي، بل قد يكون الاختلاف أحد أبواب التطور إذا كان هدفه الوصول إلى الأفضل. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف من وسيلة للبناء إلى وسيلة للخصومة، ومن نقاش حول الأفكار إلى صراع حول الأشخاص. عندها تتقدم الأنا خطوة إلى الأمام، ويتراجع الوطن خطوات إلى الخلف.
لا بأس أن نختلف، ولا بأس أن ننتقد، ولا بأس أن نراجع ونصحح، لكن المهم أن يظل الوطن حاضرًا في ضمير كل طرف، وأن يكون الهدف من الاختلاف هو الوصول إلى ما يخدم مصر، لا إثبات أنني كنت على حق وأن الآخر كان مخطئًا، فليس أعظم انتصار أن تنتصر على خصمك، وإنما أعظم انتصار أن تنتصر الفكرة التي تخدم الوطن، حتى لو كان صاحبها شخصًا اختلفت معه بالأمس.
المناصب مهما علت لا تدوم، والأضواء مهما سطعت تخفت، والوجوه مهما حضرت في المشهد يأتي يوم تتوارى فيه عن الصورة، لكن الوطن يبقى، تلك حقيقة بسيطة ينبغي ألا تغيب عن أحد.
ما قيمة أن ينتصر الإنسان في معركة شخصية ويخسر في المقابل فرصةً كان يمكن أن تخدم بلده؟ وما قيمة أن يحصد تصفيقًا مؤقتًا إذا كان الثمن تعطيل عمل أو إقصاء كفاءة أو إهدار فرصة؟ التاريخ لا يتذكر الأشخاص فقط بما قالوه عن أنفسهم، وإنما بما تركوه وراءهم من أثر.
والأجيال القادمة لن تسأل كثيرًا من كان صاحب الصوت الأعلى، لكنها ستنظر إلى ما تركناه لها، وستحكم علينا من خلال ما صنعناه وما أنجزناه وما حافظنا عليه، ولذلك فإن المسؤولية الوطنية الحقيقية تقتضي أن نفكر في مصر بعقل الأجيال، لا بعقل اللحظة، وأن نسأل أنفسنا دائمًا: ماذا نريد أن نترك لمن يأتي بعدنا؟
مصر تحتاج اليوم إلى ثقافة «نحن» بدلًا من ثقافة «أنا»، وإلى أن يتحول النجاح الفردي إلى طاقة تخدم النجاح الجماعي، وأن يصبح التفوق الشخصي قيمة مضافة إلى الوطن لا وسيلة للانفصال عنه.
تحتاج إلى الإنسان الذي يملك القدرة على الاعتراف بفضل غيره، واحترام الكفاءة مهما كان صاحبها، ومساندة المجتهد، والوقوف إلى جوار الناجح، والاعتراف بالخطأ حين يستوجب الأمر ذلك، تحتاج إلى من يعرف أن قوة الدولة لا تقوم فقط على المؤسسات والقوانين والمشروعات، وإنما تقوم كذلك على أخلاق أبنائها، وعلى قدرتهم على العمل معًا، وعلى استعدادهم للتنازل عن بعض رغباتهم الشخصية عندما تتعارض مع المصلحة العامة. وكلما ارتفع وعي الإنسان بأن الوطن هو المظلة التي تحمي الجميع، أصبح أكثر حرصًا على ألا يجعل خلافاته الشخصية سببًا في إضعاف هذه المظلة.
الطموح ليس عيبًا، بل هو وقود التقدم، والرغبة في النجاح ليست خطيئة، وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول الطموح من وسيلة لتحقيق الخير إلى غاية لا ترى إلا صاحبها. أجمل طموح هو ذلك الذي يضع صاحبه نفسه في خدمة فكرة أكبر منه، ويجعل نجاحه الشخصي طريقًا لنجاح الآخرين، فمن أراد أن يترك اسمه في ذاكرة الوطن، فليترك وراءه عملًا نافعًا، ومن أراد أن يصنع لنفسه مكانة، فليصنع قبل ذلك أثرًا، ومن أراد أن يكون في مقدمة الصف، فليكن أول الواقفين في ميدان المسؤولية والعمل، عندها فقط يصبح الطموح شريفًا، ويصبح النجاح مستحقًا، ويصبح حضور الإنسان في المشهد انعكاسًا لما قدمه لا لما طالب به.
مصر أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعظم من أي خلاف عابر، هي وطنٌ لا يملكه جيل واحد، وإنما تتعاقب عليه الأجيال، وكل جيل مؤتمن على أن يسلمه لمن بعده أكثر قوة واستقرارًا وقدرة على صناعة المستقبل، ويجوز أن ننظر إلى مصر باعتبارها مساحة لتحقيق الطموحات الفردية، بل باعتبارها أمانةً تستحق منا أن نرتفع إلى مستوى عظمتها.
وعندما نضع هذه الحقيقة في قلوبنا، يصبح الاختلاف أكثر نضجًا، والعمل أكثر إخلاصًا، والطموح أكثر شرفًا، والنجاح أكثر قيمة. عندها لن يكون السؤال: من سبق؟ ومن ظهر؟ ومن حصد الأضواء؟ وإنما سيكون السؤال الأهم: ماذا أضفنا إلى مصر؟
لا مجال للأنا أمام الوطن؛ لأن الوطن أكبر من أن يكون تابعًا لرغبة فرد، وأعظم من أن يصبح ساحةً لإثبات الذات. لا مجال لأن ينتصر الشخص وتخسر مصر، ولا لأن نتمسك بمكاسب صغيرة ونضيع من أجلها فرصًا أكبر.
الانتصار الحقيقي أن تنتصر مصر، وأن نختلف دون أن ننقسم، وأن نتنافس دون أن نتناحر، وأن ننجح دون أن نحتكر النجاح، وأن نترك خلفنا أثرًا يظل شاهدًا على أننا كنا ذات يوم جزءًا من مسيرة هذا الوطن.
وعندما تصبح مصر هي الغاية، تتراجع الأسماء إلى مكانها الطبيعي، وتصبح المناصب أدواتٍ للخدمة لا غاياتٍ للسيطرة، ويصبح العمل الوطني فعلًا منزهًا عن الحسابات الضيقة.
ستبقى مصر، وستتغير الوجوه والمواقع والأجيال، وستبقى الراية أعلى من كل اسم، والوطن أكبر من كل طموح شخصي، ولا ينبغي أن نسأل دائمًا: ماذا سأحصل من مصر؟ بل علينا أن نطرح السؤال الذي يكشف حقيقة الانتماء: ماذا سأقدم لمصر؟ وبين السؤالين مسافةٌ كبيرة، هي المسافة بين من يرى الوطن وسيلة، ومن يراه غاية، بين من يبحث عن ذاته، ومن يبحث عن مستقبل بلده، وبين من يريد أن يكتب اسمه على صفحة عابرة، ومن يريد أن يكتب في سجل الوطن أثرًا يبقى.







