مصر التي نريدها ليست فقط مصر التي تتقدم في المشروعات، أو تتوسع في المدن، أو تبني طرقًا ومصانع ومؤسسات جديدة، رغم أهمية كل ذلك.
مصر التي نحلم بها قبل كل شيء هي، مصر التي يعرف أبناؤها قيمة بعضهم البعض، ويؤمنون أن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد بمفرده، وإنما تصنعه مجموعة من البشر اختاروا أن يعملوا معًا، وأن يضعوا مصلحة المكان الذي ينتمون إليه فوق مصالحهم الشخصية.
نحن في حاجة اليوم إلى أن نتجرد قليلًا من «الأنا»، أن نخفف من فكرة «أنا فعلت»، و«أنا صاحب الفضل»، و«أنا الأحق»، وأن نستبدل بها «نحن فعلنا»، و«نحن نجحنا»، و«نحن نكمل بعضنا»، فالوطن لا يُبنى بعقلية الشخص الواحد، ولا يستمر بالبحث الدائم عن من يحصل على التصفيق، وإنما بالناس الذين يعملون في هدوء، ويعرف كل واحد منهم أن دوره مهما كان صغيرًا هو جزء من صورة أكبر.
المشكلة ليست في أن ينجح الإنسان، بالعكس، النجاح حق مشروع وطموح جميل، المشكلة تبدأ عندما يصبح نجاحنا مرتبطًا بتراجع الآخرين، وعندما يتحول الزميل إلى منافس يجب أن نخاف منه، والصديق إلى شخص نترقب خطأه، والأخ إلى شخص نحسب ما لديه وما لدينا، مصر التي نريدها هي التي نفرح فيها بنجاح بعضنا البعض.
أن ينجح أخوك فتكون سعيدًا له، لا أن تسأل: «وماذا عني؟»، أن ينجح صديقك فتدعمه، لا أن تبحث عن سبب تقلل به من نجاحه، أن يتقدم زميلك في العمل، فتقول له «مبروك»، وتساعده إذا احتاج، وأنت واثق أن نجاحه لا ينتقص منك، بل يضيف إلى الفريق الذي تعملان داخله.
لسنا مطالبين بأن نكسب كل مرة، ولا أن نكون دائمًا في المقدمة، ولا أن نحصل على كل التقدير، أحيانًا يكون أعظم نجاح يمكن أن نحققه هو أن نساعد شخصًا آخر على النجاح، ثم نعود إلى مكاننا دون انتظار كلمة شكر.
وهنا يأتي معنى «إنكار الذات»، إنكار الذات لا يعني أن يلغي الإنسان نفسه أو يتنازل عن حقوقه، ولكنه يعني أن يعرف متى يتقدم ومتى يفسح الطريق، ومتى يتحدث ومتى يستمع، ومتى ينسب النجاح لنفسه ومتى يقول بكل صدق: «النجاح ده كان بتوفيق ربنا وبمجهود كل الناس اللي اشتغلت معايا».نحن في حاجة إلى روح الفريق.
في البيت، وفي الشغل، وفي الشارع، وفي كل مؤسسة، محتاجين نرجع نفتكر أن الكلمة الطيبة مش ضعف، وأن التشجيع مش مجاملة، وأن مساندة الآخرين مش خسارة.
الحب هنا مش مجرد كلمة جميلة، لكنه سلوك، أن تحترم زميلك، وأن تراعي ظروفه، وأن تساعده عندما يحتاج إليك. أن تحب المكان الذي تعمل فيه، فتخلص له، وتحافظ عليه، وتحرص على نجاحه حتى لو لم يكن اسمك هو الموجود في الصورة.
وما أجمل أن يشعر الإنسان أن من حوله يتمنون له الخير بصدق، أن يدخل مكان عمله وهو مطمئن، لا يخشى من زميل يتمنى سقوطه، ولا من شخص ينتظر خطأه، ولا من منافسة تحولت إلى خصومة. أن يكون الاختلاف طبيعيًا، والمنافسة شريفة، والنجاح مشتركًا.
مصر لا تحتاج إلى أن نتشابه، لكنها تحتاج إلى أن نتفق على شيء أكبر من اختلافاتنا:، لو نجح فريق، فهذا نجاح للجميع، ولو تعثر أحد، فالأصل أن نمد له أيدينا، لا أن ندفعه أكثر إلى الخلف.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم من جديد معنى الأخ لأخيه، والصديق لصديقه، والزميل لزميله، أن نعرف أن الدنيا لا تستحق كل هذا القلق، ولا كل هذا الصراع، ولا كل هذه الحساسية تجاه نجاح الآخرين.
في النهاية، لا أحد يأخذ كل شيء، لكن الإنسان يترك وراءه أثرًا: كلمة طيبة، موقفًا محترمًا، شخصًا ساعده، أو فريقًا كان سببًا في نجاحه.
هذه هي مصر التي نتمناها، مصر التي يكون فيها «نحن» أكبر من «أنا»، والحب أقوى من المنافسة، والعمل الجماعي أقوى من الفردية، والنجاح قيمة نحتفل بها جميعًا، لا معركة يحاول كل طرف أن ينتصر فيها على الآخر.
مصر التي نريدها ليست حلمًا بعيدًا، تبدأ من أبسط شيء: أن نحب لبعضنا الخير، وأن نعمل بإخلاص، وأن نتجرد من الأنا، وأن نفهم أن كل واحد منا له دور.
مصر تجمعنا.. ومصر تستحق أن نعمل من أجلها معًا.







