تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
وفي كتاب «نهاية المتوسط»، يبدأ السؤال من منطقة تبدو مألوفة إلى حد يجعلنا لا نتوقف عندها كثيرًا: لماذا نقيس الناس دائمًا مقارنة بالآخرين؟ لماذا نبحث عن الطالب المتوسط، والموظف المتوسط، والشخصية المتوسطة، والقدرة المتوسطة؟ ولماذا أصبح الابتعاد عن المتوسط يبدو وكأنه خروج عن القاعدة؟
قد يبدو المتوسط في البداية مفهومًا رياضيًا محايدًا، لكنه في الحياة اليومية تحول إلى شيء أكبر بكثير؛ أصبح وسيلة للحكم على الأشخاص، وتصنيفهم، وترتيبهم، وتحديد ما إذا كانوا ناجحين أو فاشلين، موهوبين أو عاديين، مناسبين أو غير مناسبين.
هنا يدخل تود روز في مواجهة مع واحدة من أكثر الأفكار رسوخًا في المؤسسات الحديثة: فكرة أن الإنسان يمكن فهمه من خلال مقارنته بنموذج متوسط.
الكتاب لا يقول إن المتوسط عديم القيمة، ولا يدعو إلى التخلي عن القياس، لكنه يطرح سؤالًا أكثر دقة: ماذا يحدث عندما نستخدم أداة صُممت لفهم المجموعات من أجل الحكم على الأفراد؟
ومن هذا السؤال تبدأ رحلة الكتاب من الإحصاء والتاريخ إلى علم النفس والتعليم والعمل، وصولًا إلى تصور مختلف للإنسان والمؤسسات.
ماذا يريد الكاتب؟
يريد تود روز أن يعيد النظر في الطريقة التي نفكر بها في الإنسان.
فالمؤسسات الحديثة، في رأيه، بنيت إلى حد كبير حول فكرة «المتوسط». المدرسة تفترض وجود طالب نموذجي، والشركة تبحث عن موظف نموذجي، واختبارات الشخصية تحاول تحديد سمات ثابتة للأفراد، وأنظمة التقييم تضع الأشخاص على سلالم للمقارنة. لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك. لا توجد شخصية بشرية يمكن اختزالها في مجموعة من الأرقام، ولا توجد موهبة تسير في خط مستقيم، ولا يوجد طريق واحد للوصول إلى النجاح.
ومن هنا يريد الكاتب نقل مركز الاهتمام من المتوسط إلى الفرد، ومن سؤال «كيف يقارن هذا الشخص بغيره؟» إلى سؤال «ما الذي يجعل هذا الشخص مختلفًا؟ وفي أي ظروف يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه؟». فالفكرة الأساسية في الكتاب ليست تمجيد الاختلاف لمجرد الاختلاف، وإنما إعادة تصميم الأنظمة بحيث تستوعب الاختلافات الإنسانية بدلًا من أن تحاول محوها.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كُتب الكتاب في مواجهة تاريخ طويل من الاعتماد على المتوسط في فهم الإنسان. يرى روز أن نقطة التحول الأساسية حدثت عندما انتقلت فكرة «المتوسط» من مجال القياس الإحصائي إلى مجال الحكم على البشر. فقد كان المتوسط في بدايته أداة للتعامل مع البيانات، لكن استخدامه في العلوم الاجتماعية أدى تدريجيًا إلى ظهور تصور عن «الإنسان المتوسط» باعتباره نموذجًا يمكن أن يمثل البشر. ومع تطور المؤسسات الصناعية والتعليمية، أصبح هذا النموذج أكثر حضورًا.
أصبح من الطبيعي أن يكون هناك:
طالب متوسط.
موظف متوسط.
أداء متوسط.
قدرة متوسطة.
ثم أصبح من الممكن مقارنة الجميع بهذه الصورة الافتراضية. لكن المشكلة أن الإنسان الحقيقي لا يتطابق مع هذه الصورة.
ومن هنا جاء الكتاب ليطرح ضرورة الانتقال من نظام يقوم على التشابه والتوحيد إلى نظام يعترف بأن الاختلاف جزء أصيل من الطبيعة الإنسانية. وتزداد أهمية هذه الفكرة في التعليم تحديدًا؛ لأن المدرسة الحديثة ما زالت في كثير من الأحيان تعمل وفق مجموعة من القواعد الموحدة: العمر نفسه تقريبًا، الصف نفسه، المنهج نفسه، وقت الدراسة نفسه، الاختبار نفسه، ومعيار النجاح نفسه.
والسؤال الذي يطرحه الكتاب هو: هل يمكن لنظام بهذه الدرجة من التوحيد أن يستوعب فعلًا الاختلاف الهائل بين المتعلمين؟
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
أولًا: لا يوجد إنسان متوسط
هذه هي الفكرة التي يقوم عليها الكتاب كله.
يمكن أن يكون هناك متوسط إحصائي لمجموعة من الأشخاص، لكن ذلك لا يعني أن هناك شخصًا حقيقيًا يجسد كل خصائص هذا المتوسط.
قد يكون شخص ما متوسطًا في الطول، لكنه مختلف تمامًا في قدراته العقلية، وطريقة تفكيره، وميوله، وخبراته، وشخصيته.
لذلك فإن جمع مجموعة من الخصائص وحساب متوسطها لا ينتج بالضرورة إنسانًا حقيقيًا. وهنا يحذر روز من الخلط بين وصف المجموعة ووصف الفرد.
ثانيًا: المتوسط لا يكشف الإمكانات الحقيقية للفرد
الدرجات والاختبارات والمعدلات يمكن أن تكون مفيدة في قياس أشياء محددة، لكنها تصبح مضللة عندما نتعامل معها باعتبارها صورة كاملة للإنسان. فالطالب الذي يحصل على درجة منخفضة في اختبار معين لا يعني بالضرورة أنه أقل قدرة بصورة عامة.
وقد يكون الشخص الذي لا يتفوق في النظام الأكاديمي التقليدي صاحب قدرات تظهر بصورة أفضل في بيئة مختلفة. المشكلة إذن ليست دائمًا في الشخص الذي لم ينجح، وإنما أحيانًا في المقياس الذي استخدمناه للحكم عليه.
ثالثًا: الموهبة «متعرجة»
يقدم روز ما يسميه «مبدأ التعرج»، وهو أحد المبادئ الثلاثة التي يبني عليها فهمه للفرد. فالإنسان لا يمتلك مستوى واحدًا من القدرة يمكن وضعه على خط مستقيم. قد يكون شديد القوة في جانب، ومتوسطًا في آخر، وضعيفًا في ثالث، ثم تظهر قدراته بصورة مختلفة تمامًا عندما تتغير الظروف. ولهذا فإن محاولة ترتيب البشر في سلم واحد للذكاء أو الموهبة تتجاهل الطبيعة المركبة لقدراتهم.
رابعًا: السياق يصنع فرقًا
المبدأ الثاني هو «مبدأ السياق». نحن نميل إلى وصف الأشخاص بصفات ثابتة: اجتماعي، انطوائي، قيادي، هادئ، مندفع، متعاون. لكن سلوك الإنسان قد يتغير بصورة كبيرة بحسب السياق.
الشخص نفسه قد يكون صامتًا في موقف، ومبادرًا في موقف آخر، وقد يكون شديد التركيز في بيئة، وأقل إنتاجية في بيئة مختلفة. ومن ثم لا يمكن فهم الإنسان بصورة كاملة من خلال صفات مجردة منفصلة عن الظروف التي يظهر فيها سلوكه.
خامسًا: لا يوجد طريق واحد للنجاح المبدأ الثالث هو «مبدأ المسارات». ليس هناك طريق واحد يجب أن يسلكه جميع البشر حتى يصلوا إلى النتيجة نفسها.
قد يتعلم طالب مفهومًا بسرعة، بينما يحتاج زميله إلى وقت أطول، وقد يصل الاثنان في النهاية إلى مستوى الإتقان نفسه.
وقد يصل شخص إلى النجاح المهني من خلال الجامعة، بينما يصل آخر من خلال التدريب، وثالث من خلال الخبرة والممارسة.
اختلاف الطريق لا يعني بالضرورة اختلاف القيمة. وهذه الفكرة تمثل تحديًا مباشرًا للأنظمة التي تربط النجاح بمسار واحد محدد.
التعليم.. الضحية الأكبر لفكرة المتوسط
هنا يصبح الكتاب أكثر أهمية من مجرد كونه عملًا في علم النفس. فإذا كان هناك مكان تظهر فيه مشكلة «الإنسان المتوسط» بوضوح، فهو المدرسة. المدرسة التقليدية تجمع الطلاب وفق العمر، وتضع لهم منهجًا موحدًا، وتحدد زمنًا موحدًا للتعلم، ثم تقدم اختبارًا موحدًا وتقارن النتائج. هذا النظام يتمتع بميزة واضحة: سهولة الإدارة. لكن سهولة الإدارة ليست بالضرورة دليلًا على جودة التعلم. فالطلاب ليسوا متطابقين في السرعة، ولا في الاهتمامات، ولا في الخلفيات، ولا في طرق التفكير، ولا في القدرات.
طالب قد يفهم مفهومًا من خلال التجربة العملية، بينما يحتاج آخر إلى الشرح النظري. طالب قد يتفوق في العمل الجماعي، بينما تظهر قوة آخر في البحث الفردي. وطالب قد يحتاج إلى وقت إضافي، لكنه يصل في النهاية إلى المستوى نفسه.
إذا كان الهدف الحقيقي من التعليم هو التعلم، فإن السؤال يجب ألا يكون: هل تعلم الجميع في الوقت نفسه؟
بل: هل وصل كل متعلم إلى مستوى الإتقان المطلوب؟ وهنا يقدم الكتاب تحولًا مهمًا من التعليم القائم على الوقت إلى التعليم القائم على الإتقان.
مميزات الكتاب:
يمتلك الكتاب مجموعة من نقاط القوة التي تجعله جديرًا بالقراءة. أبرزها أنه لا يقدم أفكاره في صورة نصائح تحفيزية مباشرة، وإنما يبني حجته من خلال التاريخ وعلم النفس والإحصاء والتعليم وتجارب واقعية. كما أن تجربة المؤلف الشخصية تضيف بعدًا إنسانيًا إلى الكتاب؛ فانتقاله من طالب متسرب من المدرسة إلى باحث في مجال التعليم يجعل القضية التي يناقشها مرتبطة بتجربة حياتية حقيقية.
ومن مميزاته أيضًا أنه لا يكتفي بانتقاد نظام المتوسط، وإنما يحاول تقديم بديل من خلال مبادئ التفرد الثلاثة: التعرج، والسياق، والمسارات. كما أن أفكاره قابلة للتطبيق خارج علم النفس، خصوصًا في التعليم وإدارة المواهب والتوظيف وتصميم المؤسسات.
والميزة الأهم أن الكتاب يدفع القارئ إلى مراجعة مجموعة من الأفكار التي اعتاد التعامل معها باعتبارها حقائق بديهية.
قراءة صحفية
تكمن قوة «نهاية المتوسط» في أنه لا يكتفي بالقول إن الناس مختلفون؛ فهذه حقيقة لا تحتاج إلى كتاب لإثباتها.
القيمة الحقيقية في أطروحة تود روز تأتي من سؤال آخر أكثر إزعاجًا: لماذا نبني أنظمتنا على افتراض أن الناس متشابهون، رغم أننا نعرف أنهم ليسوا كذلك؟ هذه المفارقة تظهر بوضوح في التعليم.
نحن نعرف أن الطلاب مختلفون، ثم نضعهم في فصول متشابهة، ونعطيهم المنهج نفسه، والوقت نفسه، والامتحان نفسه، ثم نندهش عندما تختلف النتائج. نعرف أن طفلًا قد يكون متميزًا في الرسم أو البرمجة أو القيادة أو حل المشكلات، لكننا قد نقيس نجاحه بصورة أساسية من خلال مجموعة من المواد والاختبارات. نعرف أن بعض الطلاب يحتاجون وقتًا أطول، لكن النظام الدراسي في كثير من الأحيان لا يستطيع الانتظار، والمشكلة هنا ليست في وجود معايير.
المجتمع يحتاج إلى معايير، والجامعة تحتاج إلى معايير، وسوق العمل يحتاج إلى معايير، لكن السؤال هو: هل نستخدم المعايير لمعرفة ما يستطيع الإنسان فعله، أم نستخدمها لوضع الإنسان داخل تصنيف نهائي؟ وهذا فرق كبير.
التعليم الجيد لا ينبغي أن يتخلى عن القياس، بل يجب أن يجعل القياس أكثر ذكاءً.ولا ينبغي أن يلغي الاختبارات، بل يجب ألا يجعل الاختبار الواحد قاضيًا نهائيًا على مستقبل الطالب. ولا ينبغي أن يلغي المناهج المشتركة، بل يجب أن يترك مساحات تسمح بالاختلاف في السرعة والطريقة والمسار.ومن هنا يمكن أن تتحول فكرة «نهاية المتوسط» إلى مشروع حقيقي لإصلاح التعليم.
أخيرا فإن «نهاية المتوسط» كتاب عن الإنسان قبل أن يكون كتابًا عن الأرقام، إنه يدفعنا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نرى بها أنفسنا ونرى بها الآخرين. فالإنسان ليس متوسطًا، وليس ترتيبًا، وليس درجة، وليس نتيجة اختبار. إنه مجموعة متداخلة من القدرات والاهتمامات والخبرات والظروف، تتغير طريقة ظهورها من سياق إلى آخر، وقد تسلك مسارات مختلفة قبل أن تصل إلى النتيجة نفسها. ولهذا فإن المؤسسات التي تريد اكتشاف أفضل ما لدى البشر عليها أن تتوقف عن سؤال واحد متكرر: أين يقع هذا الشخص مقارنة بالمتوسط؟
وتبدأ في طرح أسئلة أكثر أهمية:
ما الذي يستطيع فعله؟
في أي ظروف يقدم أفضل أداء؟
ما المسار الذي يناسبه؟
وما الذي يحتاج إليه حتى يتطور؟
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن يحملها الكتاب إلى التعليم العربي اليوم: لسنا بحاجة إلى مدرسة تجعل الطلاب أكثر تشابهًا، بل إلى مدرسة تستطيع أن ترى اختلافاتهم وتستثمرها.
فحين نتوقف عن البحث عن «الطالب المتوسط»، قد نبدأ للمرة الأولى في رؤية الطلاب الحقيقيين.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: نهاية المتوسط: كيف ننجح في عالم يقدّر التشابه
العنوان الأصلي: The End of Average: How We Succeed in a World That Values Sameness
المؤلف: تود روز Todd Rose
دار النشر: HarperOne
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2016
عدد الصفحات: ي 256 صفحة
ISBN: 9780062358370 للنسخة المطبوعة
ISBN الإلكتروني: 9780062358387







