تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
______________________
يعد كتاب “الوجود والعدم” من أكثر الأعمال الفلسفية تأثيرا في القرن العشرين، وفيه يحاول جان بول سارتر أن يجيب عن سؤال أساسي: ماذا يعني أن يكون الإنسان موجودا؟ بالنسبة لسارتر، الإنسان ليس مجرد كائن يعيش في العالم مثل الأشياء من حوله، بل هو كائن يتميز بقدرته على الوعي والتفكير والاختيار وإعادة النظر في نفسه، ومن هنا يبدأ سارتر بناء فلسفته الوجودية التي تقوم على فكرة أن الإنسان لا يأتي إلى العالم ومعه طبيعة ثابتة تحدد مسبقا من سيكون،
يفرق سارتر بين نوعين من الوجود، هناك وجود الأشياء، وهو وجود ثابت لا يملك وعيًا بذاته، فالكرسي كرسي، والحجر حجر، ولا يستطيع أي منهما أن يسأل عن معنى وجوده، وهناك وجود الإنسان، الذي يسميه سارتر “الوجود لذاته”، الإنسان يستطيع أن ينظر إلى نفسه من الخارج، وأن يسأل: من أنا؟ ماذا أريد؟ ماذا يمكن أن أصبح؟ وهذا الوعي يجعل وجود الإنسان مفتوحا وغير مكتمل.
وهنا تظهر واحدة من أشهر أفكار سارتر، وهي أن الإنسان حر، لكنه لا يقصد بالحرية أن الإنسان يستطيع فعل أي شيء يريده، وإنما يرى أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، لأنه لا يستطيع أن يتوقف عن الاختيار، حتى عندما يرفض الإنسان اتخاذ قرار، فهو في الحقيقة يتخذ قرارا بعدم الاختيار وحتى عندما يترك الظروف تقرر عنه، فإنه يختار أن يتركها تفعل ذلك.
هذه الحرية بالنسبة لسارتر ليست أمرا مريحا دائما، بل قد تكون مصدرا عميقا للقلق، فإذا كنت حرا ومسؤولا عن اختياراتك، فلن تستطيع دائمًا إلقاء اللوم على الآخرين أو على الظروف أو على طبيعتك، قد تكون هناك أشياء لا تستطيع التحكم فيها، مثل المكان الذي ولدت فيه أو الماضي الذي حدث بالفعل، لكن طريقة تعاملك معها تظل جزءا من حريتك، ولذلك يرى سارتر أن الإنسان مسؤول عن الطريقة التي يصنع بها حياته.
وهذا لا يعني أن الظروف غير مهمة، سارتر يعترف بأن الإنسان يعيش داخل ظروف حقيقية تفرض عليه حدودا معينة، الفقر أو المرض أو المجتمع أو الأسرة أو الماضي كلها أشياء تؤثر في الإنسان، لكنه يميز بين ما فرض علينا وما نفعله بما فرض علينا، فقد لا تختار نقطة البداية، لكنك تملك قدرا من الحرية في تحديد الطريقة التي تستجيب بها لها.
ومن هنا يصل سارتر إلى فكرة “الوجود يسبق الماهية”، الإنسان في رأيه لا يولد ومعه تعريف نهائي لشخصيته أو مصيره، إنه يوجد أولا، ثم يصنع نفسه من خلال أفعاله واختياراته، أنت لا تصبح شخصا معينا لأنك تقول إنك كذلك، بل لأن أفعالك المتكررة تكشف ما اخترت أن تكونه، ولذلك لا يكفي أن يقول الإنسان إنه طيب أو شجاع أو مخلص، المهم هو ما يفعله بالفعل.
ويرتبط ذلك بمفهوم المسؤولية الإنسان، بالنسبة لسارتر، لا يستطيع أن يقول بسهولة: “أنا هكذا ولا أستطيع أن أتغير”، هذه الجملة قد تكون محاولة للهروب من الحرية، فإذا اعتبر الإنسان نفسه شخصا ثابتا لا يستطيع التغيير، فإنه يحول نفسه إلى شيء، بينما طبيعته ككائن واع تسمح له دائما بإعادة النظر في نفسه وتغيير اتجاهه.
وهنا يقدم سارتر مفهوما مهما هو سوء النية، وسوء النية هو عندما يخدع الإنسان نفسه لكي يهرب من حقيقة حريته، قد يقول شخص: أنا موظف، ولذلك يجب أن أتصرف بهذه الطريقة”، وكأن وظيفته تحدد شخصيته بالكامل، وقد يقول آخر: “أنا عصبي بطبيعتي، ولا أستطيع السيطرة على نفسي”، في هذه الحالات يحاول الإنسان تحويل نفسه إلى شيء ثابت، لكي يتخلص من عبء الاختيار والمسؤولية.
لكن الإنسان ليس مجرد ماض، ماضيه جزء منه، لكنه لا يختصره بالكامل، يمكن للإنسان أن يحمل تاريخا مليئا بالأخطاء، ومع ذلك يستطيع أن يقرر ألا يستمر فيها، ولذلك فإن الماضي يفسر بعض أفعالنا، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سجن نهائي يمنعنا من التغيير.
ويتناول سارتر كذلك علاقة الإنسان بالآخرين، وهي علاقة معقدة للغاية، فالإنسان لا يكتشف نفسه فقط من خلال وعيه الداخلي، بل أيضا من خلال نظرة الآخرين إليه، عندما ينظر إليك شخص آخر، قد تشعر فجأة بأنك أصبحت موضوعا في عالمه، وأنه يراك بطريقة لا تستطيع التحكم فيها بالكامل، قد يراك شخص ما فاشلا، بينما ترى نفسك ناجحا، أو يراك ضعيفا بينما ترى نفسك قويا.
ولهذا تصبح نظرة الآخر مصدرا للتوتر. الإنسان يريد أن يكون حرا في تعريف نفسه، لكنه في الوقت نفسه يهتم بالطريقة التي يراه بها الآخرون، ومن هنا تنشأ مشاعر مثل الخجل والغيرة والكبرياء والحاجة إلى الاعتراف، فالخجل، مثلا، لا يظهر فقط لأن الإنسان فعل شيئا معينا، وإنما لأنه أصبح واعيا بأنه مرئي أمام شخص آخر.
ويظهر هذا أيضا في العلاقات العاطفية، يرى سارتر أن الإنسان قد يرغب في أن يحبه الآخر، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يكون هذا الحب صادرا عن شخص حر، وهنا تظهر مفارقة صعبة: الإنسان يريد أن يمتلك حب الآخر، لكنه لا يريد أن يسلبه حريته، يريد أن يكون مهما بالنسبة إليه، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن الآخر سيظل يحبه بالطريقة نفسها إلى الأبد.
ولهذا يرى سارتر أن العلاقات الإنسانية يمكن أن تصبح ساحة للصراع، لأن كل شخص يريد أن يكون حرا، وفي الوقت نفسه يريد الاعتراف من الآخرين، وقد يحاول الإنسان أحيانا السيطرة على الآخر أو التلاعب به حتى يحصل على الاعتراف الذي يريده، لكن المشكلة أن الاعتراف الذي يأتي بالقوة يفقد جزءًا من قيمته، لأن الإنسان يريد أن يختاره الآخر بحرية،
أما مفهوم “العدم” في عنوان الكتاب، فهو ليس مجرد الفراغ أو اللاوجود، العدم عند سارتر مرتبط بقدرة الوعي على أن يقول “لا” لما هو موجود، الإنسان يستطيع أن يرى أن الشيء ليس كما ينبغي أن يكون، وأن يتخيل شيئا مختلفا، عندما يقول الإنسان: “أنا لست الشخص الذي أريد أن أكونه”، فإنه يخلق مسافة بين واقعه الحالي وما يمكن أن يصبح عليه، هذه المسافة هي التي تجعل التغيير ممكنا.
ولهذا فالوعي الإنساني لا يكتفي بما هو موجود، الإنسان يستطيع أن يتخيل المستقبل، وأن يرفض الحاضر، وأن يتصور احتمالات أخرى، وهذا ما يجعل الإنسان مشروعا مستمرا، وليس شيئا مكتملا وثابتا.
لكن الحرية لا تعني أن الإنسان يعيش بلا حدود، الإنسان يعيش في عالم مادي واجتماعي له قوانينه، ولذلك فإن الحرية دائمًا تتحرك داخل ظروف معينة، ومع ذلك، يرى سارتر أن قيمة الإنسان تظهر في كيفية تعامله مع هذه الظروف شخصان قد يعيشان الظروف نفسها، لكنهما قد يقدمان استجابتين مختلفتين تماما.
وفي نهاية الفكرة الكبرى للكتاب، يصبح الإنسان أمام مسؤولية صعبة: لا يوجد تعريف خارجي نهائي يخبره من يكون، ولا يستطيع أن يهرب تماما من مسؤولية اختياراته، هو الذي يمنح أفعاله معناها، وهو الذي يصنع نفسه من خلال الطريقة التي يعيش بها.
وهذا يجعل “الوجود والعدم” أكثر من مجرد كتاب فلسفي عن الوجود، إنه كتاب عن المسؤولية والحرية والقلق والعلاقات الإنسانية وصورة الإنسان عن نفسه، سارتر لا يقدم لنا حياة سهلة، بل يضع الإنسان أمام مراة غير مريحة ويقول له إن جزءا كبيرا مما أنت عليه اليوم نتج عن اختياراتك، وأنك رغم كل القيود ما زلت تملك مساحة لتقرر ماذا ستفعل بعد ذلك،
والرسالة الأهم التي يمكن الخروج بها من الكتاب هي أن الإنسان لا ينبغي أن يتعامل مع نفسه باعتباره شيئا انتهى تشكيله، الماضي مهم، والظروف مهمة، ونظرة الآخرين مؤثرة، لكن الإنسان يظل قادرا على تجاوز الصورة التي وضع نفسه داخلها، نحن لا نكتشف أنفسنا فقط، بل نصنع أنفسنا باستمرار من خلال اختياراتنا وأفعالنا، وهذه الحرية قد تكون مرهقة ومخيفة، لكنها في الوقت نفسه هي ما يمنح الحياة إمكانية التغيير والمعنى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلمة الأخيرة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
______________________
حقوق النشر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
________________
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: الوجود والعدم — Being and Nothingness
المؤلف: جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre)
دار النشر: Gallimard
بلد النشر: فرنسا
الطبعة: الطبعة الفرنسية الأولى
سنة النشر: 1943
عدد الصفحات: يختلف بحسب الطبعة والترجمة
رقم الإيداع: —
ISBN: 9782070201581
_________________________________







