كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
تخيل مدينة كاملة وهي تتهاوى أمام وباء لا يفرق بين غني وفقير ولا بين رجل دين وتاجر ولا بين شاب وشيخ ثم تخيل أن مجموعة من الشباب تقرر أن تهرب من هذا الرعب إلى الريف ليس بحثًا عن علاج فقط بل بحثًا عن طريقة أخرى للحياة هناك تبدأ حكاية الديكاميرون التي كتبها جيوفاني بوكاتشيو في القرن الرابع عشر وجعل فيها الموت حاضرًا منذ اللحظة الأولى لكنه لم يسمح له بأن يكون بطل الحكاية الوحيد
سبعة شابات وثلاثة شباب يخرجون من فلورنسا التي ضربها الطاعون ويصلون إلى مكان أكثر أمانًا حيث يقررون تنظيم أيامهم بطريقة تمنع الخوف من ابتلاعهم ويختارون كل يوم واحدًا منهم ليكون ملكًا أو ملكة للحكايات ويحدد موضوع اليوم ثم يبدأ كل فرد في رواية قصة وتستمر هذه اللعبة عشرة أيام حتى يصل عدد الحكايات إلى مئة حكاية وهنا تظهر عبقرية بوكاتشيو لأن الحكايات ليست مجرد قصص منفصلة بل مرآة واسعة للمجتمع الإنساني بكل تناقضاته
الحب حاضر بقوة لكنه ليس حبًا مثاليًا دائمًا فهناك عاشقون يواجهون عائلاتهم وهناك أزواج يخونون وهناك علاقات تقوم على الرغبة وهناك أشخاص يدفعون ثمن الحب حياتهم أو سمعتهم وهناك من ينتصر بالذكاء حين يعجز الحب عن إنقاذه وتظهر النساء في الحكايات باعتبارهن شخصيات تمتلك الرغبة والعقل والقدرة على المناورة وليس مجرد شخصيات تنتظر ما يقرره الرجال وهذه النقطة كانت جريئة للغاية بالنسبة إلى زمن كتب فيه العمل
السخرية تصبح واحدة من أهم أسلحة بوكاتشيو حين يقترب من رجال الدين وبعض أصحاب السلطة فهو لا يقدم البشر باعتبارهم ملائكة وشياطين بل يضع الجميع تحت الاختبار رجل الدين يمكن أن يكون منافقًا والتاجر يمكن أن يكون محتالًا والمرأة يمكن أن تكون أكثر ذكاء من الرجل والرجل الذي يظن نفسه شديد الحكمة قد يقع في فخ بسيط وهذا يجعل الديكاميرون أقرب إلى مسرح كبير يتحرك فوقه المجتمع كله
الذكاء يحتل مكانة مركزية داخل الحكايات فكثير من الشخصيات لا تنجو لأنها الأقوى أو الأغنى وإنما لأنها تعرف كيف تتصرف في اللحظة المناسبة وتعرف متى تتكلم ومتى تصمت ومتى تكذب ومتى تستخدم الحقيقة لصالحها ويبدو الإنسان عند بوكاتشيو كائنًا يحاول باستمرار أن يتكيف مع الظروف وأن يجد لنفسه مخرجًا حتى عندما تبدو كل الأبواب مغلقة
الحظ كذلك لاعب أساسي فشخصية يمكن أن تستيقظ ذات صباح وهي تملك كل شيء ثم تفقده قبل غروب الشمس وشخص آخر قد يبدأ حياته فقيرًا أو مهمشًا ثم تمنحه المصادفة فرصة تغير مستقبله وهنا لا يقدم الكتاب الحياة باعتبارها نظامًا عادلًا دائمًا بل باعتبارها مساحة تتحرك فيها الإرادة والحظ والظروف معًا وقد ينتصر الشخص الذي يعرف كيف يستغل اللحظة التي تأتيه
أهمية الديكاميرون لا تتوقف عند جرأة موضوعاته أو تنوع حكاياته فالعمل يمثل محطة شديدة الأهمية في تطور النثر الإيطالي والأدب الأوروبي عمومًا وقد ساعد بوكاتشيو على تقديم لغة أكثر مرونة وقدرة على تصوير التفاصيل اليومية والمشاعر الإنسانية بعيدًا عن القوالب الأدبية الجامدة التي كانت شائعة في عصره ولهذا ارتبط اسمه مع دانتي وبترارك باعتباره واحدًا من الآباء الكبار للأدب الإيطالي
المفارقة الأجمل أن الديكاميرون خرج من قلب الموت لكنه اختار أن يتحدث عن الحياة بكل تفاصيلها فالوباء الذي يقتل الناس خارج الفيلا يجعل هؤلاء الشباب أكثر تمسكًا بالطعام والموسيقى والضحك والحب والحكايات وكأن بوكاتشيو يقول إن الإنسان حين يشعر بأن العالم يمكن أن ينتهي في أي لحظة يبدأ في اكتشاف قيمة الأشياء التي كان يعتبرها عادية
الحكايات المئة تكشف كذلك أن الأخلاق عند البشر ليست دائمًا بالبساطة التي تبدو عليها فهناك أفعال تبدو سيئة لكنها تكشف ضعفًا إنسانيًا وهناك شخصيات تكذب وتخدع لكنها تفعل ذلك للنجاة وهناك أشخاص يبدون محترمين بينما يخفون وراء مظهرهم فسادًا كبيرًا لذلك لا يقدم الكتاب درسًا أخلاقيًا مباشرًا بقدر ما يترك القارئ أمام سؤال أصعب وهو هل يمكن فهم الإنسان من خلال القواعد وحدها أم أن فهمه يحتاج إلى النظر إلى ظروفه ورغباته وخوفه وطموحه
الديكاميرون في جوهره كتاب عن الإنسان عندما تسقط الأقنعة فالموت يجعل الجميع متساوين والحب يكشف الرغبات والمال يكشف الطمع والسلطة تكشف النفاق والذكاء يكشف قدرة الإنسان على النجاة وبين كل حكاية وأخرى تظهر حقيقة بسيطة لكنها ثقيلة الإنسان قد يعيش وسط الكارثة لكنه يظل قادرًا على صناعة لحظة ضحك وحب وحكاية وربما تكون هذه القدرة نفسها واحدة من أقوى وسائل مقاومة الخوف ولذلك بقيت حكايات بوكاتشيو حية بعد قرون طويلة لأن العالم تغير كثيرًا لكن الإنسان الذي يبحث عن معنى وسط الفوضى لم يتغير بالقدر نفسه
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق النص الأصلي محفوظة لصاحبها وورثته والناشر وفق القوانين المعمول بها.
عنوان الكتاب
الديكاميرون
المؤلف
جيوفاني بوكاتشيو
الناشر
دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع
بلد النشر
لبنان
الطبعة
طبعة عربية
سنة النشر
2006
عدد الصفحات
700 صفحة
رقم الإيداع
غير متوفر في البيانات المتاحة
ISBN
9782843058462







