حين يصنع العقل مرضًا لا يراه أحد

مريض الوهم

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

تبدأ الحكاية مع أرغان رجل ثري يعيش مقتنعا بأنه مريض باستمرار وأن جسده يخفي داخله عددًا لا ينتهي من الأمراض التي تحتاج إلى أطباء وعقاقير ووصفات وعلاجات ولا تكمن المشكلة في مرض حقيقي بقدر ما تكمن في عقل أصبح أسيرًا للخوف من المرض أرغان يحسب نفقات العلاج ويفكر في الأدوية ويتابع وصفات الأطباء ويبحث عن أي شخص يؤكد له أنه مريض وكأن الصحة نفسها أصبحت بالنسبة إليه شيئًا مخيفًا لأنه لا يستطيع تصديقها

يتحول خوف أرغان إلى باب مفتوح أمام الأطباء الذين يعرفون كيف يستفيدون من هذا الوهم فكلما شعر الرجل بمرض جديد وجد طبيبًا يقدم له علاجًا جديدًا وكلما ازداد خوفه ازداد اعتمادُه على من يبيعون له الطمأنينة في صورة وصفة طبية وهنا يضرب موليير واحدًا من أكثر جوانب المسرحية سخرية فالطبيب لا يحتاج دائمًا إلى علاج المريض بقدر حاجته إلى استمرار اعتقاد المريض بأنه مريض لأن بقاء الوهم يعني استمرار الحاجة إلى الطبيب

تزداد الكارثة عندما يحاول أرغان استخدام مرضه وسيلة لتنظيم حياة أسرته فهو يريد تزويج ابنته أنجيليك من توما ديافواروس ابن الطبيب لأن الزواج من عائلة طبية سيجعل الأطباء قريبين منه باستمرار وهكذا تتحول رغبة الأب في حماية صحته إلى محاولة للسيطرة على مستقبل ابنته فالزواج عنده لا يصبح قصة حب أو اختيارًا شخصيًا وإنما صفقة تحقق له راحة نفسية وتضمن وجود طبيب داخل البيت

تحب أنجيليك شخصًا آخر هو كلينت ولذلك تجد نفسها في مواجهة أبيها الذي يعتقد أنه يتصرف لمصلحتها بينما هو في الحقيقة يحاول تحقيق مصلحته الخاصة وتصبح الفتاة عالقة بين حب حقيقي وقرار أبوي لا يهتم كثيرًا بما تريده هي وتكشف هذه العلاقة جانبًا آخر من عالم موليير حيث يمكن للسلطة الأسرية أن تتحول إلى نوع من الوهم أيضًا فالأب يعتقد أن امتلاك القرار يعني امتلاك الحقيقة

تدخل تونيت الخادمة لتصبح واحدة من أهم الشخصيات التي تحرك الأحداث فهي لا تملك ثروة أرغان ولا سلطته لكنها تمتلك شيئًا أخطر وهو العقل والقدرة على قراءة الناس وتعرف أن سيدها أصبح أسيرًا لوهمه ولذلك تحاول مساعدته بطريقة ساخرة وذكية وتواجه عناده بالحيلة بدل المواجهة المباشرة وتتحول الخادمة إلى صوت العقل وسط عالم يبدو فيه أصحاب المناصب أكثر جهلًا من الأشخاص الذين يخدمونهم

تظهر بليان زوجة أرغان بصورة المرأة التي تبدو شديدة الاهتمام بزوجها وتبالغ في رعايته وتعامله كأنه عاجز عن تدبير حياته لكنها تخفي وراء هذا الاهتمام رغبة في الحصول على مصلحتها الخاصة وتصل الأمور إلى محاولة أرغان حرمان ابنته من الميراث لصالح زوجته وهنا يصبح الوهم الطبي متصلًا بوهم آخر هو وهم الثقة فالرجل الذي لا يصدق جسده يصدق بسهولة كلمات امرأة تعرف كيف تستغل خوفه

تعمل أنجليك وتونيت وكلينت على كشف الحقيقة ويحتاج الأمر إلى قدر من التمثيل والخداع حتى يستطيع الجميع الوصول إلى أرغان فالطريق المباشر لا ينفع مع شخص فقد القدرة على الحكم الهادئ على الأشياء ولذلك يصبح المسرح داخل المسرحية نفسها وسيلة لكشف الوهم أرغان لا يستطيع رؤية الحقيقة عندما تقدم له بطريقة عادية لكنه قد يصدقها عندما تأتيه في صورة مشهد تمثيلي

يسخر موليير من الطب لكنه لا يجعل السخرية موجهة إلى فكرة العلاج نفسها بقدر ما يوجهها إلى الجهل والتعصب والاستغلال وإلى الأشخاص الذين يحولون المعرفة إلى سلطة لا تقبل السؤال فالأطباء في المسرحية يستخدمون لغة تبدو علمية ومهيبة بينما تكشف الأحداث أحيانًا أن وراء هذه اللغة مصالح شخصية وحسابات بسيطة ولذلك تصبح المسرحية نقدًا لطريقة تفكير تجعل الإنسان يصدق صاحب المظهر الرسمي لمجرد أنه يرتدي ثوبًا يمنحه الهيبة

تتكرر المفارقة طوال الأحداث أرغان يريد أن يتخلص من المرض لكنه لا يريد أن يتخلى عن فكرة أنه مريض لأنه بنى حياته كلها حولها والأطباء يريدون أن يعالجوه لكن استمرار خوفه يضمن استمرار وجودهم وابنته تريد أن تتزوج من تحب لكنه يريد أن يزوجها بمن يخدم هوسه وزوجته تظهر المحبة بينما تبحث عن المال والخادمة تكذب أحيانًا لكنها تفعل ذلك لإنقاذ الحقيقة وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من يكذب ومن يقول الحقيقة وإنما لماذا يكذب كل شخص وماذا يريد من وراء كذبته

يقدم موليير الضحك باعتباره وسيلة لكشف الأشياء التي يصعب مواجهتها مباشرة فالمتلقي يضحك على أرغان عندما يبالغ في خوفه ثم يكتشف أن المبالغة نفسها موجودة في الحياة حين يسمح الإنسان لخوف معين بأن يسيطر على قراراته ويصبح الخوف عندها أقوى من الواقع وقد يجعل الإنسان يدفع المال ويخسر العلاقات ويؤذي أقرب الناس إليه فقط لأنه يريد أن يشعر بالأمان

تزداد قيمة المسرحية عندما نعرف أن موليير قدمها لأول مرة عام 1673 وأنها كانت آخر مسرحياته وقد توفي بعد العرض الرابع لها بساعات وهو يؤدي دور أرغان نفسه وهذه المصادفة التاريخية جعلت العمل مرتبطًا بصورة شديدة القوة بصاحبه وبموضوع المرض والموت

لا يتحدث مريض الوهم عن رجل واحد فقط وإنما يضع أمامنا صورة إنسان يمكن أن يتحول خوفه إلى عالم كامل يعيش داخله وقد يكون المرض حقيقيًا وقد يكون متخيلًا لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الوهم أقوى من القدرة على التفكير وعندما تتحول الرغبة في الأمان إلى اعتماد كامل على أشخاص يعرفون كيف يستغلون الخوف

ينتهي الصراع وقد بدأت الحقيقة في الظهور أمام أرغان لكن موليير لا يقدم لنا انتصارًا بسيطًا للعقل على الوهم بل يتركنا أمام مفارقة ساخرة تجعل الضحك مستمرًا حتى اللحظة الأخيرة لأن الرجل لا يستطيع أن يتخلص بسهولة من عالم صنعه بنفسه وربما تكون هذه هي قوة المسرحية الحقيقية أن أرغان لم يكن يحتاج إلى طبيب جديد بقدر حاجته إلى أن يصدق أنه يستطيع أن يعيش دون أن يكون مريضًا وكلما بحث عن علاج لوهمه اكتشفنا أن الوهم نفسه كان هو المرض

حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق النص الأصلي محفوظة لصاحبها وورثته والناشر وفق القوانين المعمول بها
البطاقة التعريفية

عنوان الكتاب
مريض الوهم

المؤلف
موليير

المترجم
إلياس أبو شبكة

الناشر
إصرار ناشرون وموزعون

بلد النشر
الأردن

الطبعة
الأولى

سنة النشر
2024

عدد الصفحات
86 صفحة

رقم الإيداع
1193/2/2024

ISBN
978-9923-29-194-8

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *