“حين تصبح المشاعر عبئاً.. كيف نستعيد السيطرة على حياتنا من الداخل؟”

تمهيد

قراءة صحفية تحليلية في كتاب “Emociones tóxicas” للكاتب الأرجنتيني Bernardo Stamateas

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

١ـ رسالة الكاتب للقارئ

يدخل Bernardo Stamateas إلى منطقة لا يستطيع الإنسان الهروب منها مهما حاول، منطقة المشاعر، حيث الخوف والغيرة والقلق والذنب والغضب والحاجة إلى القبول.

فالإنسان لا يختار دائماً ما يشعر به، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يتعامل معه، وهذه هي المسافة التي يحاول الكتاب أن يضيئها، فالمشاعر جزء من الإنسان، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المشاعر من رسائل تحتاج إلى فهم إلى قوة تقود الإنسان بدلاً منه.

ومن هنا تأتي الرسالة الأساسية، لا تحارب مشاعرك ولا تنكرها، بل افهمها، لأن ما نفهمه نستطيع التعامل معه، وما نرفض رؤيته قد يكبر في الظل حتى يصبح أكثر تأثيراً في حياتنا.

٢ـ الأفكار القائمة عليها الكتاب

يركز الكتاب على مجموعة من المشاعر التي قد تتحول إلى مصدر للمعاناة عندما تخرج عن حدودها، مثل القلق، والضيق، وعدم الرضا، والتعلق، والحسد، والخوف، والذنب، والرفض، والغيرة.

ويحاول المؤلف أن يمنح كل شعور معنى، وأن يدفع القارئ إلى النظر إلى داخله بدلاً من البحث دائماً عن أسباب اضطرابه في الخارج.

كما يربط بين معرفة الإنسان لمشاعره وبين قدرته على بناء علاقات أفضل، لأن الإنسان الذي لا يفهم ما يحدث داخله قد ينقل اضطرابه إلى الآخرين، ثم يعود ليتساءل لماذا تتكرر المشكلة.

٣ـ بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند إليها الكاتب وهي أن:

المشاعر لا ينبغي أن تُقمع، لكنها تحتاج إلى إدارة ووعي، فالخوف قد يحذرنا، والغيرة قد تكشف احتياجاً، والغضب قد يخبرنا بأن حدوداً ما قد تم تجاوزها.

كما أن الإنسان يحتاج إلى التفريق بين الشعور والحقيقة، لأن الإحساس بأن الآخرين يرفضونه لا يعني بالضرورة أنهم يرفضونه، والشعور بالعجز لا يعني أن الإنسان عاجز بالفعل.

ويؤكد الكتاب كذلك أن السلام الداخلي لا يأتي من السيطرة على العالم الخارجي، وإنما من بناء قدرة داخلية على التعامل مع ما يحدث.

كما أن العلاقة بالآخر تبدأ من العلاقة بالنفس، فالإنسان الذي يحمل جراحه دون فهم قد يجعلها لغة يتحدث بها مع الآخرين، فيؤذي من يحب دون أن يقصد.

٤ـ الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يستهدف الكتاب كل من يعاني من ضغط المشاعر أو اضطراب العلاقات أو الشعور المستمر بالقلق والغيرة والذنب والخوف.

كما يناسب الشباب والموظفين والأزواج وكل من يريد فهماً أبسط لعالمه الداخلي، خاصة الأشخاص الذين يجدون أنفسهم أمام مشاعر قوية لا يعرفون كيف يسمونها أو يتعاملون معها.

٥ـ أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

من أهم نقاط القوة أن الكتاب يتعامل مع المشاعر باعتبارها موضوعاً يومياً، ويقدم لغة سهلة تساعد القارئ على التعرف إلى مشكلاته الداخلية دون الغرق في المصطلحات النفسية المعقدة.

كما أن انتقاله بين مشاعر مختلفة يجعل القارئ قادراً على مقارنة تجاربه الخاصة بما يقرأه، وربط المشاعر بالسلوك والعلاقات.

أما نقطة الضعف، فهي أن مفهوم “المشاعر السامة” قد يبدو واسعاً أكثر مما ينبغي، لأن الشعور نفسه ليس ساماً بالضرورة، وإنما قد يصبح مؤذياً عندما يسيطر على الإنسان أو يدفعه إلى سلوك ضار.

٦ـ ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أهمها فكرة التخلص من المشاعر السلبية، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة بلا خوف أو حزن أو غضب، ولا ينبغي أن تكون الصحة النفسية مشروعاً لإلغاء المشاعر.

الأكثر واقعية هو أن يتعلم الإنسان فهم مشاعره وإدارتها، وأن يعرف متى يحتاج إلى مساعدة متخصصة، ومتى يستطيع التعامل مع الأمر بنفسه.

وهنا تكمن القيمة الأهم، أن السلام النفسي ليس في أن نشعر دائماً بالسعادة، وإنما في أن نستطيع أن نعيش مشاعرنا دون أن تتحول إلى سجن، وأن نسمع صوتها دون أن نترك لها وحدها حق اتخاذ القرار.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: “Emociones tóxicas”

المؤلف: Bernardo Stamateas

دار النشر: B de Bolsillo

بلد النشر: الأرجنتين

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 256 صفحة

ISBN: 9781947783928

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *