وطن في الذاكرة وعائلةٌ يطاردها الصمت

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

ماذا يمكن أن ترث العائلة غير البيوت والأسماء والصور القديمة ربما ترث خوفا لم يتكلم عنه أحد وربما ترث حزنا لم يعرف أصحابه كيف يشرحونه وربما ترث صمتا ينتقل من جيل إلى آخر حتى يصبح جزءا من شخصية العائلة نفسها من هنا تدخل عبير داغر إسبر إلى عالم ورثة الصمت حيث لا يصبح الصمت مجرد غياب للكلام وإنما يتحول إلى ميراث كامل تعيشه الشخصيات دون أن تعرف دائما كيف بدأ أو لماذا استمر

تبدأ الحكاية من عائلة قدسي السورية التي تفرقت أمكنتها بين حمص ونيس ومونتريال ومع كل انتقال جغرافي ينتقل شيء من الماضي مع أصحابه فلا تستطيع المسافات أن تقطع علاقتهم بالمكان الأول حمص تظل حاضرة حتى داخل الثلج الكندي وشمس المدينة القديمة تستمر في الظهور داخل الذاكرة كأن الإنسان يستطيع أن يغادر الأرض لكنه لا يستطيع بسهولة أن يجعل الأرض تغادره

سامي هو الراوي الذي يحمل عبء الحكاية ويحاول أن يستعيد تاريخ العائلة من خلال النساء والأقارب والذكريات والخيبات فيكشف تدريجيا أن هذه ليست سيرة عائلية عادية وإنما شبكة من الحيوات المتداخلة التي ترك كل فرد فيها أثرا على الآخر نانا وجانو وفكتوريا وماريا وحسن وغيرهم يتحولون إلى أجزاء من صورة واحدة لعائلة تبدو مختلفة من الخارج لكنها تحمل في داخلها قلقا مشتركا وحزنا متوارثا وشعورا دائما بأن شيئا ما لم يكتمل

المفارقة الأساسية أن الرحيل الذي يفترض أن يمنح الإنسان فرصة لبداية جديدة قد يتحول إلى استمرار للمشكلة نفسها فالمطار يغير الجغرافيا لكنه لا يمحو الذاكرة والبيت الجديد قد يوفر الأمان لكنه لا يضمن الانتماء والمدينة البعيدة قد تمنح الإنسان حياة مختلفة لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن السؤال الأصعب من أنا عندما لا أكون في المكان الذي عرفت نفسي فيه

مونتريال تبدو في الرواية نقيضا واضحا لحمص ثلج في مواجهة شمس وبرودة في مواجهة دفء وغربة في مواجهة جذور لكن التناقض الخارجي يخفي تشابها داخليا فالشخصيات تحمل مشاكلها معها أينما ذهبت ولذلك لا يصبح المنفى مجرد انتقال من دولة إلى أخرى وإنما يتحول إلى حالة داخلية قد يعيشها الإنسان حتى وهو محاط بالناس

ذلك يجعل سؤال الهوية واحدا من أهم الأسئلة التي تتحرك داخل الرواية فالهوية ليست بطاقة تعريف ولا اسما ولا جنسية فقط وإنما مجموعة طبقات تكونت عبر العائلة واللغة والمكان والذاكرة والتاريخ والعلاقات وعندما تتغير هذه الطبقات يبدأ الإنسان في إعادة تركيب نفسه من جديد

تظهر النساء في العائلة باعتبارهن حاملات لجزء كبير من الذاكرة العائلية فحكايات نانا وجانو وفكتوريا وماريا لا تقدم فقط تفاصيل عن أشخاص منفصلين وإنما تكشف كيف يمكن للعائلة أن تخزن أسرارها داخل أجساد وحيوات أفرادها وكيف يمكن للأشياء التي لم يجرؤ أحد على قولها أن تستمر في التأثير على الجيل التالي

الانتحار يصبح واحدا من أكثر الظلال قسوة في هذه الحكاية لأنه لا يظهر كحادثة منفصلة وإنما كإشارة إلى حجم الألم الذي تراكم داخل الشخصيات إحدى اللحظات المركزية تبدأ بحادثة انتحار ثم يمتد أثرها عبر بقية الرواية ليكشف عن عائلة يبدو أن الموت فيها ليس مجرد نهاية فرد وإنما جرح يصيب الجميع ويجبرهم على إعادة النظر في تاريخهم وفي علاقاتهم وفي الأشياء التي تركوها بلا إجابة

حسن يمثل بدوره مأساة مختلفة فهو يعيش أزمة الهوية والانتماء بطريقة حادة ويحاول العودة إلى حمص بعدما أنهكه المنفى الكندي لكن العودة لا تعني استعادة الحياة القديمة فالمدينة التي يعود إليها ليست بالضرورة المدينة التي تركها والإنسان الذي يعود إليها ليس بالضرورة الشخص نفسه الذي غادرها وهنا يصبح الوطن سؤالا مؤلما أكثر منه إجابة جاهزة

حمص في الرواية ليست مجرد مدينة تقع داخل سوريا وإنما تتحول إلى ذاكرة جماعية للعائلة وإلى صورة مصغرة لبلد كامل فالمدينة التي عرفها أفراد العائلة تحمل تنوعا اجتماعيا وثقافيا وتاريخا طويلا من العلاقات ثم تأتي الحرب لتعيد ترتيب كل شيء وتدخل السياسة والموت والخوف إلى حكايات كانت في الأصل حكايات عائلية

المأساة السورية تظهر في الرواية من خلال البشر وليس من خلال الشعارات الكبرى وهذا يمنحها قوة مختلفة فبدلا من تحويل الحرب إلى أرقام وأحداث سياسية تتحول الحرب إلى أم فقدت ابنها وشخص غادر ولم يعرف كيف يعود وعائلة تشتتت بين القارات وذاكرة تحاول الاحتفاظ بما يمكن الاحتفاظ به

هذا الاقتراب يجعل الرواية أقرب إلى مرثية لعائلة ولسوريا معا فمصير العائلة يبدو في كثير من الأحيان شبيها بمصير البلاد نفسها وكلما تفرقت الشخصيات بين المنافي تفرقت معها أجزاء من وطنها وكلما حاول أحدها العودة اصطدم بحقيقة أن العودة إلى المكان ليست دائما عودة إلى الزمن نفسه

الصمت هنا يصبح أكثر تعقيدا لأنه ليس دائما اختيارا فرديا أحيانا يكون نتيجة للخوف وأحيانا نتيجة للخجل وأحيانا نتيجة لمحاولة حماية شخص نحبه وأحيانا يتحول إلى عادة عائلية تتوارثها الأجيال دون أن تعرف لماذا لا تتكلم

وهكذا يصبح الصمت شيئا يشبه الجدار غير المرئي داخل البيت الجميع يعرف أن هناك قصة لكنه لا يعرف كيف يبدأها والجميع يشعر بأن هناك جرحا لكنه يتجنب لمس مكانه حتى لا ينفتح الجرح من جديد

سامي نفسه يحاول كسر هذا الجدار بالحكي فالرواية تصبح في أحد مستوياتها محاولة لإنقاذ الذاكرة بالكلمات لأن ما لا يقال معرض لأن يتحول إلى نسخة مشوهة من الحقيقة وما لا يحكى قد يظل حاضرا بطريقة أكثر قسوة من الأشياء التي نواجهها

اختيار رجل ليكون راويا لحكايات النساء يضيف طبقة أخرى إلى العمل فهو لا يقدم نفسه باعتباره صاحب الحقيقة المطلقة وإنما يحاول أن يجمع شظايا الحكايات ويعيد ترتيبها ويعترف ضمنيا بأن ما يعرفه عن الآخرين ليس كاملا وأن الذاكرة نفسها يمكن أن تكون خليطا من الوقائع والتأويلات والحب والندم والوهم

لغة الرواية تتحرك بين السيرة العائلية والتأمل في المنفى والهوية ولذلك تبدو الحكاية أوسع من عائلة قدسي نفسها فكل شخص غادر وطنه يستطيع أن يجد في هذه الأسئلة شيئا من تجربته وكل شخص بقي في وطنه يستطيع أن يرى كيف يمكن للهجرة أن تغير العلاقات حتى عندما يظل الحب موجودا

المكانان الأساسيان في الرواية حمص ومونتريال لا يمثلان فقط وطن ومغتربا بل يمثلان حالتين نفسيتين حمص مرتبطة بالذاكرة والجذور والتاريخ ومونتريال مرتبطة بالنجاة والبرد والمسافة وكل شخصية تتحرك بينهما تحمل داخلا مزدوجا لا يستطيع أن ينتمي بالكامل إلى جهة واحدة

وهذا هو أحد أكثر جوانب الرواية قسوة فالمنفى لا يقدم نفسه كخلاص نهائي ولا الوطن يقدم نفسه كملاذ بسيط كلاهما يحمل جراحه الخاصة ولذلك يصبح الإنسان عالقا بين مكانين وبين صورتين لنفسه وبين ماض لا يستطيع محوه وحاضر لا يستطيع أن يعيشه كاملا

حتى الحب داخل الرواية لا ينجو من هذا الإرث فالعلاقات العاطفية تتأثر بالذاكرة والعائلة والهجرة والاختيارات القديمة وكأن الشخصيات لا تدخل أي علاقة وحدها وإنما تدخلها ومعها تاريخ طويل من العلاقات السابقة والخسارات والخوف

تلك هي فكرة ورثة الصمت الأكثر إيلاما أن الإنسان قد يرث أشياء لم يخترها أصلا قد يرث خوف والديه وقد يرث أسرار العائلة وقد يرث نظرة المجتمع وقد يرث جرح الوطن وقد يجد نفسه مطالبا بأن يعيش نتائج قرارات اتخذها أشخاص عاشوا قبله بعشرات السنين

لكن الرواية لا تجعل الحكاية مجرد مأساة متواصلة فالحكي نفسه يصبح فعلا من أفعال المقاومة لأن الشخص الذي يحكي يرفض أن يختفي تماما والشخص الذي يستمع يمنح التجربة فرصة لأن تبقى موجودة والذاكرة عندما تتحول إلى حكاية تصبح أقل عرضة لأن تموت في صمت

ورثة الصمت في جوهرها رواية عن أشخاص حاولوا أن يهربوا من الماضي فاكتشفوا أن الماضي لا يحتاج إلى أن يلحق بهم لأنه يسافر داخلهم وعن عائلة تفرقت جغرافيا لكنها ظلت مرتبطة بخيط غير مرئي من الذكريات والخسارات وعن وطن يمكن أن يتحول من مكان نعيش فيه إلى سؤال نبحث عن إجابته طوال العمر

وربما يكون السؤال الأكبر الذي تتركه الرواية هو هل يستطيع الإنسان أن يبدأ حياة جديدة فعلا أم أن كل بداية جديدة تحمل معها أجزاء من الحكاية القديمة

قد نغير البيوت والمدن والبلدان وقد نتعلم لغات جديدة ونبني علاقات جديدة ونعيش وسط ثلج لا يشبه شمس الطفولة لكن هناك أشياء لا تغادر بسهولة صوت الأم وملامح الأب ورائحة المكان الأول وحكايات الجدات والأسماء التي كنا ننادى بها قبل أن يصبح العالم أكبر منا

عندما يصبح الصمت ميراثا لا يكون التخلص منه سهلا لأن كسر الصمت يعني أحيانا مواجهة ما حاولت العائلة سنوات طويلة أن تنساه لكن الحكاية تظل ضرورية لأن الإنسان الذي لا يعرف قصة جرحه قد يقضي عمره وهو يحاول علاج الألم الخطأ

وربما لهذا تترك ورثة الصمت أثرها الحقيقي خارج صفحاتها فالرواية لا تسأل فقط ماذا حدث لهذه العائلة وإنما تسأل ماذا يحدث للإنسان عندما يحمل وطنا داخل ذاكرته ويعيش في وطن آخر وماذا يحدث عندما تتحول الهجرة من رحلة في الجغرافيا إلى رحلة طويلة داخل النفس

وحين يصل الحكي إلى نهايته لا يبدو الصمت منتصرا تماما لأن مجرد تحويل الأسرار إلى كلمات يعني أن الميراث بدأ يتغير فالأجيال الجديدة قد لا تستطيع تغيير ما حدث لكنها تستطيع أن تختار ألا تورثه بالطريقة نفسها وربما تكون أول خطوة للخروج من إرث الصمت هي أن نجد الشجاعة لنقول ما ظل الجميع يخافون من قوله

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق الكتاب الأصلي محفوظة لمؤلفه وناشره وأصحاب الحقوق المعنيين.

بطاقة التعريف

العنوان ورثة الصمت

المؤلف عبير داغر إسبر

الناشر نوفل / هاشيت أنطوان

بلد النشر لبنان

الطبعة 2024

سنة النشر 2024

عدد الصفحات 272 صفحة

رقم الإيداع غير متاح

ISBN 9786140602441

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *