كل شئ تفعله يترك اثرا

قراءة في كتاب

حين تصبح حياتك اليومية منتجًا.. من يشتريك دون أن تعرف؟

The Age of Surveillance Capitalism — Shoshana Zuboff

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة وهذه القراءة ليست اختصارًا للكتاب أو بديلًا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالواقع.

كل شيء تفعله يترك أثرًا

لحظة البحث عن مطعم أو الوقوف أمام واجهة متجر أو الضغط على إعجاب أو التوقف لثوانٍ أمام مقطع فيديو تبدو أفعالًا عابرة لا تحمل أهمية كبيرة لكن العالم الرقمي لم يعد ينظر إليها بهذه البساطة فكل حركة يمكن أن تتحول إلى إشارة وكل اختيار يمكن أن يصبح معلومة وكل دقيقة يقضيها الإنسان أمام الشاشة قد تترك خلفها أثرًا قابلًا للتسجيل والتحليل وهنا يبدأ السؤال الذي تقف عنده شوشانا زوبوف هل ما نفعله على الإنترنت يخصنا وحدنا أم أن هناك من يرى في حياتنا اليومية مادة يمكن جمعها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.

نحن لا ندفع دائمًا بالمال

اعتاد الإنسان أن يفهم العلاقة الاقتصادية باعتبارها عملية واضحة يدفع المال مقابل سلعة أو خدمة لكن كثيرًا من الخدمات الرقمية جاءت بوعد مختلف يمكن استخدامها مجانًا والبحث مجاني والتواصل مجاني ومشاهدة المحتوى لا تحتاج في كثير من الأحيان إلى دفع مباشر لكن المجانية الظاهرة تخفي نموذجًا أكثر تعقيدًا لأن الإنسان قد لا يدفع من جيبه بينما يدفع بشيء آخر هو البيانات التي يتركها خلفه.

المادة الخام الجديدة

البيانات في عالم رأسمالية المراقبة ليست مجرد الاسم والعمر ومكان الإقامة بل يمكن أن تمتد إلى تفاصيل أكثر دقة مثل ما نبحث عنه والوقت الذي نستيقظ فيه والأماكن التي نزورها والسرعة التي نتحرك بها والموضوعات التي تجذب انتباهنا والمنتجات التي نتوقف أمامها والأشخاص الذين نتواصل معهم ومن خلال جمع هذه التفاصيل بكميات هائلة يصبح من الممكن بناء صورة عن الإنسان ربما لا يدرك هو نفسه حجمها.

أكثر مما نعرف عن أنفسنا

المفارقة أن الإنسان يعرف نفسه من الداخل بينما تعرفه الأنظمة الرقمية من خلال آلاف الإشارات الصغيرة التي لا ينتبه إليها فاختيار متكرر قد يكشف عن عادة وتوقيت معين قد يكشف عن نمط واهتمام عابر قد يتحول إلى توقع لما يمكن أن يفعله لاحقًا وهنا لا يعود الهدف مجرد معرفة ما حدث في الماضي بل يصبح الطموح الأكبر هو توقع ما سيحدث في المستقبل.

سوق يتاجر بالمستقبل

الفكرة الأكثر إثارة في الكتاب تتمثل في أن قيمة البيانات لا تقف عند لحظة جمعها بل في القدرة على استخدامها لصناعة توقعات عن السلوك فماذا يمكن أن تشتري ومتى قد تسافر وما المحتوى الذي قد يجذبك وما الإعلان الذي يمكن أن يدفعك إلى اتخاذ قرار معين ومع اتساع القدرة على التوقع تظهر سوق جديدة لا تتعامل فقط مع ما يفعله الناس الآن بل مع احتمالات ما قد يفعلونه بعد ذلك.

من التوقع إلى التأثير

التنبؤ بالسلوك يبدو في ظاهره عملية مراقبة لكن السؤال الأخطر يبدأ عندما لا يكتفي النظام بتوقع ما ستفعله بل يبدأ في ترتيب البيئة المحيطة بك بطريقة تجعل احتمال اختيار معين أكبر من غيره فالإشعار يصل في توقيت محدد والمحتوى يظهر أمامك دون غيره والاقتراح يتكرر بطريقة محسوبة وربما يظن الإنسان أنه اتخذ قراره وحده بينما كان محاطًا منذ البداية بمسار صُمم لدفعه في اتجاه معين.

الحرية التي لا نشعر بفقدانها

السيطرة القديمة كانت واضحة في كثير من الأحيان لأن الإنسان يعرف أن هناك من يمنعه أو يأمره أما أشكال التأثير الجديدة فقد تكون أكثر هدوءًا لأنها لا تحتاج دائمًا إلى إجبار مباشر يكفي أن تتغير الخيارات التي تظهر أمام الإنسان وأن تتشكل المعلومات التي يراها وأن يُعاد ترتيب العالم الرقمي حوله بطريقة تجعله يميل إلى قرار دون أن يشعر بأن أحدًا طلب منه ذلك.

عندما يصبح السلوك قابلًا للبيع

الاقتصاد التقليدي عرف بيع السلع والخدمات والعمل لكن العالم الذي تصفه زوبوف يفتح مساحة مختلفة يصبح فيها السلوك نفسه مصدرًا للقيمة فالإنسان لا يبيع بياناته بالضرورة بقرار واع لكنه ينتجها طوال الوقت بمجرد استخدامه للأجهزة والتطبيقات وكلما أصبحت الحياة أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا اتسعت كمية الآثار التي نتركها خلفنا.

الهاتف الذي يعرف أكثر مما ينبغي

الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للاتصال فهو يحمل المكان والوقت والحركة والصور والبحث والمحادثات والاهتمامات ويصاحب صاحبه في تفاصيل يومه أكثر مما يفعل كثير من البشر ولهذا أصبح الجهاز الصغير بوابة هائلة إلى الحياة اليومية فالخطر الذي يناقشه الكتاب لا يتعلق بجهاز شرير أو تطبيق واحد بل بفكرة أن الحياة نفسها أصبحت قابلة للتحويل إلى تدفق مستمر من المعلومات.

الراحة مقابل المعرفة

كثير من الناس يمنحون التطبيقات صلاحيات واسعة لأنهم يريدون خدمة أسهل وخريطة أدق واقتراحات أفضل وتجربة أسرع وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات العصر فكل قدر من الراحة قد يحتاج إلى قدر من المعرفة عن المستخدم ولا يبدو الأمر خطيرًا عندما يتم خطوة خطوة لأن كل طلب منفرد يبدو بسيطًا لكن الصورة الكاملة قد تختلف كثيرًا عندما تجتمع التفاصيل الصغيرة في مكان واحد.

نحن نرى الشاشة وهم يروننا

العلاقة مع التكنولوجيا تبدو غالبًا في اتجاه واحد الإنسان يستخدم الشاشة ليبحث ويشاهد ويتواصل لكن الكتاب يدعونا إلى قلب الصورة ففي أثناء استخدامنا للأدوات الرقمية قد تكون هذه الأدوات نفسها تجمع معلومات عن طريقة استخدامنا لها وهكذا لا نكون نحن فقط من ينظر إلى العالم من خلال الشاشة بل تصبح الشاشة أيضًا نافذة ينظر من خلالها نظام واسع إلى سلوكنا.

معرفة بلا مساواة

ليست المشكلة في وجود المعرفة وحدها بل فيمن يمتلكها ومن يستطيع استخدامها فهناك فرق بين أن يعرف الإنسان شيئًا عن نفسه وأن توجد مؤسسة تمتلك قدرة هائلة على جمع وتحليل ملايين التفاصيل عن ملايين البشر وتستطيع تحويل هذه المعرفة إلى قوة اقتصادية وهنا تتسع الفجوة بين ما يعرفه الفرد عن الجهات التي تستخدم بياناته وما يمكن أن تعرفه تلك الجهات عنه.

من الخصوصية إلى القوة

الخصوصية في هذا السياق ليست مجرد رغبة في إخفاء الأسرار فحتى الإنسان الذي يقول إنه لا يملك شيئًا يخفيه يظل يملك حقًا في ألا تتحول كل تفاصيل حياته إلى مادة للتحليل لأن السؤال لا يتعلق بما إذا كانت المعلومة محرجة أم لا بل بمن يملك حق جمعها والاحتفاظ بها وربطها بمعلومات أخرى واستخدامها في المستقبل.

الإنسان كمعادلة

كلما زادت قدرة الأنظمة على تحليل السلوك ظهر إغراء قديم في صورة جديدة وهو اختزال الإنسان إلى مجموعة من الأنماط فالخوارزمية لا تعرف القصة الكاملة لحياة شخص ما لكنها تستطيع بناء احتمالات عنه وهنا يكمن الخطر في اللحظة التي نمنح فيها هذه الاحتمالات سلطة أكبر من الواقع نفسه لأن الإنسان ليس دائمًا نسخة من عاداته السابقة وليس كل ما يمكن توقعه يجب أن يتحول إلى حكم عليه.

من يكتب اختياراتنا

الاختيار الحر لا يعني فقط أن تكون أمام الإنسان مجموعة من الأزرار ليضغط أحدها لأن شكل الاختيار نفسه يتأثر بما يظهر وما يختفي وما يتكرر وما يتم اقتراحه ولهذا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا في العالم الرقمي هل نختار فعلًا من بين احتمالات مفتوحة أم نتحرك داخل بيئة تعرف كيف تجعل بعض الطرق أكثر وضوحًا وإغراء من طرق أخرى.

اقتصاد لا يطلب الإذن دائمًا

الكتاب يلفت الانتباه إلى فكرة أساسية وهي أن التحولات الكبرى في الاقتصاد الرقمي حدثت أسرع من قدرة المجتمع على فهمها فالتكنولوجيا تتطور بسرعة بينما القوانين والأعراف والنقاشات العامة تحتاج إلى وقت وهكذا قد يجد الإنسان نفسه يعيش داخل نظام جديد قبل أن يعرف القواعد التي تحكمه أو حجم السلطة التي منحها للآخرين مقابل خدمات يستخدمها كل يوم.

المراقبة ليست دائمًا كاميرا

الصورة التقليدية للمراقبة ترتبط بكاميرا تتابع الإنسان من مكان بعيد لكن المراقبة الحديثة قد تكون أقل وضوحًا وأكثر انتشارًا لأنها تتم من خلال آثار رقمية لا نراها فالبحث والموقع والشراء والتفاعل والوقت يمكن أن تصبح جميعها أجزاء من صورة أكبر لا تظهر أمام صاحبها كاملة.

التكنولوجيا ليست المتهم الوحيد

الكتاب لا يقدم رفضًا بسيطًا للتكنولوجيا لأن المشكلة ليست في وجود الإنترنت أو الهواتف الذكية نفسها بل في النموذج الاقتصادي الذي يمكن أن يستخدم التكنولوجيا لتحقيق أهداف معينة والأداة التي تستطيع أن تساعد الإنسان يمكن أن تصبح أيضًا وسيلة لجمع معرفة واسعة عنه ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كنا نحب التكنولوجيا أو نكرهها بل بمن يضع قواعد استخدامها ولأي غرض.

المستقبل الذي يعرفنا قبل أن نصل إليه

ربما كان أكثر ما يثير القلق في أفكار الكتاب هو احتمال أن يصبح المستقبل نفسه مجالًا للمنافسة التجارية فإذا كانت المؤسسات تستطيع التنبؤ باحتمالات سلوكنا ثم التأثير في الظروف التي تدفعنا نحو سلوك معين فإن الإنسان قد يواجه شكلًا جديدًا من القوة لا يعمل بعد وقوع الحدث بل يحاول التدخل قبل أن يحدث.

الحق في مساحة لا يعرفها أحد

الحياة الإنسانية تحتاج إلى مناطق لا تخضع للحساب المستمر لأن الإنسان يتغير ويتردد ويجرب ويخطئ ويتخذ قرارات لا يمكن التنبؤ بها وهذه المساحة من عدم اليقين ليست عيبًا يحتاج إلى إصلاح بل جزء من الحرية نفسها وربما لا يكون الخطر في أن تعرف الأنظمة الكثير عنا فقط بل في أن يصبح كل شيء في حياتنا قابلًا للمعرفة والتوقع والتوجيه.

السؤال الذي تركته البيانات خلفنا

بعد قراءة The Age of Surveillance Capitalism يصبح من الصعب النظر إلى العالم الرقمي بالطريقة القديمة لأن السؤال لم يعد يتعلق فقط بما نحصل عليه من التكنولوجيا بل بما تقدمه التكنولوجيا في المقابل ومن يدفع الثمن ومن يملك ما ينتج عن حياتنا اليومية.

ربما نفتح الهاتف لأننا نريد أن نعرف شيئًا لكن في الجهة الأخرى قد يكون هناك نظام يريد أن يعرفنا نحن وربما نستخدم الخدمات لأنها تجعل حياتنا أسهل دون أن نتوقف طويلًا أمام السؤال الأصعب ماذا يحدث عندما تتحول كل خطوة نأخذها وكل اختيار نكرره وكل لحظة نقضيها إلى معلومة قابلة للاستثمار.

الإنسان في النهاية ليس منتجًا ولا مجموعة من الأرقام ولا توقعًا إحصائيًا لما سيفعله غدًا وربما تبدأ حماية المستقبل من لحظة بسيطة ندرك فيها أن السؤال ليس فقط ماذا نترك على الإنترنت بل من يلتقط ما نتركه وماذا يستطيع أن يفعل به.

حقوق النشر

هذه القراءة تقدم معالجة تحليلية لأفكار كتاب The Age of Surveillance Capitalism ولا تمثل ترجمة أو نقلًا للنص الأصلي ويحتفظ المؤلف والناشر بكامل حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالكتاب.

بطاقة تعريفية

العنوان: The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power

المؤلف: Shoshana Zuboff

دار النشر: PublicAffairs

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الأولى: 2019

سنة النشر: 2019

عدد الصفحات: 704 صفحة

 

ISBN: 9781610395694

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *