قراءة في كتاب مبدأ 80/20 – ريتشارد كوك

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يقوم كتاب “مبدأ 80/20” لريتشارد كوك على فكرة بسيطة لكنها شديدة التأثير: في كثير من جوانب الحياة والعمل، لا تتوزع النتائج بالتساوي على الأسباب التي تؤدي إليها، فقد يأتي الجزء الأكبر من النتائج من جزء صغير نسبيا من الجهد أو الموارد، ويعرف هذا باسم مبدأ 80/20، الذي ارتبط في الأصل بالاقتصادي الإيطالي فيلفريدو باريتو، الذي لاحظ أن جزءا كبيرا من الثروة كان مملوكا لنسبة صغيرة من السكان، ومع الوقت اتضح أن النمط نفسه يظهر في مجالات كثيرة، بحيث يمكن أن ينتج عدد قليل من الأسباب معظم النتائج.

لا يقصد كوك أن النسبة يجب أن تكون دائمًا 80% مقابل 20% بالضبط، وإنما يستخدمها كطريقة للتفكير. فقد تكون في بعض الحالات 70/30 أو 90/10 أو حتى 95/5، المهم هو اكتشاف عدم التوازن بين المدخلات والمخرجات، فربما يأتي معظم دخلك من عدد قليل من العملاء، أو تحقق معظم نتائجك من عدد محدود من الأنشطة، أو تكون نسبة صغيرة من مشكلات العمل مسؤولة عن معظم الخسائر، وعندما تدرك هذا التفاوت، يصبح بإمكانك توجيه وقتك وطاقتك إلى الأشياء الأكثر تأثيرا.

يرى كوك أن المشكلة الأساسية في الطريقة التقليدية للتعامل مع العمل هي افتراض أن كل الأشياء متساوية في الأهمية، فنحن نميل إلى تقسيم الوقت بالتساوي بين المهام، ونعتقد أن زيادة ساعات العمل تؤدي بالضرورة إلى زيادة النتائج، لكن الواقع قد يكون مختلفا تماما، فقد تقضي ساعات طويلة في أنشطة لا تضيف قيمة كبيرة، بينما توجد مهمة واحدة أو مجموعة صغيرة من المهام قادرة على إحداث تغيير أكبر بكثير، لذلك فإن السؤال الأهم ليس كيف أعمل أكثر؟، وإنما أين أضع جهدي حتى أحصل على أكبر نتيجة؟.

ويطبق المؤلف هذا المبدأ على إدارة الوقت بصورة خاصة، فالوقت مورد محدود ولا يمكن زيادته، ولذلك يجب التعامل معه بذكاء، عندما يكتشف الإنسان الأنشطة التي تمنحه أكبر قدر من النتائج أو الرضا، يستطيع تقليل الوقت الذي يخصصه للأمور قليلة القيمة، وزيادة الوقت المخصص للأشياء المهمة، وهذا لا يعني الكسل أو تجاهل المسؤوليات، وإنما يعني التخلص من الاعتقاد بأن الانشغال الدائم دليل على الإنتاجية.

ومن الأفكار المهمة في الكتاب أن الإنسان غالبا ما يملك مجموعة صغيرة من الأنشطة التي تحقق له معظم النجاح، فقد يكون هناك عدد قليل من العملاء الأكثر ربحية، أو مجموعة محدودة من المنتجات التي تحقق الجزء الأكبر من الأرباح، أو مهارات معينة تجعل الشخص أكثر قيمة من غيرها، لذلك ينصح كوك بالبحث عن هذه الأشياء القليلة الحيوية بدلا من توزيع الاهتمام بالتساوي على كل شيء.

ويمتد الأمر إلى العلاقات أيضا، ليست كل العلاقات متساوية من حيث تأثيرها على حياتنا، هناك أشخاص يمنحوننا الدعم والإلهام والطاقة، وهناك علاقات تستنزفنا دون أن تضيف قيمة حقيقية، ومن منظور مبدأ 80/20، من المفيد أن نلاحظ أي العلاقات تجعل حياتنا أفضل، وأن نمنحها قدرا أكبر من الوقت والاهتمام، بدلا من محاولة إرضاء الجميع بالدرجة نفسها.

وفي مجال الأعمال، يرى كوك أن تطبيق المبدأ يمكن أن يؤدي إلى نتائج كبيرة، يمكن للشركة أن تكتشف أن نسبة صغيرة من منتجاتها تحقق معظم أرباحها، أو أن مجموعة محدودة من العملاء مسؤولة عن معظم الإيرادات، أو أن عددا قليلا من المشكلات يتسبب في أغلب شكاوى العملاء، عندما تعرف المؤسسة هذه النقاط المؤثرة، يمكنها تركيز مواردها عليها بدلا من إهدار الوقت في تحسين كل شيء بالدرجة نفسها.

لكن تطبيق مبدأ 80/20 لا يعني ببساطة التخلي عن كل ما يمثل نسبة الـ80%، الفكرة هي فهم القيمة النسبية لكل نشاط، بعض الأعمال ضرورية حتى لو لم تحقق نتائج مباشرة، وبعض الأنشطة الصغيرة قد تكون مهمة لأنها تحافظ على استقرار النظام بأكمله، لذلك يجب استخدام المبدأ كأداة للتحليل واتخاذ القرار، وليس كقاعدة الية تطبق دون تفكير.

ويتحدث كوك أيضا عن أهمية التبسيط، فكلما أصبحت الحياة أو المؤسسة أكثر تعقيدا، زادت الموارد المطلوبة لإدارتها، بينما يؤدي تبسيط المنتجات والخدمات والإجراءات إلى تركيز الجهد على الأشياء التي تحقق القيمة الحقيقية، لذلك فإن التخلص من الأنشطة غير الضرورية قد يكون أكثر فاعلية من إضافة أنشطة جديدة باستمرار.

ومن الأفكار التي يؤكد عليها الكتاب أن النجاح غالبا ما يأتي من التركيز وليس من محاولة القيام بكل شيء، الشخص الذي يحاول تطوير عشرات المهارات في الوقت نفسه قد لا يصبح متميزا في أي منها، بينما الشخص الذي يكتشف المجال الذي يمتلك فيه قدرة حقيقية ثم يستثمر فيه بعمق يمكن أن يحقق نتائج أكبر بكثير، وهذا ينطبق على الشركات كذلك، فالتخصص والتركيز يمكن أن يمنحا المؤسسة ميزة يصعب على المنافسين تقليدها.

ويرى كوك أن مبدأ 80/20 يمكن أن يساعد الإنسان على التفكير بطريقة مختلفة في النمو، بدلا من الاعتقاد بأن تحقيق نتائج أفضل يتطلب دائما مضاعفة الجهد، يمكن البحث عن الطرق التي تجعل الجهد أكثر فاعلية، فقد يكون تغيير طريقة العمل، أو التخلص من خطوة غير ضرورية، أو التركيز على نوع معين من العملاء، أكثر تأثيرا من العمل لساعات أطول.

كما يشجع الكتاب على تجربة الأفكار بدلا من الاكتفاء بالتخطيط النظري لها، فإذا كانت هناك طريقة جديدة يمكن أن تزيد النتائج بتكلفة قليلة، فمن الأفضل اختبارها ومراقبة النتائج، فالهدف من مبدأ 80/20 ليس الوصول إلى تفسير مثالي لكل شيء، وإنما استخدام البيانات والتجربة لاكتشاف ما يعمل بصورة أفضل.

وفي النهاية، يوجه الكتاب القارئ إلى إعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها إلى الوقت والعمل والنجاح، الحياة ليست نظاما تتساوى فيه قيمة كل دقيقة وكل مهمة وكل شخص وكل منتج، هناك أشياء قليلة يمكن أن تصنع فرقا كبيرا، وهناك أشياء كثيرة تستهلك وقتا وطاقة دون تأثير مماثل والذكاء الحقيقي هو القدرة على اكتشاف هذا الفرق.

والرسالة الأساسية للكتاب أن الإنجاز لا يرتبط دائما بكمية الجهد، وإنما بجودة توجيه الجهد، عندما تعرف أين توجد النتائج الأكبر، يمكنك أن تعمل بصورة أقل عشوائية وأكثر تركيزا، لذلك فإن السؤال الذي يمكن أن نخرج به من الكتاب هو: ما هي نسبة الـ20% في حياتي التي تحقق لي 80% من النتائج؟ ثم يأتي السؤال الآخر الأكثر أهمية: كيف أزيد استثماري فيها وأقلل ما يشتتني عنها؟ وهنا يتحول مبدأ 80/20 من مجرد قاعدة إدارية إلى طريقة عملية للنظر إلى الحياة واتخاذ القرارات.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: مبدأ 80/20 — The 80/20 Principle: The Secret to Achieving More with Less

المؤلف: ريتشارد كوك (Richard Koch)

دار النشر: Nicholas Brealey Publishing

بلد النشر: المملكة المتحدة

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1997

عدد الصفحات: 208 صفحات تقريبًا، حسب الطبعة

رقم الإيداع: يختلف حسب الطبعة

ISBN: 9781857883310

_______________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *