قراءة في كتاب تجاوز مستويات الوعي

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

وهذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ويسعى ديفيد هاوكينز في هذا العمل إلى تقديم دليل عملي لخريطة مستويات الوعي التي وضعها سابقاً، حيث يتجاوز مجرد الوصف النظري لحالات الوعي الإنساني إلى معالجة كيفية التحرر من العوائق الذاتية والمشاعر السلبية التي تُبقي الإنسان محتجزاً في المستويات الدنيا مثل الخوف والذنب والغضب.

ورسالته الأساسية هي أن النمو الروحي والنفسي ليس عملية إضافة معارف جديدة، بل عملية إزالة وتجاوز للموانع والبرمجيات الذهنية التي تحجب الوعي الخالص والذكاء الفطري للإنسان.

الأفكار القائمة عليها الكتاب، هي  خريطة الوعي المدرجة، حيث أن تقسيم مستويات الوعي من 1 إلى 1000 بناء على معايرة طاقية ونفسية، تمتد من العار والخوف وصولاً إلى الشجاعة والحب والاستنارة، والفرق بين القوة والإكراه، حيث أن التمييز بين “القوة الذاتية الداخلية” القائمة على المحبة والحقيقة، وبين “الإكراه والضغط” القائم على الخوف والسيطرة والأنا.

ووفق الكتاب فأن التخلي عن التعلق بالأفكار والمشاعر السلبية والسماح لها بالمرور دون مقاومة أو إصدار أحكام، كطريقة للارتقاء في المستويات، وفهم هيكلية “الأنا” بوصفها مجموعة من القناعات والانحيازات التي تسعى دائماً للبقاء على قيد الحياة عبر التمسك بالحق والسيطرة على الآخرين.

وبعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن المعاناة الإنسانية ليست ناتجة عن الأحداث الخارجية في حد ذاتها، بل عن مستوى الوعي الذي يتلقى به الفرد هذه الأحداث ويؤولها، والتحول من مستويات الوعي السلبية إلى المستويات الإيجابية يبدأ عند مستوى “الشجاعة” (معايرة 200)، حيث يتحمل الفرد مسؤولية خياراته وأفكاره، و إدراك طبيعة الأنا وفحص معتقداتها الحاكمة هو الخطوة الأولى لتفكيك القبضة الشديدة للحدود الذاتية والتحرر من عقارب الماضين والممارسة المستمرة للتسليم وتجاوز المواقف الدقيقة تصنع تراكماً معرفياً وروحيًا يعيد رسم رؤية الإنسان لنفسه وللعالم من حوله.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه، هي أن الباحثون عن التعمق في مجالات النمو الشخصي والارتقاء النفسي والروحي، والأخصائيون في مجالات العلاج النفسي والاستشارات المعتمدة على المدارس المعرفية والوعي الذاتي، والأفراد الذين يسعون لتجاوز الصدمات والمشاعر السلبية المزمنة عبر أساليب التحرر الذاتي، والمهتمون بدراسة الفلسفة النفسية وفهم ميكانيزمات الأنا وآليات صناعة الواقع الفردي.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي نقاط القوة وهي

تقديم شرح مفصل ودقيق لكل مستوى من مستويات الوعي وكيفية معالجته وتجاوزه خطوة بخطوة، والمزج الفكري بين العلم النفسي الغربي والتأملات الفلسفية الشرقية في إطار تطبيقي موجه للحياة اليومية، والتركيز على الأدوات العملية مثل أسلوب التحرر وتسليم المشاعر بدلاً من الاكتفاء بالتنظير الفكري.

أما نقاط الضعف وهي الاعتماد على اختبار العضلات كأداة لقياس مستويات الوعي، وهو مفهوم يواجه انتقادات علمية وأكاديمية واسعة من حيث الدقة والمنهجية، وتكرار بعض الأفكار والمفاهيم الأساسية في عدة فصول، مما يعطي انطباعاً بالطول والإطناب في بعض مواضع الشرح.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش، وهي مدى علمية معايرة الوعي، وهي إلى أي مدى يمكن اعتبار الأرقام والقياسات الرقمية للمستويات الروحية والنفسية أرقاماً موضوعية وليست مجرد نماذج رمزية توضيحية؟، وإشكالية التخلي عن الأنا بالكامل، هل يمكن للإنسان أن يعمل بفعالية في مجتمعاتنا الحديثة القائمة على المنافسة والإنجاز دون وجود قدر من آليات “الأنا” للدفاع والتطور؟

وضمن المفاهيم التي تحتاج نقاش هي كيف يتفاعل نموذج هاوكينز مع الظروف البيئية والاجتماعية القاهرة التي قد تحد بشكل كبير من قدرة الفرد على تجاوز مستويات الوعي المتدنية؟

 

الكلمة الأخيرة :

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وسعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

 

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: تجاوز مستويات الوعي

المؤلف: ديفيد آر هاوكينز

دار النشر: الخيال للنشر والتوزيع

بلد النشر: لبنان

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 432 صفحة

ISBN: 978-9953-586-37-3

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *