رحله داخل الخوف والمرض

 

خوف بلا أسنان

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

ماذا يحدث للإنسان عندما يتحول الخوف من شعور عابر إلى طريقة للحياة عندما يصبح الخوف جزءا من تفاصيل الصباح والعمل والشارع والبيت والحلم وحتى طريقة الإنسان في التفكير في مستقبله هنا تبدأ رواية خوف بلا أسنان لحليم يوسف من منطقة شديدة القسوة لأنها لا تبحث عن الخوف باعتباره لحظة رعب وإنما تنظر إليه باعتباره نظاما كاملا يعيش داخله الإنسان دون أن يشعر أحيانا بأنه يعيش في سجن

حليم يوسف الكاتب السوري المولود في عامودا والذي يكتب بالعربية والكردية ويقيم في ألمانيا منذ عام 2000 يعود في هذه الرواية إلى مساحة جغرافية وتاريخية شديدة الحساسية حيث تتقاطع سوريا وتركيا والعراق وإيران وتتحول الحدود السياسية إلى حدود داخل الإنسان نفسه وقد صدرت الرواية بالكردية عام 2006 ثم ظهرت ترجمتها العربية عن دار نون بترجمة فواز عبدي

تتحرك الرواية حول موسى القامشلوكي الذي تتحول حياته إلى رحلة طويلة داخل الخوف والمرض والذاكرة والسياسة والوطن والمنفى ولا يبدو الخوف فيها شيئا خارجيا يطارده من شارع إلى شارع وإنما يصبح قوة تسكن داخله وتعيد تشكيل نظرته إلى كل شيء طفولته وشبابه وعلاقته بالمكان وإحساسه بذاته وحتى علاقته بفكرة الوطن

طفولة موسى نفسها تكشف كيف يمكن للمجتمع أن يصنع الخوف قبل أن يفهم الطفل معناه فالمرض والمعتقدات الشعبية وطرق العلاج والخوف من المجهول كلها تدخل في تكوين وعي مبكر يجعل الإنسان يتعلم أن العالم مكان يمكن أن يؤذيه في أي لحظة وتصبح التجربة الشخصية الصغيرة صورة مصغرة عن تجربة مجتمع كامل يعيش تحت ضغط الخوف

ثم يكبر موسى ليكتشف أن الخوف لم يكن مجرد جزء من طفولته بل كان موجودا في المجال العام أيضا فالسلطة السياسية والملاحقة الأمنية والقمع تجعل الخوف مؤسسة غير معلنة لها حضورها في تفاصيل الحياة اليومية ويصبح الإنسان مطالبا بأن يراقب كلماته وحركاته وعلاقاته وحتى أحلامه لأن الخطر لا يحتاج دائما إلى أن يظهر بشكل مباشر حتى يكون موجودا

هنا تأتي أهمية عنوان الرواية خوف بلا أسنان فالخوف في ظاهره يبدو بلا قدرة على العض لكنه في الحقيقة يستطيع أن يفعل شيئا أخطر من العض يستطيع أن يجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه وحين ينجح الخوف في الوصول إلى هذه المرحلة لا يعود بحاجة إلى شرطي يقف خلف كل شخص لأن الشخص نفسه يصبح حارسا على أفكاره وكلماته

تصل الرواية إلى لحظة تاريخية مفصلية مرتبطة بأحداث الثاني عشر من آذار عام 2004 حين تهتز المنطقة ويبدأ جدار الخوف الذي ظل قائما لسنوات في التشقق وتتحول الأحداث إلى نقطة فاصلة في مصائر الشخصيات

ذلك اليوم لا يظهر باعتباره تاريخا منفصلا عن حياة الناس وإنما باعتباره انفجارا لكل ما تراكم داخلهم سنوات طويلة فالخوف الذي كان يبدو مستقرا ومتماسكا يكتشف فجأة أن له نقطة ضعف وأن الإنسان الذي اعتاد الصمت يستطيع في لحظة ما أن يكتشف أن الخوف ليس قدرا أبديا

لكن الرواية لا تقدم التحرر من الخوف بصورة رومانسية سهلة فالخروج من المكان لا يعني بالضرورة الخروج من الخوف والهجرة لا تمسح الذاكرة والمنفى لا يلغي الماضي ولذلك تتحول رحلة الشخصيات من رحلة هروب جغرافي إلى رحلة بحث عن معنى يمكن للإنسان أن يعيش من أجله

تظهر هذه الفكرة بقوة في علاقة موسى بالوطن فهو لا يراه دائما باعتباره المكان الجميل الذي يحن إليه الإنسان عندما يبتعد بل يشعر أحيانا بأن المكان نفسه أصبح عبئا يضيق حوله كحلقة حديدية ومع ذلك يبقى السؤال الأصعب هل المشكلة في الأرض أم في النظام الذي جعل الإنسان عاجزا عن الشعور بأنها أرضه وهنا تتحول فكرة الوطن من جغرافيا إلى تجربة نفسية معقدة

الرواية كذلك لا تفصل السياسة عن الحياة اليومية فالخوف السياسي يدخل إلى تفاصيل تبدو عادية ويغير معنى المرض والحب والعمل والعائلة والشارع وحتى النوم ولذلك تبدو الشخصيات وكأنها تحمل تاريخا كاملا داخل أجسادها وكل واحد منها يحاول أن يجد طريقة للبقاء دون أن يفقد ما تبقى من إنسانيته

أسلوب حليم يوسف يعتمد على تداخل المصائر والذكريات والأحداث فلا تسير الحكاية كخط مستقيم بسيط وإنما تتحرك بين الشخصيات والأزمنة والمكان لتصنع صورة أوسع من قصة فرد واحد وهذا ما يجعل موسى أقرب إلى مرآة لجيل كامل عاش الخوف ثم حاول أن يفهمه ويهرب منه ويواجهه في الوقت نفسه

القيمة الأهم في الرواية أنها تجعل القارئ يعيد التفكير في معنى الخوف نفسه فالخوف ليس دائما صراخا أو مطاردة أو سجنا أحيانا يكون نظرة قصيرة قبل الكلام وأحيانا يكون كلمة لم نقلها وأحيانا يكون قرارا لم نتخذه لأننا توقعنا العواقب قبل أن تحدث

تلك هي قوة الخوف الحقيقية أنه لا يحتاج إلى أسنان كي يؤلمك يكفي أن يجعلك تصدق أنك عاجز وأن الطريق مغلق وأن الصمت أكثر أمانا من الكلام وأن النجاة تعني فقط أن تمر من اليوم دون مشكلة

لكن الرواية تترك شقوقا في هذا الجدار أيضا فحين يتراكم الخوف إلى درجة معينة يبدأ الإنسان في اكتشاف مفارقته الكبرى كلما حاول الخوف أن يمنع الإنسان من الحركة كلما دفعه أحيانا إلى البحث عن طريق جديد وكلما حاول أن يجعل الماضي سجنا أصبحت الذاكرة نفسها وسيلة لكشف السجن

خوف بلا أسنان ليست رواية عن الخوف فقط بل عن الإنسان عندما يعيش سنوات طويلة تحت ظله وعن الذاكرة عندما تتحول إلى وطن بديل وعن الوطن عندما يتحول من مكان نشتاق إليه إلى سؤال يؤلمنا وعن الحرية عندما تصبح شيئا أكبر من مجرد عبور الحدود

وحين يغلق القارئ صفحات الرواية لا يبقى السؤال الحقيقي هو كيف يهرب الإنسان من الخوف بل كيف يعرف أن الخوف انتهى فعلا لأن أصعب أنواع الخوف هو ذلك الذي يستمر بعد اختفاء سببه وحين يستطيع الإنسان أن يكتشف أن الوحش الذي كان يخشاه لم تعد له أسنان ربما تكون اللحظة الأولى التي يستطيع فيها أن ينظر إليه دون أن يخفض عينيه

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق الكتاب الأصلي محفوظة لمؤلفه وناشره وأصحاب الحقوق المعنيين.

بطاقة التعريف

العنوان خوف بلا أسنان

المؤلف حليم يوسف

المترجم فواز عبدي

الناشر دار نون للنشر

بلد النشر الإمارات

الطبعة الأولى بالعربية

سنة النشر 2015

عدد الصفحات 216 صفحة

رقم الإيداع غير متاح في المصادر التي تم التحقق منها

ISBN 9789187373381

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *