“بين الثقافة والقيادة.. لماذا لا تنجح الإدارة نفسها في كل المجتمعات؟”

تلخيص: رامي البنا

قراءة صحفية تحليلية في كتاب “Culture africaine, organisation et leadership. Retours d’expérience d’un PDG” للكاتب السنغالي Tijane Sylla

 

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

 

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

١ـ رسالة الكاتب للقارئ

يبدأ Tijane Sylla من سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه شديد التعقيد في الواقع، هل يمكن أن تنجح الطريقة الإدارية نفسها في كل مكان؟

 

ومن خلال تجربته داخل المؤسسات، يضع الكاتب الإنسان في قلب العملية الإدارية، فالمؤسسة ليست جدراناً ومكاتب ولوائح، وإنما بشر يحمل كل واحد منهم تاريخاً وثقافة وقناعات وتجارب تؤثر في طريقته في العمل والتواصل واتخاذ القرار.

 

ومن هنا تأتي الفكرة المركزية للكتاب، وهي أن الإدارة لا يمكن أن تنفصل عن البيئة التي تعمل داخلها، وأن فهم الثقافة لا يعني الاستسلام لها، وإنما يعني معرفة الواقع أولاً حتى يمكن تطويره بصورة أكثر ذكاءً وواقعية.

 

٢ـ الأفكار القائمة عليها الكتاب

يركز الكتاب على العلاقة بين الثقافة الأفريقية والتنظيم والقيادة، ويحاول الابتعاد عن الصورة النمطية التي تنظر إلى الثقافة باعتبارها مجموعة من الصفات الثابتة التي تفسر كل شيء.

 

ويستند المؤلف إلى تجربته المهنية وإلى خلفيته في علم النفس الصناعي ليقرأ المؤسسة من زاوية مختلفة، زاوية الإنسان الذي يعمل داخلها، ويتأثر بمناخها، ويؤثر في طريقة عملها.

 

ومن هنا يطرح الكتاب سؤالاً مهماً حول العلاقة بين النظريات الإدارية والتجربة العملية، فالنظرية يمكن أن تمنح المدير خريطة، لكنها لا تخبره دائماً بما سيجده في الطريق.

 

٣ـ بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند عليها الكاتب وهي أن:

المؤسسة ليست مجرد هيكل تنظيمي، وإنما كيان إنساني تتحرك داخله مجموعة من الشخصيات والقيم والتجارب.

 

كما أن الإدارة الناجحة تحتاج إلى قراءة البيئة التي تعمل فيها، لأن الأساليب التي تحقق نتائج جيدة في مجتمع معين قد تحتاج إلى إعادة صياغة عندما تنتقل إلى مجتمع آخر.

 

ويؤكد الكتاب أهمية الخبرة العملية، لأن المدير قد يقرأ عشرات الكتب عن القيادة، لكنه لن يعرف تعقيدات البشر والمؤسسات إلا عندما يواجه المواقف الحقيقية، ويكتشف أن بعض القرارات التي تبدو سهلة على الورق تصبح أكثر تعقيداً عندما تدخل إلى الحياة اليومية.

 

٤ـ الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يخاطب الكتاب المديرين والقيادات التنفيذية، والباحثين في الإدارة والقيادة، وطلاب الإدارة وعلم النفس الصناعي، والعاملين في الشركات والمؤسسات.

 

كما يهم كل من يريد فهم المؤسسات الأفريقية بعيداً عن القوالب الجاهزة، ويرى أن الإنسان داخل المؤسسة ليس رقماً في جدول أو اسماً في كشف موظفين، وإنما عنصر أساسي في نجاح المؤسسة أو تعثرها.

 

٥ـ أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

من أهم نقاط قوة الكتاب أن مؤلفه يجمع بين الخلفية النفسية والخبرة الإدارية، وهو ما يمنحه قدرة على النظر إلى المؤسسة باعتبارها مكاناً للعمل ومكاناً تتفاعل داخله الشخصيات والمشاعر والثقافات.

 

كما أن نقد التفسيرات الثقافية الجاهزة يمثل إضافة مهمة، لأنه يمنع القارئ من الوقوع في فخ اختزال المجتمعات في مجموعة من الصفات الثابتة.

 

أما بالنسبة إلى القارئ الذي يبحث عن دليل عملي سريع لإدارة الموظفين، فقد يجد أن الكتاب يميل أكثر إلى التجربة والتحليل والتأمل الفكري، بدلاً من تقديم وصفات جاهزة أو خطوات تنفيذية مباشرة.

 

٦ـ ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أبرزها مفهوم الثقافة داخل المؤسسة، فالثقافة ليست شيئاً جامداً يعيش خارج الزمن، وإنما تتغير مع التعليم والتكنولوجيا والعولمة وتغير الأجيال وطبيعة سوق العمل.

 

ولهذا فإن فهم الثقافة يجب ألا يتحول إلى مبرر لتبرير ضعف الإدارة أو مقاومة التطوير، وإنما ينبغي أن يكون وسيلة لفهم الواقع ثم البحث عن الطريقة المناسبة لتطويره.

 

فالمدير الناجح لا يحارب الثقافة ولا يستسلم لها، وإنما يحاول أن يفهمها، ويعرف نقاط قوتها، ويدرك ما يحتاج إلى تغيير، ثم يبني نظاماً قادراً على الجمع بين الإنسان والتنظيم والهدف.

 

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

 

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

 

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: “Culture africaine, organisation et leadership. Retours d’expérience d’un PDG”

المؤلف: Tijane Sylla – تيجان سيلا

دار النشر: L’Harmattan Sénégal

بلد النشر: السنغال

سنة النشر: 2022

عدد الصفحات: نحو 178 صفحة

ISBN: 978-2-14-029682-6

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *