هل نحن علي اعتاب عاصفه عالميه

The Coming Storm

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

ماذا لو لم تكن الحروب الكبرى تبدأ عندما يقرر أحدهم إشعالها وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة عندما تتراكم المخاوف وتتغير موازين القوة ويبدأ كل طرف في الاعتقاد أن الطرف الآخر يستعد لضربه هذا السؤال يقودنا إلى قلب كتاب العاصفة القادمة للمؤرخ النرويجي أود أرنه وستاد الذي يحاول قراءة اللحظة الدولية الحالية من خلال واحدة من أخطر فترات التاريخ الحديث وهي السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى

العالم الذي نعيش فيه يبدو مختلفًا تمامًا عن عالم عام 1914 لكن التشابهات التي يضعها الكتاب أمامنا تثير القلق فالقوى الكبرى تتنافس على النفوذ والأسواق والتكنولوجيا والمناطق الاستراتيجية والقوة العسكرية وفي الوقت نفسه تتراجع الثقة في قدرة النظام الدولي على منع الصدام ويصبح الخط الفاصل بين المنافسة والتصعيد أرفع يومًا بعد يوم

التاريخ هنا لا يظهر باعتباره مجموعة من الأحداث القديمة التي انتهت وإنما باعتباره سجلًا للأخطاء البشرية فالقوى الأوروبية قبل الحرب العالمية الأولى لم تكن تستيقظ كل صباح وهي تخطط لحرب عالمية شاملة بل كانت تتحرك داخل شبكة معقدة من التحالفات والمخاوف والحسابات العسكرية والمنافسات القومية وكل قرار كان يبدو منطقيًا عندما يُتخذ منفردًا لكن مجموع القرارات قاد الجميع إلى كارثة لم يكن كثيرون يتخيلون حجمها

الدرس الأخطر أن النوايا الحسنة لا تكفي عندما يصبح النظام الدولي مليئًا بسوء التقدير فالدولة التي تزيد إنفاقها العسكري لأنها تخشى جارتها تجعل الجارة أكثر خوفًا والدولة التي تعقد تحالفًا لحماية نفسها قد تجعل خصمها يرى التحالف تهديدًا مباشرًا وكل طرف يبدأ في قراءة تصرفات الآخر باعتبارها دليلًا على نوايا عدائية

هذا النوع من التفكير يمكن أن يتحول إلى دائرة مغلقة لا تحتاج إلى وجود قائد يريد الحرب من البداية يكفي وجود عدة قوى مقتنعة بأن التراجع سيجعلها أضعف وأن الاستعداد العسكري هو الطريق الوحيد للأمان

المشهد المعاصر يصبح أكثر تعقيدًا بسبب دخول التكنولوجيا إلى قلب المنافسة الدولية فالقوة لم تعد مرتبطة بعدد الجنود والطائرات والسفن فقط وإنما أصبحت مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والفضاء والقدرات النووية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا المتقدمة والتجارة العالمية ولذلك فإن الصراع بين القوى الكبرى أصبح يحدث في ساحات كثيرة في الوقت نفسه

الصين والولايات المتحدة وروسيا وقوى أخرى تتحرك داخل عالم لم يعد أحادي القطب كما بدا خلال السنوات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وهذا التحول يخلق مشكلة أساسية لأن النظام الدولي يكون أكثر قابلية للتوتر عندما تتغير موازين القوة بسرعة بينما تظل المؤسسات والقواعد مصممة لعالم مختلف

التاريخ يقدم مثالًا واضحًا على خطورة التحولات الكبرى ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر لم تكن مجرد دولة أوروبية جديدة تريد مكانًا أكبر وإنما كانت قوة اقتصادية وعسكرية صاعدة أعادت تشكيل الحسابات الأوروبية وصعودها دفع بريطانيا وفرنسا وروسيا إلى إعادة النظر في مواقعها وتحالفاتها وهكذا أصبحت المنافسة نفسها مصدرًا لإعادة ترتيب النظام

المشكلة لا تتوقف عند القوى الكبرى لأن القومية والشعبوية يمكن أن تضيفا وقودًا جديدًا للصراع فعندما يشعر المجتمع بأن بلاده تتعرض للإهانة أو أن مصالحه الاقتصادية مهددة يصبح الخطاب السياسي أكثر استعدادًا لاستخدام لغة القوة ويصبح التنازل أمام الخصم شيئًا يشبه الخيانة في نظر قطاعات من الرأي العام

تزداد خطورة هذه الحالة عندما تتراجع العولمة أو تتعرض لأزمات متتالية لأن التجارة التي كان يُفترض أن تجعل الدول أكثر ترابطًا قد تتحول إلى أداة ضغط سياسي فالتعريفات الجمركية والعقوبات وسلاسل التوريد والطاقة والتكنولوجيا كلها أصبحت جزءًا من أدوات الصراع الدولي

لكن الكتاب لا يقدم التاريخ باعتباره نبوءة فالتشابه بين الحاضر والماضي لا يعني أن النتيجة ستكون حربًا عالمية جديدة فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا وإنما يقدم أنماطًا يمكن للبشر فهمها قبل أن تتحول إلى كوارث

هذه النقطة تمنح الكتاب أهميته الحقيقية لأن التحذير ليس أن الحرب قادمة لا محالة وإنما أن الظروف التي تجعل الحرب ممكنة أصبحت أكثر وضوحًا وأن تجاهلها سيكون خطأً مكلفًا

الرد على هذه المخاطر لا يمكن أن يكون عسكريًا فقط لأن زيادة القوة العسكرية دون وجود قنوات فعالة للحوار قد تزيد الخوف بدلًا من أن تقلله المطلوب هو بناء قواعد تستطيع إدارة المنافسة قبل أن تتحول إلى مواجهة وتحالفات أكثر مرونة واتصالات مباشرة بين القوى الكبرى وآليات تمنع الحوادث الصغيرة من التحول إلى أزمات ضخمة

المفارقة أن العالم يمتلك اليوم أدوات لتدمير نفسه لم تكن موجودة قبل قرن بينما يملك في الوقت نفسه أدوات هائلة للتواصل والتعاون ومن هنا تصبح المشكلة سياسية وإنسانية قبل أن تكون عسكرية

أخطر ما يقدمه الكتاب ليس صورة صاروخ أو دبابة وإنما صورة عقل بشري محاصر بالخوف فالدول مثل البشر قد تتخذ قرارات سيئة عندما تشعر أنها محاصرة وقد تفسر استعدادات الآخرين باعتبارها هجومًا وشيكًا وقد تختار التصعيد لأنها تخشى أن يبدو التراجع ضعفًا

العالم لا يحتاج إلى حرب حتى يثبت أن موازين القوة تغيرت لكن العالم يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة حتى يمنع تغير موازين القوة من التحول إلى صراع شامل

التاريخ ترك لنا تحذيرات كثيرة وربما تكون المشكلة أننا نقرأها بعد وقوع الكارثة دائمًا أما القيمة الحقيقية للتاريخ فتظهر عندما نستخدمه قبل أن تتكرر الأخطاء

العاصفة القادمة ليست بالضرورة حربًا تنتظر موعدها وإنما قد تكون اللحظة التي تتراكم فيها المنافسة والخوف والقومية والتكنولوجيا وسوء التقدير حتى يصبح قرار صغير قادرًا على إشعال أزمة أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليها

وهنا يصبح السؤال الأصعب ليس هل يمكن أن تقع حرب كبرى وإنما هل يستطيع قادة العالم أن يتعلموا من التاريخ قبل أن يضطر التاريخ إلى تعليمهم بالطريقة الأكثر قسوة

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع حقوق الكتاب الأصلية محفوظة لمؤلفه وناشره وأصحاب الحقوق المعنيين.

Title
The Coming Storm

Author
Odd Arne Westad

Publisher
Allen Lane

Country of Publication
United Kingdom

Edition
First Edition

Year of Publication
2026

Number of Pages
256

Deposit Number
غير متاح

ISBN
9780241770573

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *