تمهيد
لماذا يظل بعض الناس أسرى لتصرفات ومشاعر سلبية يكررونها طوال حياتهم، رغم إدراكهم أنها تؤذيهم؟ من هذا السؤال ينطلق الدكتور إبراهيم الفقي، خبير التنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية الراحل، في كتاب صغير الحجم لكنه مكثف الأثر، يحاول أن يكشف للقارئ العربي آلية البرمجة الذهنية الخفية التي تتحكم في أفكاره ومشاعره وسلوكياته دون أن يدرك ذلك غالباً.
ماذا يريد الكاتب؟
يريد الفقي أن يمنح القارئ ثقافة عملية تمكّنه من التحكم في ذاته، عبر فهم كيف يبرمج الإنسان عقله منذ الصغر على معتقدات وتصرفات معينة تصبح لاحقاً قيوداً يصعب التخلص منها. يسعى المؤلف إلى إقناع القارئ بأنه ليس ضحية لظروفه أو لبرمجته القديمة، بل صاحب قدرة حقيقية على إعادة برمجة عقله الباطن بأفكار إيجابية جديدة، وأن تحمل المسؤولية الكاملة عن أفكاره واختياراته هو نقطة البداية الحتمية لأي تغيير فعلي.
لماذا هذا الكتاب؟
كتب إبراهيم الفقي، الذي شغل منصب الرئيس السابق لمجلس إدارة المركز الكندي للتنمية البشرية ومؤسس مجموعة شركاته العالمية، هذا الكتاب استجابة لملاحظته المتكررة في جلسات تدريبه أن معظم الناس يعيشون حياتهم “مبرمجين” منذ الطفولة على تصرفات ومعتقدات معينة عبر مؤثرات خارجية من الوالدين والمدرسة والأصدقاء ووسائل الإعلام، دون أن يتساءلوا يوماً عن مصدر هذه البرمجة أو صحتها. أراد أن يقدم للقارئ العربي أداة عملية موجزة، بعيداً عن التنظير الأكاديمي المطول، تساعده على كسر هذه الحلقة المفرغة من التصرفات السلبية المتكررة.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
- الاعتقاد هو أساس كل سلوك، ولكل اعتقاد مجموعة قوانين مبرمجة في العقل الباطن يتصرف الإنسان بناءً عليها.
- السلوك يتشكل عبر مصادر متعددة: المؤثرات الخارجية كالوالدين والمدرسة والأصدقاء ووسائل الإعلام.
- التحدث مع الذات “قاتل صامت” حين يكون سلبياً، إذ يرسل الإنسان لعقله الباطن إشارات تتحول تدريجياً إلى معتقدات راسخة.
- النتائج التي نحصل عليها من أفعالنا تغذي بدورها اعتقاداتنا عن أنفسنا، في حلقة ذاتية التعزيز.
- التفسير الشخصي للمواقف أهم من الموقف نفسه، فردة فعلنا تجاه أي حقيقة تحدد نجاحنا أكثر من الحقيقة ذاتها.
- إمكانية التسامح مع الآخرين مع الاستمرار في التعلم من التجارب، دون تكرار الأخطاء نفسها.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب هذا الكتاب المبتدئين في عالم التنمية البشرية الباحثين عن مدخل سهل وسريع لهذا المجال، والقراء الذين يفضلون الكتب الموجزة القائمة على قصص وأمثلة مباشرة بدلاً من التحليل النظري المطول، وكل من يشعر أنه محاصر بأنماط سلوكية أو عاطفية متكررة يريد فهم جذورها الحقيقية قبل محاولة تغييرها.
مميزات الكتاب:
يتميز الكتاب بإيجازه الشديد، إذ لا يتجاوز مئة وست وعشرين صفحة، ما يجعله سهل القراءة في جلسة أو جلستين، مع ذلك يقدم إطاراً مفاهيمياً واضحاً لفهم آلية تشكل السلوك والمعتقدات. كما يتميز باعتماده على قصص وأمثلة واقعية بسيطة، واقتباسات مختارة بعناية من مفكرين ومدربين مختلفين، تلخص كل خطوة من خطوات التحكم في الذات بطريقة سهلة التذكر، إلى جانب أسلوب الفقي المباشر الذي عُرف به في مسيرته التدريبية الطويلة.
قراءة صحفية:
يحتل كتاب “قوة التحكم في الذات” مكانة خاصة في مكتبة التنمية البشرية العربية، ليس لعمقه الأكاديمي، بل لكونه غالباً نقطة الدخول الأولى لكثير من القراء العرب إلى هذا المجال بأكمله، إذ يذكر كثير من القراء أنه كان أول كتاب اختاروه لبدء رحلتهم مع القراءة الجادة. يكمن سر هذا التأثير الواسع في بساطة الفقي الشديدة في طرح فكرة معقدة نسبياً، وهي آلية البرمجة العقلية اللاواعية، عبر لغة مباشرة خالية من المصطلحات الأكاديمية المعقدة، مستعيناً بأمثلة حياتية يستطيع أي قارئ عادي أن يتماهى معها فوراً.
ما يميز طرح الفقي هو تأكيده المتكرر على أن الإنسان ليس ضحية سلبية لظروفه أو لتربيته، بل شريك فعّال في صناعة واقعه عبر طريقة تفسيره للأحداث وحديثه الداخلي مع نفسه، وهي رسالة تحررية قوية تمنح القارئ شعوراً بالسيطرة على حياته بدلاً من الاستسلام لفكرة القدر المحتوم. ولا يخلو الكتاب من بعض المآخذ التي أشار إليها بعض القراء، من بينها وجود سرد وأمثلة قد تبدو أطول من اللازم قياساً بحجم الكتاب الصغير، وإمكانية اختصار بعض الأفكار الأساسية إلى مساحة أضيق دون أن يفقد الكتاب جوهر رسالته.
ورغم رحيل الفقي عام 2012، ظل هذا الكتاب تحديداً من أكثر مؤلفاته تداولاً وانتشاراً في العالم العربي، لما يقدمه من مدخل بسيط ومباشر لفكرة جوهرية في علم النفس المعاصر: أن التغيير الحقيقي يبدأ دائماً من الداخل، عبر إعادة النظر في الحوار الذي نجريه مع أنفسنا كل يوم، قبل أي محاولة لتغيير الظروف الخارجية المحيطة بنا.
ويستحق الانتباه أيضاً أن الفقي يوظف في هذا الكتاب خلفيته المهنية في البرمجة اللغوية العصبية، دون أن يثقل النص بمصطلحاتها التقنية، مكتفياً بترجمة مفاهيمها الأساسية، كتصنيف مصادر السلوك وتحليل الاعتقادات، إلى لغة عربية مبسطة يفهمها القارئ العادي بلا خلفية متخصصة. هذا الاختيار المنهجي يفسر جزئياً استمرار شعبية الكتاب بعد أكثر من عقدين من صدوره الأول، إذ يظل صالحاً كمدخل تمهيدي حتى لمن تعرفوا لاحقاً على مصادر أكثر تعمقاً في هذا المجال، سواء عربية أو مترجمة، لأنه يمنحهم إطاراً مفاهيمياً أولياً بسيطاً يمكن البناء عليه لاحقاً بمزيد من التفصيل والتعمق.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
- العنوان: قوة التحكم في الذات
- المؤلف: إبراهيم الفقي
- دار النشر: دار اليقين للنشر والتوزيع
- بلد النشر: مصر
- الطبعة: الأولى
- سنة النشر: 2008 (تاريخ الإصدار: 1 يناير 2008)
- عدد الصفحات: 126
- ISBN: 9789776451087







