قراءة في كتاب المضيف The Host للكاتبة ستيفاني ماير

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
______________________
تدور أحداث رواية “المضيف” في مستقبل أصبحت فيه الأرض تحت سيطرة كائنات فضائية تعرف باسم الأرواح هذه الكائنات لا تحتل الكوكب بالحروب والأسلحة، وإنما بطريقة أكثر هدوءا وخطورة، فهي تدخل أجساد البشر وتسيطر عليها، بينما تختفي شخصية الإنسان الأصلية ويستمر الجسد في حياته بصورة تبدو طبيعية، ومع انتشار الأرواح، تصبح البشرية على وشك الاختفاء، ولا يبقى خارج سيطرتها سوى مجموعات قليلة من البشر الذين يعيشون مختبئين ويحاولون مقاومة الاحتلال.

من بين هؤلاء البشر فتاة تدعى ميلاني سترايدر وهي واحدة من الأشخاص الذين نجحوا لفترة طويلة في الهرب من الأرواح، كانت ميلاني شديدة التعلق بأخيها الأصغر جيمي وبالرجل الذي تحبه جاريد، ولذلك لم تكن مستعدة لأن تستسلم بسهولة، عندما تقع في الأسر يتم زرع روح جديدة داخل جسدها، وهي روح تدعى واندررأي “المتجولة” وكان من المفترض أن تختفي شخصية ميلاني تماما بعد عملية الاستضافة، لكن ما يحدث يخالف كل ما تعرفه الأرواح، فميلاني لا تختفي بل تبقى حاضرة داخل عقلها وتبدأ في مقاومة واندرر والتحدث معها.

في البداية تشعر واندرر بالارتباك لأنها لم تواجه من قبل مضيفا يقاوم وجودها بهذه القوة، وكانت مهمتها الأساسية أن تصل إلى ذكريات ميلاني وتعرف منها مكان البشر المختبئين، ولذلك تبدأ في البحث داخل عقلها عن المعلومات التي تحتاج إليها، لكن ميلاني تستخدم ذكرياتها بطريقة مختلفة، فهي لا تمنح واندرر المعلومات التي تريدها بسهولة وإنما تغرق عقلها في صور جيمي وجاريد وتعيد أمامها مشاعر الحب والخوف والحنين التي كانت تحملها تجاههما.

مع مرور الوقت تبدأ واندرر في التأثر بما تراه، فالمفترض أن تنظر إلى البشر باعتبارهم كائنات عنيفة ومؤذية، لكن ذكريات ميلاني تجعلها ترى الجانب الآخر منهم ترى حبها لأخيها وخوفها عليه وتضحياتها من أجل جاريد وتبدأ في الشعور بمشاعر لم تكن تخصها في الأصل، وهنا تبدأ الفكرة الأساسية في الرواية بالظهور: إذا كانت الروح تستطيع أن تعيش داخل جسد الإنسان وتختبر ذكرياته ومشاعره، فهل يمكن أن تتغير نظرتها إلى البشر؟ وهل الإنسان مجرد جسد وذاكرة، أم أن هناك شيئًا أعمق يجعل شخصيته مختلفة.

تقرر واندرر في النهاية الهروب بدلا من تسليم مكان البشر إلى المطاردين، وتقودها ذكريات ميلاني إلى الصحراء بحثا عن جيمي وجاريد، تكون الرحلة شاقة وخطيرة وتكاد واندرر تموت لكن عم ميلاني جيب يعثر عليها وينقلها إلى مخبأ سري داخل شبكة من الكهوف الجبلية، حيث تعيش مجموعة من البشر الذين نجوا من الاحتلال، هناك تبدأ أصعب مرحلة في حياة واندرر، لأنها تجد نفسها وسط أشخاص يعتبرونها عدوا سرق جسد واحدة منهم.

لا يثق معظم البشر بها وبعضهم يحاول قتلها وعلى رأس هؤلاء جاريد الذي يرى في جسدها صورة ميلاني لكنه يعرف أن الروح التي بداخله ليست حبيبته، أما جيمي فيتعامل معها بطريقة مختلفة لأنه يصدق أن أخته ما زالت موجودة داخلها ويبدأ في رؤية واندرر باعتبارها شخصا مستقلا وليس مجرد كائن فضائي، أما جيب فيمتلك قدرا أكبر من التسامح والذكاء، فيسمح لها بالبقاء ويبدأ في التعامل معها كجزء من المجتمع.

شيئا فشيئا، تبدأ واندرر في اكتشاف عالم البشر الحقيقي، تساعدهم في أعمالهم اليومية وتتعلم حياتهم داخل الكهوف وتروي لهم قصصًا عن الكواكب التي عاشت فيها سابقا، وفي الوقت نفسه تبدأ بعض الشخصيات في اكتشاف أنها ليست كما تخيلوا، فهي لا تبحث عن إيذائهم ولا تريد الاستيلاء على حياتهم بل أصبحت متعلقة بهم رغم أنها في الأصل تنتمي إلى النوع الذي دمر عالمهم.

وتزداد الأمور تعقيدا عندما يقع إيان شقيق كايل في حب واندرر، المشكلة أن واندرر تعيش داخل جسد ميلاني والجسد نفسه ما زال يحمل مشاعر ميلاني تجاه جاريد، وهكذا يصبح هناك وضع عاطفي غير مألوف: واندرر تحب إيان بينما ميلاني ما زالت تحب جاريد وكلتاهما تعيشان في الجسد نفسه، لا تقدم الرواية هذا الأمر باعتباره مجرد مثلث حب تقليدي، بل تستخدمه لتطرح سؤالا عن الفرق بين الجسد والشخصية، وعن إمكانية أن يعيش شخصان مختلفان مشاعر مختلفة داخل الجسد نفسه.

يحاول جاريد في البداية إنكار وجود ميلاني لكنه يبدأ في الشك عندما يرى أن بعض ردود الأفعال لا يمكن تفسيرها إلا بوجودها، وعندما يتأكد من أن ميلاني ما زالت حاضرة يتغير موقفه تدريجيا، لكنه لا يستطيع أن يتقبل واندرر بسهولة، لأن وجودها يذكره دائمًا بأن جسد المرأة التي يحبها أصبح موطنا لشخص آخر.

وفي الجانب الآخر تبدأ واندرر في اكتشاف الجانب المظلم من مقاومة البشر، فهي لا تكتشف فقط أن الأرواح قادرة على ارتكاب الأخطاء، بل ترى أيضا أن البشر، الذين تعتبر نفسها الآن جزءا منهم، ليسوا ملائكة، يصل الأمر إلى أن ترى تجارب يجريها الطبيب دوك لمحاولة إخراج الأرواح من أجساد البشر وإعادة الوعي الأصلي إلى أصحابه، لكن التجارب تفشل وتؤدي إلى موت الأرواح والبشر معا الأمر الذي يصدم واندرر بشدة لأنها ترفض فكرة قتل أي كائن من أجل إنقاذ كائن آخر.

هذه اللحظة مهمة لأنها تجعل الرواية تتجاوز الصراع التقليدي بين البشر والفضائيين، فمع الوقت يصبح من الصعب تحديد من هو الخير المطلق ومن هو الشر المطلق، هناك أرواح طيبة يمكنها أن تتغير، وهناك بشر قادرون على القسوة، وهناك شخصيات تحاول فقط النجاة، واندرر نفسها تصبح مثالًا على إمكانية تغيير الإنسان عندما يتعرف إلى الآخر بدلا من الحكم عليه مسبقا.

عندما يصاب جيمي إصابة خطيرة وتصبح حياته مهددة، تتصرف واندرر بطريقة تثبت أنها أصبحت مرتبطة بالبشر أكثر مما تتوقع، تخاطر بالذهاب إلى مكان تسيطر عليه الأرواح للحصول على الدواء الذي يحتاج إليه جيمي، وتنجح في إنقاذه، هذا التصرف يغير نظرة كثير من أفراد المجموعة إليها، لأنهم يرون أنها لم تعد مجرد روح غريبة تسكن جسد ميلاني، وإنما أصبحت مستعدة للمخاطرة بحياتها من أجلهم.

وفي الوقت نفسه تستمر سيكر، الروح التي كانت تبحث عن واندرر، في مطاردتها، وعندما تصل في النهاية إلى مكان البشر، يصبح خطر اكتشاف المجموعة حقيقيا، لكن الأحداث تأخذ منحى مختلفا عندما يقع مصير سيكر نفسها في أيدي البشر، وهنا تتاح لواندرر فرصة للانتقام، لكنها تختار عدم قتلها، وتبحث بدلا من ذلك عن طريقة لإنقاذها وإعادتها إلى عالم الأرواح بعيدا عن الأرض، هذا القرار يكشف مدى التحول الذي طرأ عليها، فهي لم تعد ترى العالم بمنطق “نحن وهم”، وإنما أصبحت قادرة على التعاطف مع شخص ينتمي إلى الطرف الذي كان يطاردها.

يكتشف دوك في النهاية طريقة أكثر نجاحا لفصل الروح عن جسد الإنسان، وتقرر واندرر أن تضحي بنفسها حتى تعود ميلاني إلى جسدها، فهي ترى أن هذا الجسد يخص ميلاني، وأن استمرار وجودها فيه يعني حرمانها من حياتها، وعلى الرغم من أن واندرر أصبحت تحب إيان وتعتبره جزءًا من حياتها، فإنها مستعدة للتخلي عن كل شيء حتى تستعيد ميلاني جسدها وحريتها.

لكن النهاية تحمل مفاجأة عاطفية مهمة، فبدلا من موت واندرر، يتم العثور على جسد بشري فارغ يمكنها أن تعيش فيه دون أن تسرق حياة إنسان آخر، وبذلك تستعيد ميلاني جسدها وتعود إلى جاريد، بينما تبدأ واندرر حياة جديدة بجسد مستقل مع إيان، وهكذا لا تضطر الرواية إلى إنهاء الصراع بقتل أحد الطرفين، وإنما تقدم حلا يقوم على التعايش وإعطاء كل شخصية حقها في الوجود.

في نهاية الرواية، يصبح واضحا أن تجربة واندرر وميلاني غيرت الطرفين معا، ميلاني التي بدأت وهي ترى واندرر مجرد غازية تسرق جسدها، تتعلم أن هذا الكائن قادر على الحب والتضحية والرحمة، واندرر التي وصلت إلى الأرض وهي تنتمي إلى نوع يعتقد أن البشر خطر على الكوكب، تكتشف أن البشر يمتلكون قدرة هائلة على الحب والوفاء والتضحية، وأن عيوبهم لا تلغي إنسانيتهم.

وتصل الرواية في نهايتها إلى فكرة أكثر تفاؤلا: الاختلاف لا يعني بالضرورة العداء، والآخر الذي يبدو غريبا ومخيفا في البداية قد يصبح قريبا عندما نفهمه، فواندرر لم تنتصر على البشر، والبشر لم ينتصروا على الأرواح بالطريقة التقليدية، وإنما حدث شيء أكثر أهمية تغيرت نظرة كل طرف إلى الآخر.

“المضيف”في جوهرها ليست مجرد رواية عن غزو فضائي أو قصة حب، وإنما رواية عن الهوية والحرية والقدرة على التغيير، تسأل الرواية عما يجعل الإنسان إنسانا: هل هو الجسد؟ أم الذاكرة؟ أم المشاعر؟ أم الاختيارات التي نتخذها؟ ومن خلال العلاقة الغريبة بين ميلاني وواندرر، توضح الرواية أن الشخصية قد تتجاوز الجسد، وأن الحب قادر على بناء روابط تتخطى الاختلافات التي تبدو مستحيلة في البداية.

كما تقدم الرواية فكرة أن الرحمة ليست ضعفا، وأن التضحية بالذات من أجل الآخر يمكن أن تكون أقوى من الرغبة في الانتقام، واندرر التي تبدأ الرواية باعتبارها كائنا غريبا يعيش داخل جسد إنسانة، تنتهي وهي أكثر إنسانية من كثير من البشر الذين قابلتهم، وهذا هو التحول الأكبر في القصة: لم تعد واندرر تحاول فقط أن تعرف كيف يعيش البشر، بل أصبحت واحدة منهم في مشاعرها واختياراتها، حتى لو لم تكن بشرية في أصلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلمة الأخيرة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
______________________
حقوق النشر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
________________
البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: المضيف (The Host)

المؤلف: ستيفاني ماير (Stephenie Meyer)

دار النشر: Little, Brown and Company

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأمريكية الأولى

سنة النشر: 2008

عدد الصفحات: 619 صفحة

رقم الإيداع: يختلف حسب الطبعة

ISBN: 9780316068048
_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *