قراءة في كتاب الخوف من الحرية — إريك فروم

 

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

______________________

 

 

يطرح إريك فروم في كتاب “الخوف من الحرية” سؤالا يبدو بسيطا لكنه يحمل وراءه مشكلة عميقة: لماذا يخاف الإنسان أحيانا من الحرية التي ناضل من أجلها؟ فمن الطبيعي أن نتصور أن الإنسان إذا تحرر من القيود والقوانين التي تفرض عليه حياته، فإنه سيصبح أكثر سعادة واستقلالا، لكن فروم يرى أن الأمر أكثر تعقيدا، فالتحرر من القيود لا يعني بالضرورة أن الإنسان أصبح قادرا على استخدام حريته بطريقة صحيحة، فقد يجد نفسه فجأة أمام مسؤولية الاختيار وأمام عالم لا يقدم له إجابات جاهزة فيشعر بالقلق والوحدة وعدم الأمان فيبدأ بالبحث عن وسيلة يتخلص بها من عبء الحرية.

 

يربط فروم هذه المشكلة بالتغيرات التي حدثت في المجتمع الأوروبي، وخاصة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، ففي المجتمع الإقطاعي كان الإنسان يعيش داخل شبكة اجتماعية محددة سلفا، وكان يعرف إلى حد كبير مكانه ودوره وعلاقاته وواجباته، لم تكن أمامه مساحة كبيرة للاختيار، لكن هذه القيود كانت تمنحه في الوقت نفسه إحساسا بالانتماء والأمان، ومع ظهور عصر النهضة والإصلاح الديني والرأسمالية الحديثة، بدأ الفرد يتحرر تدريجيا من هذه الروابط القديمة، أصبح أكثر استقلالا، لكنه أصبح أيضا أكثر انفصالا عن الجماعة وأكثر مسؤولية عن مصيره.

 

ويرى فروم أن هذه العملية أنتجت نوعا جديدا من الإنسان، إنسانا أكثر استقلالا من الناحية الفردية، لكنه في الوقت نفسه أكثر شعورا بالعزلة والقلق، فالحرية السلبية أي التحرر من القيود لا تكفي وحدها، عندما يتحرر الإنسان من سلطة خارجية دون أن يمتلك قدرة داخلية على توجيه حياته، يمكن أن تتحول الحرية نفسها إلى عبء، فالشخص الذي لم يتعلم كيف يقرر لنفسه قد يشعر بالضياع عندما تختفي الأوامر التي اعتاد أن يتبعها.

 

ويعتبر فروم أن المشكلة الأساسية ليست في الحرية ذاتها، وإنما في عدم قدرة الإنسان على التعامل معها، فالإنسان يريد أن يكون مستقلا، لكنه يريد أيضا أن يشعر بأنه جزء من شيء أكبر منه، يريد أن يختار لكنه يريد في الوقت نفسه من يطمئنه إلى أن اختياره صحيح، يريد أن يكون فردا له شخصيته لكنه يخاف من الوحدة التي قد تنتج عن اختلافه عن الآخرين، ومن هنا ينشأ الصراع بين الحاجة إلى الاستقلال والحاجة إلى الأمان والانتماء.

 

ويشرح فروم أن الإنسان عندما يعجز عن تحمل هذه الحالة قد يلجأ إلى طرق مختلفة للهروب من الحرية، ومن أهم هذه الطرق التسلط حيث يتخلى الفرد عن استقلاله ويخضع لقوة أكبر منه أو يحاول هو نفسه السيطرة على الآخرين حتى يتخلص من شعوره بالعجز، الإنسان الخائف من الحرية قد يبحث عن قائد قوي أو نظام صارم أو جماعة تمنحه شعورا بأنه لم يعد مسؤولا وحده عن قراراته، وفي المقابل قد يحاول فرض إرادته على الآخرين فيصبح التسلط بالنسبة إليه وسيلة للهروب من ضعفه الداخلي.

 

وهناك طريق آخر يتمثل في التدمير، فالإنسان الذي يشعر بأنه عاجز أمام عالم لا يستطيع السيطرة عليه قد يحاول تدمير الأشياء أو الأشخاص الذين يشعرون بأنه مقيد أمامهم، فالتدمير يمنح الإنسان شعورا مؤقتا بالقوة، فإذا لم أستطع التحكم في العالم، يمكنني على الأقل أن أؤذيه أو أفسده، لكن هذا النوع من القوة ليس قوة حقيقية لأنه لا يبني شيئا، وإنما يحاول التخلص من مصدر القلق عن طريق القضاء عليه.

 

أما الطريقة الثالثة التي يناقشها فروم فهي ما يمكن تسميته بالامتثال الآلي، وهنا لا يخضع الإنسان لشخص واحد أو سلطة محددة، وإنما يصبح شبيها بالآخرين في أفكاره وملابسه ورغباته وأهدافه حتى يفقد إحساسه الحقيقي بذاته، يبدو من الخارج مستقلا، لكنه في الواقع يعيش وفق ما يتوقعه المجتمع منه، يعتقد أنه اختار طريقه بنفسه بينما تكون رغباته في كثير من الأحيان قد تشكلت وفق الموضة والإعلانات والضغط الاجتماعي والتقاليد السائدة.

 

وهذه الفكرة من أكثر أفكار الكتاب ارتباطا بالحياة الحديثة، فالإنسان قد يظن أنه حر لأنه يستطيع اختيار ما يشتريه وما يلبسه وما يشاهده وأين يعمل ومن يتابع لكنه قد لا يسأل نفسه: هل هذه رغباتي فعلا؟ أم أنها رغبات تعلمت أن أمتلكها لأن المجتمع جعلني أعتقد أنها ضرورية؟ بالنسبة إلى فروم، الحرية الحقيقية لا تعني مجرد كثرة الاختيارات، وإنما أن يكون الإنسان قادرا على معرفة نفسه واختيار ما يتفق مع طبيعته وقيمه بدل أن يتحرك تلقائيا وفق رغبات الآخرين.

 

ويتحدث فروم كذلك عن العلاقة بين الحرية والاقتصاد فالرأسمالية الحديثة ساعدت الإنسان على التحرر من كثير من القيود التقليدية، لكنها في الوقت نفسه جعلته أكثر اعتمادا على السوق والعمل والنجاح الاقتصادي أصبح الإنسان يقاس في كثير من الأحيان بما يمتلكه وبما يستطيع إنتاجه وبمكانته الاجتماعية، ومن هنا قد تتحول قيمة الإنسان في نظر نفسه إلى شيء مرتبط بالنجاح الخارجي، فيعيش في منافسة مستمرة مع الآخرين ويشعر بأنه يجب أن يثبت قيمته طوال الوقت.

 

ويرى فروم أن الإنسان الحديث قد يتحول إلى سلعة هو الآخر، فهو لا يبيع المنتجات فقط، وإنما يحاول أن “يبيع نفسه” في سوق العمل والعلاقات الاجتماعية، يهتم بكيفية تقديم شخصيته وبمدى جاذبيته وقيمته بالنسبة إلى الآخرين، وقد يبدأ في تقييم نفسه كما لو كان منتجا يجب أن يكون مطلوبا في السوق، وعندما يفشل في الحصول على التقدير الذي يريده، يشعر بأنه بلا قيمة، رغم أن قيمته الإنسانية لا ينبغي أن تكون مرتبطة بهذه المعايير.

 

كما ينتقد فروم فكرة أن الإنسان يستطيع أن يكون حرا بمجرد أن يرفض كل القيود، فالتمرد وحده ليس حرية، يمكن لشخص أن يرفض سلطة والديه، ثم يصبح تابعا لسلطة أصدقائه، ويمكنه أن يرفض المجتمع ثم يصبح عبدا لرأي جماعته الجديدة، ويمكنه أن يرفض الدين أو السياسة أو العادات، ثم يستبدلها بسلطة أخرى دون أن يدرك ذلك، ولذلك فإن الحرية الحقيقية تحتاج إلى وعي داخلي يجعل الإنسان قادرا على الاختيار، لا مجرد القدرة على الرفض.

 

وفي جزء مهم من الكتاب يتناول فروم صعود الفاشية والنازية ويحاول تفسير كيف يمكن لمجتمع من الأفراد أن يقبل نظاما استبداديا بدل أن يتمسك بحريته، وهو لا يفسر ذلك فقط بالعنف والقمع، وإنما يرى أن الظروف الاجتماعية والنفسية قد تجعل الإنسان مستعدا للتنازل عن جزء من حريته مقابل الشعور بالأمان والانتماء والقوة، الفرد الذي يشعر بالعزلة والعجز قد يجد في الجماعة المتطرفة هوية جديدة تمنحه شعورا بأنه أصبح جزءا من قوة أكبر منه.

 

وهنا تصبح الحرية بالنسبة إلى فروم مسؤولية وليست مجرد امتياز، فالإنسان الحر يجب أن يتحمل نتائج قراراته، وأن يكون قادرا على التفكير المستقل، وأن يعترف بمسؤوليته تجاه الآخرين، وهذا النوع من الحرية لا يؤدي إلى العزلة، بل إلى علاقة أكثر صحة بالمجتمع، فالإنسان يستطيع أن يكون مستقلا دون أن يكون منفصلا، وأن يحب الآخرين دون أن يفقد ذاته، وأن ينتمي إلى جماعة دون أن يتخلى عن عقله.

 

ويقترح فروم في النهاية مفهوما أكثر إيجابية للحرية، فهو يميز بين الحرية “من” والحرية “إلى” الحرية من تعني التخلص من القيود والسلطات المفروضة، أما الحرية إلى فتعني امتلاك القدرة على استخدام هذه الحرية في بناء حياة حقيقية، فإذا تحرر الإنسان من القيود لكنه لم يعرف ماذا يفعل بحريته، فإنه قد يعود إلى التبعية بطريقة أخرى، أما إذا أصبح قادرا على الحب والعمل والإبداع والتفكير المستقل، فإنه يستطيع تحويل الحرية من مصدر للقلق إلى مصدر للقوة والنضج.

 

ويرى فروم أن الحب والعمل هما من أهم الطرق التي يستطيع الإنسان من خلالها تحقيق هذه الحرية الإيجابية، الحب الحقيقي عنده لا يعني الذوبان في الآخر أو الاعتماد عليه، وإنما يعني الارتباط به مع الحفاظ على استقلال الشخصية، وكذلك العمل لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة للحصول على المال أو إثبات القيمة، وإنما يمكن أن يصبح مجالا يعبر فيه الإنسان عن قدراته وإبداعه ويشعر بأنه يشارك بصورة حقيقية في الحياة.

 

وفي النهاية، لا يقدم “الخوف من الحرية” الحرية باعتبارها شيئا سهلا ومريحا، بل باعتبارها مسؤولية تحتاج إلى النضج، فالإنسان قد يهرب من الحرية لأنه يخاف الوحدة والاختيار والفشل، وقد يجد راحته في أن يقرر الآخرون عنه، لكن هذه الراحة لها ثمن لأنها تعني التخلي تدريجيا عن الذات، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف أصبح حرا؟ وإنما: هل أملك القدرة على أن أكون حرا دون أن أهرب من مسؤوليتي؟

 

جوهر الكتاب أن الإنسان لا يخاف من القيود فقط، بل قد يخاف أيضًا من غيابها، وعندما يحصل على الحرية دون أن يمتلك وعيا بذاته، قد يبحث عن سلطة جديدة أو جماعة جديدة أو أفكار جاهزة تمنحه الإحساس بالأمان، أما الحرية الحقيقية في نظر فروم فهي أن يستطيع الإنسان أن يكون نفسه وأن يختار بوعي وأن يحب دون تبعية وأن يعمل ويبدع دون أن يجعل قيمته مرهونة بنظرة الآخرين إليه، إنها ليست مجرد التحرر من سلطة الخارج، وإنما بناء قوة داخلية تجعل الإنسان قادرا على مواجهة العالم دون أن يفقد نفسه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكلمة الأخيرة

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

______________________

حقوق النشر

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

________________

البطاقة التعريفية للكتاب

 

العنوان: الخوف من الحرية

المؤلف: إريك فروم (Erich Fromm)

دار النشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

بلد النشر: لبنان – بيروت

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1972

عدد الصفحات: 237 صفحة

رقم الإيداع: —

ISBN: 9780805031492

 

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *