حين تتوقف عن لوم الحياة.. تبدأ في تغيير نفسك

تلخيص: رامي البنا

قراءة صحفية تحليلية في كتاب «Mudamos pelo que Fazemos – نتغير بما نفعله»

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

 

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

١ـ رسالة الكاتب للقارئ

يحاول إيفاندرو سواريش مونتيرو، من خلال كتابه “نتغير بما نفعله”، أن يضع القارئ أمام حقيقة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التعقيد عندما يتعلق الأمر بتطبيقها في الحياة، وهي أن التغيير لا يحدث لمجرد أننا نرغب فيه، ولا لأننا فهمنا المشكلة، وإنما يبدأ عندما نتحول من التفكير في التغيير إلى ممارسة فعلية تقود إليه.

 

ينطلق الكاتب من رؤية ترى أن الإنسان كثيراً ما ينشغل بالأشياء التي لا يستطيع التحكم فيها، فيمنحها جزءاً كبيراً من طاقته واهتمامه، بينما يتجاهل المساحة التي يستطيع أن يتحرك داخلها، سواء في أفكاره أو ردود أفعاله أو اختياراته أو طريقة تعامله مع الآخرين.

 

ومن هنا يحاول الكتاب تحرير الإنسان من فكرة الانتظار، انتظار أن تتغير الظروف أو الأشخاص أو الماضي حتى يبدأ هو في التغيير، لأن انتظار العالم الخارجي قد يتحول إلى ذريعة دائمة لتأجيل مراجعة الذات.

 

فالكاتب لا يطلب من القارئ أن ينكر صعوبة الحياة، ولا أن يتجاهل الألم والإحباط والخوف، وإنما يدعوه إلى فهم هذه المشاعر والتعامل معها باعتبارها جزءاً من التجربة الإنسانية، وليس باعتبارها دليلاً على الفشل.

 

والرسالة الأعمق التي يتركها الكتاب هي أن الإنسان لا يستطيع دائماً اختيار ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يراجع الطريقة التي يستجيب بها لما يحدث.

 

٢ـ الأفكار القائمة عليها الكتاب

يقوم الكتاب على مجموعة من الأفكار التي تتدرج من فهم الذات إلى فهم المشاعر والعلاقات، ثم الانتقال من المعرفة إلى الفعل.

 

ويضع الكاتب الوعي بالذات في مقدمة عملية التغيير، لأن الإنسان لا يستطيع تعديل سلوك لا يفهم أسبابه، ولا يستطيع التعامل مع مشاعره إذا كان عاجزاً عن التعرف عليها أو التعبير عنها.

 

كما يناقش الكتاب علاقة الإنسان بماضيه، موضحاً أن التجارب السابقة قد تترك أثراً في الشخصية وطريقة التفكير والتعامل مع الآخرين، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى حكم نهائي على المستقبل.

 

ومن الأفكار المهمة التي يتناولها الكتاب كذلك التعاطف والمشاعر والعلاقات الإنسانية، فالإنسان لا يعيش بمعزل عن محيطه، ولذلك فإن تطوير الذات لا يمكن أن ينفصل عن الطريقة التي يفهم بها الآخرين ويتعامل معهم.

 

ويتوقف المؤلف عند موضوع التعلق والعلاقات، موضحاً أن بعض التجارب والعلاقات قد تؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين، وأن فهم هذه الأنماط يساعد على التعامل معها بصورة أكثر وعياً.

 

كما يناقش التوقعات والاحتياجات والرفض، حيث يمكن للإنسان أن يتحول إلى أسير لما يتوقعه من الآخرين، فيصبح رفضهم أو عدم استجابتهم سبباً في شعوره المستمر بعدم القيمة.

 

ويمنح الكتاب مساحة كذلك لموضوع الإحباط، ليس باعتباره عقبة يجب التخلص منها دائماً، وإنما باعتباره تجربة يمكن أن يتعلم الإنسان من خلالها الصبر والتحمل وإعادة تقييم أهدافه ووسائله.

 

ويصل الكاتب في النهاية إلى فكرة محورية تتوافق مع عنوان الكتاب، وهي أن الإنسان يتغير من خلال ما يفعله، وأن المعرفة وحدها لا تكفي لصناعة التحول، فالفكرة التي لا تتحول إلى سلوك تظل مجرد فكرة.

 

٣ـ بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

أولاً: التغيير يبدأ من الداخل.

 

لا يمكن للإنسان أن ينتظر تغير العالم من حوله بينما يرفض مراجعة أفكاره وسلوكياته، لأن التغيير الحقيقي يبدأ عندما يكتشف الإنسان ما يحتاج إلى إصلاحه في نفسه.

 

ثانياً: الوعي يسبق التغيير.

معرفة أسباب السلوك والمشاعر والقرارات تمنح الإنسان فرصة أكبر للتعامل معها بصورة واعية، بدلاً من الاستمرار في تكرار الأنماط نفسها.

 

ثالثاً: المسؤولية لا تعني جلد الذات

تحمل الإنسان مسؤولية اختياراته لا يعني تحميله مسؤولية كل ما يحدث له، وإنما يعني أن يدرك المساحة التي يستطيع التأثير فيها وأن يستخدمها بصورة أفضل.

 

رابعاً: لا يمكن السيطرة على كل شيء

الحياة تحتوي دائماً على أحداث وأشخاص ونتائج لا تخضع لإرادتنا، ولذلك فإن الحكمة تكمن في معرفة ما يمكن تغييره، وما يمكن التأثير فيه، وما يجب التعامل معه بالقبول.

 

خامساً: المشاعر ليست عدواً

الخوف والحزن والغضب والرفض ليست بالضرورة علامات ضعف، وإنما يمكن أن تكون رسائل تكشف للإنسان شيئاً عن احتياجاته ومخاوفه وطريقة تعامله مع الواقع.

 

سادساً: الإحباط جزء من رحلة النجاح.

الطريق نحو تحقيق الأهداف لا يخلو من التعثر، والإنسان الذي يتعلم التعامل مع الإحباط يصبح أكثر قدرة على الاستمرار وإعادة المحاولة.

 

سابعاً: العلاقات تؤثر في تشكيل الإنسان.

طريقة ارتباطنا بالآخرين، وتجاربنا السابقة معهم، وتوقعاتنا منهم، كلها عناصر يمكن أن تؤثر في صورتنا عن أنفسنا وعن العالم.

 

ثامناً: الممارسة أقوى من المعرفة المجردة.

 

قد يعرف الإنسان ما ينبغي عليه فعله، لكنه لا يتغير فعلياً إلا عندما يبدأ في ممارسة السلوك الجديد بصورة مستمرة.

 

تاسعاً: تطوير الذات ليس لحظة حماس.

التغيير المستدام لا يعتمد على دفعة مؤقتة من الحماس، وإنما يحتاج إلى ممارسة وصبر ومراجعة مستمرة للذات.

 

عاشراً: الفعل هو الاختبار الحقيقي للأفكار.

يمكن للإنسان أن يقرأ عشرات الكتب عن النجاح، لكنه لن يصبح أكثر نجاحاً لمجرد القراءة، فالتحول الحقيقي يظهر عندما تتحول الأفكار إلى قرارات وعادات وسلوكيات.

 

٤ـ الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يخاطب الكتاب كل شخص يشعر بأن حياته توقفت عند مرحلة معينة، أو يجد نفسه يكرر السلوكيات نفسها رغم معرفته بأنها لا تحقق له ما يريد.

 

كما يستهدف الأشخاص الذين يرغبون في فهم أنفسهم بصورة أفضل، والتعامل مع مشاعرهم وعلاقاتهم وتوقعاتهم بطريقة أكثر وعياً، بعيداً عن الخطابات السريعة التي تقدم التنمية البشرية باعتبارها مجموعة من العبارات التحفيزية.

 

ويستفيد من الكتاب كذلك المهتمون بعلم النفس والسلوك الإنساني، خصوصاً أن المؤلف ينطلق من خلفية مهنية في علم النفس، ويجمع في طرحه بين المعرفة النفسية والخبرة العملية والتأملات المرتبطة بالحياة اليومية.

 

ويبدو أن الكاتب يستهدف أيضاً القارئ الذي لا يريد أن يكتفي بالمعرفة النظرية، وإنما يرغب في اختبار الأفكار داخل حياته، وهو ما يظهر من اهتمام الكتاب بالتمارين والتطبيقات العملية.

 

وبذلك يمكن القول إن الكتاب موجه إلى القارئ الذي يسأل نفسه: لماذا أكرر الأخطاء نفسها، وماذا يمكنني أن أفعل حتى أبدأ فعلياً في تغيير حياتي؟

 

٥ـ أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

نقاط القوة

من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه لا يقدم التغيير الشخصي باعتباره طريقاً سريعاً أو وصفة سحرية، وإنما يتعامل معه باعتباره عملية تحتاج إلى وعي ومراجعة وممارسة.

 

كما أن الجمع بين علم النفس والتجارب الإنسانية والفلسفة يمنح الكتاب مساحة أوسع للتأمل، ويجعله يتجاوز بعض الأنماط التقليدية لكتب التنمية البشرية التي تركز بصورة أساسية على التحفيز.

 

ومن نقاط القوة كذلك اهتمام المؤلف بالجانب التطبيقي، إذ لا يكتفي بطرح الأفكار، وإنما يدفع القارئ إلى النظر في تجربته الخاصة ومراجعة بعض أنماط التفكير والسلوك.

 

كما أن انتقال الكتاب بين موضوعات مثل الذات والمشاعر والتعلق والعلاقات والرفض والإحباط والدافعية يجعل عملية التغيير تبدو باعتبارها منظومة مترابطة، وليست قراراً منفصلاً عن بقية جوانب الحياة.

 

نقاط الضعف

أما الجانب الذي يحتاج إلى قراءة نقدية، فيتمثل في أن التركيز على قدرة الفرد على تغيير نفسه قد يدفع بعض القراء إلى المبالغة في تحميل الإنسان مسؤولية ظروف لا يملك السيطرة عليها.

 

فالإنسان لا يعيش في فراغ، وهناك عوامل اجتماعية واقتصادية وأسرية ومهنية يمكن أن تؤثر في اختياراته وفرصه، ولذلك يجب ألا تتحول فكرة المسؤولية الشخصية إلى لوم دائم للذات.

 

كما أن بعض الأفكار المتعلقة بالتغيير قد تبدو مثالية إذا قرئت بعيداً عن الظروف الواقعية للأشخاص، فليس كل إنسان يمتلك القدر نفسه من الموارد والفرص والدعم.

 

ومن هنا فإن أفضل قراءة للكتاب هي التي تستفيد من دعوته إلى الفعل والمسؤولية، دون أن تتجاهل تعقيدات الواقع الإنساني.

 

٦ـ ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أول هذه المفاهيم هو المسؤولية الفردية.

 

فالكتاب يدفع القارئ إلى استعادة زمام المبادرة وعدم الاستسلام لدور الضحية، وهي فكرة مهمة، لكن تطبيقها يحتاج إلى توازن حتى لا تتحول المسؤولية إلى شعور دائم بالذنب.

 

هناك فرق بين أن تقول للإنسان: أنت مسؤول عن اختياراتك، وأن تقول له: أنت مسؤول عن كل ما حدث لك.

 

الفكرة الأولى تساعد على التغيير، بينما الثانية قد تؤدي إلى جلد الذات.

أما المفهوم الثاني فهو القبول.

 

فالقبول لا يعني الاستسلام للواقع، وإنما يعني الاعتراف به كما هو حتى يستطيع الإنسان التعامل معه،  فمن الصعب أن تغير شيئاً ترفض الاعتراف بوجوده، ومن الصعب أن تتجاوز تجربة ما إذا كنت تنكر تأثيرها عليك.

 

أما المفهوم الثالث فهو التغيير من خلال الفعل.

 

وهذه ربما تكون أكثر أفكار الكتاب ارتباطاً بعنوانه، لأن الإنسان قد يمتلك معرفة واسعة بما ينبغي أن يفعله، لكنه يظل في المكان نفسه إذا لم يحول المعرفة إلى ممارسة، وهنا يبرز سؤال مهم: كم مرة عرفنا الطريق الصحيح، لكننا لم نسلكه؟

 

إن الفجوة بين أن تعرف وأن تفعل هي واحدة من أكبر العقبات أمام التغيير الشخصي، وربما يكون الكتاب في جوهره محاولة للعبور من هذه الفجوة.

 

كما يحتاج مفهوم التنمية البشرية نفسه إلى إعادة النظر، فالتنمية ليست أن يصبح الإنسان نسخة مثالية من نفسه، وإنما أن يصبح أكثر قدرة على فهم ذاته، والتعامل مع نقاط ضعفه، والاستفادة من نقاط قوته، واتخاذ قرارات أكثر وعياً.

 

ومن هذه الزاوية، فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في الإجابات التي يقدمها، وإنما في الأسئلة التي يتركها داخل القارئ.

 

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة، إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

 

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

 

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان  Mudamos pelo que Fazemos : نتغير بما نفعله

المؤلف: Ivandro Soares Monteiro – إيفاندرو سواريش مونتيرو

دار النشر: Glaciar

بلد النشر: البرتغال

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2023

عدد الصفحات:  212 صفحة

رقم الإيداع: 515442/23

ISBN: 978-989-9090-36-1

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *