قراءة في كتاب «The Child’s Conception of Time» — تصور الطفل للزمن

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يبدو الزمن للبالغ حقيقة لا تحتاج إلى تفسير.

نعرف أن حدثًا وقع قبل آخر، ونميز بين الساعة والدقيقة، ونفهم معنى الانتظار والعمر والمدة والتزامن.

لكن هذه المفاهيم التي تبدو بديهية لا تظهر لدى الطفل في صورتها المكتملة.

من هنا يبدأ جان بياجيه في كتابه «The Child’s Conception of Time» من سؤال يرتبط بجوهر علم النفس النمائي.

كيف يبني الطفل مفهوم الزمن؟

الكتاب يمثل دراسة مبكرة ومهمة في كيفية تشكل المفاهيم الزمنية لدى الطفل، ولا ينظر إلى الزمن باعتباره معلومة يتعلمها الطفل من الكبار، بل باعتباره بناءً معرفيًا يتطور مع تطور قدرته على تنظيم الأحداث والحركة والمدة والعلاقات بينها.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

كان بياجيه مهتمًا بسؤال أكبر من معرفة ما إذا كان الطفل يستطيع قراءة الساعة.

كان يريد معرفة كيف تتكون المفاهيم التي تسمح للإنسان بفهم العالم.

والزمن من أكثر هذه المفاهيم تعقيدًا، لأنه لا يمكن الإمساك به بالطريقة نفسها التي نمسك بها الأشياء.

لا يمكن للطفل أن يرى «الزمن» باعتباره شيئًا مستقلًا.

إنه يتعرف إليه من خلال الأحداث والحركة والتغير والتتابع والمدة.

ولهذا امتدت أبحاث بياجيه حول الزمن لسنوات. وتشير مؤسسة جان بياجيه إلى أن أبحاثه حول الزمن والحركة والسرعة بدأت منذ منتصف أو أواخر عشرينيات القرن العشرين، قبل أن يصل إلى صياغة العمل المنشور عام 1946.

قراءة تحليلية

تكمن أهمية الكتاب في أنه يغير الطريقة التي ننظر بها إلى أخطاء الطفل.

عندما يخطئ الطفل في تقدير مدة حدث أو ترتيب حدثين، قد يبدو الخطأ للبالغ بسيطًا.

لكن بياجيه يرى في هذه الأخطاء نافذة على البناء الداخلي للتفكير.

فالطفل لا يملك منذ البداية تصورًا متكاملًا عن الزمن يمكنه تطبيقه على جميع المواقف.

يتعلم تدريجيًا الفصل بين الزمن والحركة والمسافة والسرعة.

وهذه النقطة تكشف جانبًا مهمًا من نظرية بياجيه.

المعرفة لا تتكون بمجرد تراكم المعلومات.

الطفل يعيد تنظيم العلاقات بين الأشياء والأحداث حتى يصبح قادرًا على التعامل معها بطريقة أكثر تجريدًا.

وتظهر أهمية هذا المنهج في دراسة مفهوم المدة.

فقد يربط الطفل في مرحلة مبكرة بين طول المسافة والزمن المستغرق، أو بين مقدار التغير المرئي وطول المدة.

ومع تطور التفكير يصبح قادرًا على التعامل مع الزمن باعتباره علاقة يمكن مقارنتها وقياسها حتى عندما تختلف الظروف الظاهرة.

توضح مؤسسة جان بياجيه أن دراسة المدة عند الأطفال اعتمدت على مسائل تتعلق بمقارنة أحداث تحدث بالتوازي، مثل تدفق الكمية نفسها من السائل في أوعية مختلفة، بهدف دراسة كيفية تنسيق الطفل بين المكان وترتيب الأحداث والسرعة والمدة.

هذه الطريقة تكشف عبقرية المنهج أكثر مما تكشف مجرد نتيجة واحدة.

فالاختبار لا يسأل الطفل عن تعريف الزمن.

إنه يضعه أمام موقف يحتاج فيه إلى استخدام مفهوم الزمن حتى يمكن معرفة الطريقة التي يبني بها هذا المفهوم.

وهنا يتحول الخطأ إلى معلومة علمية.

وهذا من أهم ما جعل أعمال بياجيه مؤثرة في علم النفس النمائي.

لكن الكتاب يفتح أيضًا بابًا للنقد.

فالتفسير القائم على مراحل النمو يوفر إطارًا لفهم التحولات المعرفية، لكنه قد يعطي أحيانًا انطباعًا بأن الأطفال يتحركون جميعًا عبر مسار واحد وبالسرعة نفسها.

وقد أظهرت الأبحاث اللاحقة أن أداء الطفل يمكن أن يتغير حسب طبيعة المهمة وطريقة صياغتها والخبرة التي يمتلكها والسياق الذي يحدث فيه الاختبار.

وهذا لا يلغي قيمة نتائج بياجيه، لكنه يجعل استخدامها اليوم أكثر حذرًا.

كما أن الكتاب ينتمي إلى مرحلة لم تكن فيها أدوات علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب النمائي قد تطورت كما هي اليوم.

لذلك من الأفضل قراءته باعتباره عملًا تأسيسيًا في تاريخ دراسة التفكير الزمني، وليس بوصفه الكلمة الأخيرة في فهم كيفية تمثيل الدماغ للزمن.

واللافت أن الزمن عند بياجيه لا يظهر كمفهوم منفصل.

إنه يتداخل مع الحركة والمكان والسرعة والعمل والعمر.

وتوضح مؤسسة جان بياجيه أن الطفل لا يصل إلى فهم كامل للتتابع الزمني إلا عندما يستطيع فصل العلاقات الزمنية عن السرعة والمكان والمسافة والعمل المنجز، ثم تنسيقها في نظام واحد.

وهنا تظهر قيمة الكتاب بالنسبة إلى التربية.

إذا كان الطفل لا يخطئ لأنه «لا يعرف الزمن»، وإنما لأنه لم ينسق بعد العلاقات التي يتكون منها المفهوم، فإن طريقة التعليم نفسها تحتاج إلى تغيير.

قد لا يكون السؤال الأفضل للمعلم هو «هل حفظ الطفل مفهوم الساعة؟».

السؤال الأهم قد يكون «هل يستطيع الطفل فهم العلاقة بين الحدث والمدة والتتابع؟».

وهذا فرق كبير في طريقة بناء التعليم.

ماذا يضيف هذا الكتاب للقارئ؟

  1. يوضح كيف يتشكل مفهوم الزمن لدى الطفل.
  2. يشرح العلاقة بين الزمن والحركة.
  3. يكشف أهمية التتابع في التفكير الزمني.
  4. يوضح الفرق بين إدراك الحدث وفهم مدته.
  5. يساعد على فهم أخطاء الأطفال بطريقة مختلفة.
  6. يربط بين الزمن والمكان والسرعة.
  7. يقدم مثالًا على البحث التجريبي في علم نفس النمو.
  8. يوضح جانبًا من نظرية بياجيه المعرفية.
  9. يفتح النقاش حول كيفية تعليم المفاهيم المجردة.
  10. يجعل مفهوم الزمن نفسه موضوعًا قابلًا للتحليل النفسي والمعرفي.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب طلاب علم النفس والتربية وعلم النفس النمائي.

كما يفيد الباحثين في تعليم الأطفال والرياضيات والعلوم، لأن فهم كيفية بناء المفاهيم الزمنية يرتبط بتعلم القياس والتسلسل والعمليات الحسابية.

ويهم الباحثين في فلسفة المعرفة وتاريخ علم النفس، خصوصًا المهتمين بسؤال كيف يتحول الإدراك العملي إلى مفهوم ذهني.

أما القارئ العام، فيمكن أن يجد فيه تفسيرًا مختلفًا لأخطاء الأطفال التي تبدو بسيطة في الحياة اليومية.

نقاط القوة

أهم نقاط قوة الكتاب هي طبيعة السؤال الذي يطرحه.

بياجيه لا يكتفي بسؤال ماذا يعرف الطفل، بل يبحث عن كيفية بناء المعرفة.

كما أن التجارب التي اعتمد عليها تسمح بقراءة إجابات الأطفال باعتبارها مؤشرات على مراحل مختلفة من تنظيم التفكير.

وتظهر قوة أخرى في الربط بين مفاهيم تبدو منفصلة للوهلة الأولى.

الزمن لا يدرس وحده، بل داخل شبكة تضم الحركة والمسافة والسرعة والتتابع والمدة.

وهذا يمنح الكتاب قيمة نظرية تتجاوز موضوعه المباشر.

ومن نقاط القوة كذلك أن العمل يكشف كيف يمكن استخدام أخطاء الأطفال في البحث العلمي.

الخطأ هنا ليس مجرد فشل في الإجابة.

إنه دليل يساعد الباحث على معرفة الطريقة التي يفكر بها الطفل.

حدود الكتاب

يجب قراءة الكتاب في سياقه التاريخي.

فالمنهج الذي اعتمده بياجيه في دراسة الأطفال أصبح لاحقًا موضوعًا للبحث والنقد وإعادة الاختبار.

كما أن مفهوم مراحل النمو لا يفسر وحده جميع الفروق بين الأطفال.

وتدخل الخبرة والتعليم واللغة وطبيعة المهمة في تشكيل الأداء.

كذلك فإن أدوات البحث الحديثة في علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب تقدم اليوم طرقًا أخرى لدراسة الإحساس بالزمن وتمثيله ومعالجته.

لذلك فإن قيمة الكتاب الحالية تكمن في دوره التاريخي والنظري، وفي الأسئلة التي فتحها أمام البحث، وليس في التعامل مع جميع استنتاجاته باعتبارها نتائج نهائية.

أخيرًا

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه أو مؤلفيه.

ملاحظة توثيقية

العنوان الفرنسي الأصلي هو «Le développement de la notion de temps chez l’enfant».

صدرت الطبعة الفرنسية الأولى عن Presses Universitaires de France في باريس عام 1946، وتذكر بيانات Google Books أن الطبعة تضم 298 صفحة. كما تسجل مؤسسة جان بياجيه طبعة ثانية عام 1973 وطبعة ثالثة عام 1981.

أما الترجمة الإنجليزية بعنوان «The Child’s Conception of Time»، فقد صدرت عن Routledge & Kegan Paul في لندن عام 1969، بترجمة Arnold J. Pomerans. وتضم الطبعة الإنجليزية xi، 285 صفحة، وتحمل ISBN-10 رقم 071006358X، ورقم LCCN هو 73435507، ورقم OCLC هو 1930549.

وتوجد طبعة أمريكية عن Basic Books تعود إلى 1970، إضافة إلى طبعات لاحقة عن Ballantine Books.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

  • العنوان الأصلي: Le développement de la notion de temps chez l’enfant
  • العنوان الإنجليزي: The Child’s Conception of Time
  • العنوان العربي: تصور الطفل للزمن
  • المؤلف: Jean Piaget
  • المترجم الإنجليزي: Arnold J. Pomerans
  • الناشر الفرنسي: Presses Universitaires de France
  • مكان النشر الأصلي: باريس
  • سنة النشر الفرنسية الأولى: 1946
  • عدد صفحات الطبعة الفرنسية المسجلة: 298 صفحة
  • الطبعة الإنجليزية: Routledge & Kegan Paul
  • مكان النشر: لندن
  • سنة النشر الإنجليزية: 1969
  • عدد صفحات الطبعة الإنجليزية: xi, 285 صفحة
  • ISBN-10: 071006358X
  • ISBN-13: 9780710063588
  • LCCN: 73435507
  • OCLC: 1930549
  • طبعة لاحقة: Basic Books، 1970

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *