قراءة في كتاب كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس – How to Win Friends and Influence People — ديل كارنيجي

تمهبد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يبدأ ديل كارنيجي كتابه “كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس” من ملاحظة بسيطة تتعلق بطبيعة الإنسان وعلاقته بمن حوله، فالإنسان مهما امتلك من علم أو ذكاء أو خبرة لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، ونجاحه في العمل والحياة يتأثر إلى حد كبير بقدرته على التواصل معهم وفهم احتياجاتهم ومشاعرهم، ولذلك لا يقدم كارنيجي كتابه باعتباره مجموعة من الحيل التي يمكن استخدامها للسيطرة على الناس، وإنما يحاول أن يعلم القارئ كيف يغير أسلوبه في التعامل حتى يصبح أكثر قدرة على بناء علاقات قائمة على الاحترام والثقة.

يرى الكاتب أن أحد أكثر الأخطاء شيوعا في العلاقات الإنسانية هو أن الإنسان يميل إلى انتقاد الآخرين ولومهم عندما يخطئون، وكأنه يتوقع أن يؤدي النقد إلى تغييرهم فورا، لكن التجربة الإنسانية كما يعرضها كارنيجي من خلال القصص والمواقف التي يستشهد بها، تشير إلى أن الشخص الذي يشعر بأنه متهم أو مهان غالبا ما يبدأ في الدفاع عن نفسه بدلا من التفكير في خطئه، لذلك فإن فهم الدوافع التي تقف خلف سلوك الاخرين قد يكون أكثر فائدة من إصدار الأحكام عليهم، فالإنسان لا يرى نفسه عادةً شريرا أو مخطئا من وجهة نظره، بل يمتلك أسبابا يعتقد أنها تبرر تصرفاته حتى لو لم يتفق الاخرون معها.

ومن هنا يطلب كارنيجي من القارئ أن يتعلم النظر إلى المواقف من وجهة نظر الاخرين، لأن هذه الخطوة تساعد على تقليل الصدام وتجعل التواصل أكثر سهولة، فالشخص الذي يريد إقناع شخص آخر لن ينجح دائما إذا تحدث عن رغباته ومصلحته فقط، وإنما عليه أن يفكر فيما يحتاج إليه الطرف الآخر وما الذي يمكن أن يجعله يرى الفكرة من زاوية مختلفة، وهذه الفكرة تمثل أحد المحاور الأساسية للكتاب لأن التأثير في الناس لا يبدأ بمحاولة السيطرة عليهم وإنما بمحاولة فهمهم.

ويؤكد كارنيجي أن الإنسان بطبيعته يحب أن يشعر بأهميته وأن يتم الاعتراف بجهوده وتقدير ما يقوم به، ولذلك يولي الكتاب أهمية كبيرة للاهتمام بالآخرين والاستماع إليهم وتذكر أسمائهم والسؤال عن اهتماماتهم، فالاستماع الحقيقي في رأيه ليس مجرد انتظار انتهاء كلام الطرف الآخر حتى نبدأ بالحديث، وإنما محاولة فهم ما يقوله والشعور بما يحاول التعبير عنه، ولهذا فإن الشخص الذي يجعل الآخرين يتحدثون عن أنفسهم ويشعرون بأن هناك من يهتم بهم يستطيع غالبا أن يبني علاقة أقوى من الشخص الذي يحتكر الحديث عن نفسه.

ويرتبط بذلك حديثه عن الابتسامة والتقدير والثناء، إذ يرى أن الكلمة الطيبة والتقدير الصادق يمكن أن يكون لهما تأثير كبير في نفس الإنسان، لكن القيمة هنا لا تكمن في المديح المصطنع لأن الإنسان يستطيع أن يشعر عندما تكون الكلمات مجرد وسيلة للحصول على شيء منه، أما التقدير الحقيقي فيظهر عندما نلاحظ جهدا أو صفة جيدة لدى شخص ونخبره بها بصدق، فالإنسان الذي يشعر بأن الآخرين يقدرونه يكون أكثر استعدادا للتعاون معهم، بينما يشعر الشخص الذي يتعرض دائما للتقليل بأنه مضطر إلى الدفاع عن نفسه.

ويظهر مفهوم التأثير بصورة أوضح عندما يتحدث كارنيجي عن الاختلافات والمناقشات، فهو يرى أن الدخول في نقاش بهدف إثبات أن الطرف الآخر مخطئ قد يؤدي إلى نتيجة عكسية حتى لو كانت الحجة منطقية، فالإنسان لا يتقبل بسهولة أن يشعر بأنه خسر أو تعرض للإهانة، ولذلك يمكن أن يتمسك برأيه لمجرد الدفاع عن كرامته، ومن الأفضل في كثير من الأحيان أن نبدأ بما نتفق عليه وأن نطرح الأسئلة وأن نعطي الطرف الآخر فرصة للتفكير بدلا من دفعه إلى موقف دفاعي.

ويشجع الكاتب أيضا على الاعتراف بالأخطاء بدل محاولة تبريرها باستمرار، فالاعتذار الصادق يمكن أن يوقف كثيرا من الخلافات كما أن الاعتراف بالخطأ لا يعني بالضرورة ضعف الشخصية، بل قد يكون دليلا على الثقة بالنفس والقدرة على تحمل المسؤولية، وفي المقابل فإن الشخص الذي يرفض الاعتراف بأي خطأ قد يخسر علاقاته تدريجيا لأنه يجعل الآخرين يشعرون بأنه غير مستعد لسماعهم أو احترام وجهة نظرهم.

وعندما ينتقل كارنيجي إلى الحديث عن القيادة يوسع هذه الأفكار لتشمل بيئة العمل، فالقائد الناجح في نظره ليس من يركز على أخطاء الآخرين طوال الوقت، وإنما من يعرف كيف يشجعهم ويظهر تقديره لما يفعلونه جيدا، ثم يساعدهم على تصحيح ما يحتاج إلى تعديل، وحتى عندما يكون هناك خطأ واضح، فإن توجيه النقد بطريقة تحفظ كرامة الشخص قد يكون أكثر فاعلية من إحراجه أمام الآخرين، فالهدف من القيادة ليس إثبات سلطة المدير وإنما الوصول إلى أفضل أداء ممكن من الفريق.

ومن هنا يتضح أن الكتاب يستهدف جمهورا واسعا، وليس رجال الأعمال أو البائعين فقط، فهو يخاطب كل إنسان يتعامل مع الآخرين في حياته اليومية، سواء كان موظفا أو مديرا أو طالبا أو أبا أو أما أو صديقا، فالمشكلات التي يناقشها كارنيجي مثل سوء الفهم والنقد والاختلاف والرغبة في التقدير موجودة في الأسرة والعمل والصداقات على حد سواء.

ومن أبرز نقاط قوة الكتاب أن أفكاره تقدم من خلال قصص وتجارب ومواقف واقعية مما يجعلها أسهل في الفهم والتذكر، كما أن الكتاب لا يكتفي بالحديث عن كيفية إقناع الآخرين، وإنما يركز على تغيير سلوك الإنسان نفسه مثل الاستماع والاعتراف بالخطأ واحترام الآخرين وتجنب الإهانة، وهذه المبادئ جعلت الكتاب يستمر في الانتشار رغم مرور عقود طويلة على صدوره.

ومع ذلك، فإن بعض أفكار الكتاب تحتاج إلى قراءة نقدية، فليس كل نقد ضارا، وليس من الحكمة دائما أن نتجنب المواجهة خوفا من إزعاج الآخرين، هناك مواقف يحتاج فيها الإنسان إلى أن يكون واضحا وحازما، وأن يضع حدودًا للعلاقات التي تتجاوز حقوقه، كما أن التركيز الشديد على كسب رضا الاخرين قد يؤدي إذا أسيء فهمه إلى إهمال الإنسان لاحتياجاته الخاصة وتحويله إلى شخص يسعى باستمرار إلى إرضاء الجميع، وهو أمر غير واقعي ولا صحي.

وتحتاج فكرة التأثير في الآخرين كذلك إلى التمييز بين التأثير والتلاعب، فمعرفة احتياجات الآخرين ومشاعرهم واستخدامها لبناء علاقة أفضل أمر إيجابي، لكن استغلال نقاط ضعفهم من أجل تحقيق مصلحة شخصية يختلف تمامًا عن التواصل الصحي، لذلك فإن أهم ما يمكن أن نستفيده من كارنيجي هو الجانب الإنساني في أفكاره وليس التعامل معها باعتبارها وسائل للحصول على ما نريد من الآخرين.

وفي النهاية فإن “كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس” ليس كتابا يقدم وصفة تجعل الجميع يحبون الإنسان وإنما دعوة إلى فهم طبيعة العلاقات الإنسانية والتعامل معها بقدر أكبر من الوعي، فالإنسان يريد أن يشعر بأنه مسموع ومقدر ومحترم، والطريقة التي نتحدث بها معه قد تحدد ما إذا كان سيفتح قلبه لنا أم سيدافع عن نفسه أمامنا، وتبقى قيمة الكتاب في أنه يجعل القارئ ينتبه إلى تفاصيل قد تبدو صغيرة مثل طريقة النقد، ونبرة الحديث والاستماع والاعتذار، والتقدير لكنها في مجموعها قادرة على تغيير شكل العلاقة.

والقراءة المتوازنة للكتاب لا تعني أن نتفق مع كل نصائحه أو أن نحاول إرضاء الجميع، وإنما أن نتعلم كيف نكون لطفاء دون ضعف وحازمين دون قسوة ومقنعين دون تلاعب ومستمعين دون أن نتخلى عن آرائنا، وفي النهاية فإن النجاح في العلاقات لا يعني أن ننتصر في كل نقاش بل أن نستطيع الاختلاف مع الآخرين دون أن نفقد احترامنا لهم أو احترامهم لنا، وأن نجعل التواصل وسيلة للتفاهم بدل أن يتحول إلى ساحة دائمة لإثبات من هو على حق.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس – How to Win Friends and Influence People

المؤلف: ديل كارنيجي (Dale Carnegie)

دار النشر: Simon & Schuster

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة المنقحة

سنة النشر: 1981

عدد الصفحات: 299 صفحة

رقم الإيداع: 80-28759

ISBN: 9780671425173

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *