كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
_____________________
يعد هذا الكتاب من الكتب التي تشرح العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوك بطريقة عملية وبسيطة، الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب هي أن الإنسان لا يتأثر بالأحداث وحدها، وإنما بالطريقة التي يفسر بها هذه الأحداث، فقد يحدث الموقف نفسه لشخصين، فيراه أحدهما مشكلة يمكن التعامل معها بينما يراه الآخر كارثة لا يستطيع تحملها، والاختلاف هنا لا يكون بالضرورة في الحدث نفسه، وإنما في الأفكار التي تدور في ذهن كل شخص تجاهه.
ينطلق الكتاب من فكرة مهمة وهي أن المشاعر ليست دائما انعكاسا للواقع، بل تتأثر بما نعتقده عن أنفسنا وعن الآخرين وعن المستقبل، عندما يتعرض الإنسان لموقف مزعج هنا تظهر في ذهنه أفكار سريعة وتلقائية قد لا ينتبه إليها أصلا، هذه الأفكار يمكن أن تكون مثل: “أنا دائما أفشل” أو “لا أحد يهتم بي”، أو “الأمور ستزداد سوءا”، أو “يجب أن يرضى عني الجميع”، المشكلة أن العقل قد يتعامل مع هذه الأفكار وكأنها حقائق مؤكدة، فتتولد عنها مشاعر قوية مثل الحزن أو القلق أو الغضب أو الإحباط، ثم يبدأ الإنسان في التصرف بناء على هذه المشاعر، فينسحب أو يتجنب أو يهاجم أو يؤجل أو يستسلم، مما قد يزيد المشكلة بدلا من حلها.
ويحاول الكتاب أن يعلم القارئ التوقف قليلا بين الحدث ورد الفعل، فبدلا من أن يحدث موقف ثم يأتي الشعور مباشرة، يمكن للإنسان أن يسأل نفسه: ماذا قلت لنفسي عندما حدث هذا؟ ماذا افترضت؟ ما الذي اعتبرته حقيقة رغم أنه ربما كان مجرد تفسير؟ هذه المسافة الصغيرة بين الموقف والفكرة والمشاعر تمنح الإنسان فرصة لاختيار رد فعل مختلف.
ومن أهم الأفكار التي يركز عليها الكتاب التعرف إلى الأفكار التلقائية، وهي الأفكار التي تظهر بسرعة شديدة حتى تبدو وكأنها حقيقة لا تحتاج إلى مناقشة، الشخص الذي يتلقى رسالة ولم يحصل على رد قد يقول لنفسه فورا إن الطرف الآخر يتجاهله، والشخص الذي يرتكب خطأ في عمله قد يعتقد أنه غير كفء، والشخص الذي يواجه مشكلة في علاقته قد يقرر أن العلاقة انتهت، لكن الكتاب يدعونا إلى النظر إلى هذه الأفكار باعتبارها فرضيات تحتاج إلى فحص وليس باعتبارها حقائق نهائية.
ويشير المؤلفان إلى أن العقل يقع أحيانا في أنماط من التفكير تجعل الموقف أكثر سوءا مما هو عليه، من هذه الأنماط التفكير بالأبيض والأسود، حيث يرى الإنسان نفسه إما ناجحا تماما أو فاشلا تمامًا، ويرى الآخرين إما رائعين أو سيئين، وهناك التعميم الزائد عندما تتحول تجربة واحدة سيئة إلى حكم على الحياة كلها، مثل أن يفشل الإنسان في شيء فيقول: “أنا لا أنجح في أي شيء”، وهناك أيضًا التركيز على الجانب السلبي وتجاهل الجوانب الإيجابية، وقراءة أفكار الآخرين دون دليل، وتوقع أسوأ النتائج وكأنها مؤكدة، وتحميل النفس مسؤولية أشياء لا يملك الإنسان السيطرة عليها.
ولا يكتفي الكتاب بأن يقول للإنسان “فكر بإيجابية”، لأن الفكرة ليست استبدال التفكير السلبي بتفكير إيجابي مصطنع، المطلوب هو التفكير بصورة أكثر واقعية وتوازنا، فإذا فشل الإنسان في أمر ما، ليس من الضروري أن يقول لنفسه “أنا رائع ولم أفشل”، لأن ذلك قد يكون بعيدا عن الحقيقة، وإنما يمكنه أن يقول: “فشلت في هذه المحاولة، لكن هذا لا يعني أنني شخص “فاشل”ويمكنني أن أعرف سبب الخطأ وأحاول مرة أخرى، الفرق هنا أن الفكرة الجديدة ليست مجرد كلام إيجابي، وإنما تفسير أكثر عدلا للواقع.
ويقدم الكتاب أسلوبا عمليا لمراقبة المواقف التي تؤثر في الحالة النفسية، يبدأ الإنسان بتحديد الموقف، ثم يلاحظ المشاعر التي شعر بها ومدى قوتها، وبعد ذلك يحاول اكتشاف الأفكار التي ظهرت في رأسه في تلك اللحظة، هذه الخطوة تبدو بسيطة، لكنها تساعد على اكتشاف العلاقة بين ما يحدث في الخارج وما يحدث داخل الإنسان، ومع تكرار الملاحظة يبدأ الشخص في التعرف إلى الأنماط التي تتكرر لديه، وربما يكتشف أنه يغضب دائمًا عندما يشعر بأنه غير مقدر أو يشعر بالحزن عندما يفسر أي نقد على أنه رفض لشخصه أو يشعر بالقلق عندما يحاول ضمان المستقبل بالكامل.
بعد ذلك تأتي مرحلة فحص الأفكار بدلا من تصديقها مباشرة، يمكن للإنسان أن يسأل نفسه: ما الأدلة التي تؤيد هذه الفكرة؟ وما الأدلة التي لا تؤيدها؟ هل هناك تفسير آخر للموقف؟ ماذا كنت سأقول لشخص أحبه لو كان يمر بالموقف نفسه؟ وهل أنا أستخدم معيارا قاسيا مع نفسي لا أستخدمه مع الآخرين؟ هذه الأسئلة لا تهدف إلى تبرير كل شيء، وإنما إلى الوصول إلى صورة أكثر توازنا.
ويؤكد الكتاب أيضًا أن تغيير الأفكار وحده قد لا يكون كافيا دائما، لأن السلوك يمكن أن يحافظ على المشاعر السلبية أو يزيدها، الشخص الذي يخاف من الفشل قد يتجنب التجربة، وهذا التجنب يجعله يشعر مؤقتا بالراحة، لكنه في الوقت نفسه يقوي اعتقاده بأنه غير قادر على المواجهة، لذلك يشجع الكتاب على تغيير بعض السلوكيات تدريجيًا، وتجربة أفعال جديدة تسمح للشخص باختبار أفكاره بدلا من الاستسلام لها، فالإنسان الذي يعتقد أنه لا يستطيع التعامل مع موقف معين قد يكتشف من خلال التجربة أنه يستطيع تحمله والتعامل معه بصورة أفضل مما كان يتوقع.
ومن الأفكار المهمة أيضًا أن الإنسان ليس مضطرا إلى انتظار تغير مزاجه حتى يبدأ في التصرف بشكل مختلف، أحيانا يكون العكس هو الصحيح، أي أن تغيير السلوك يمكن أن يساعد على تغيير المزاج، الخروج من العزلة، والقيام بمهمة مؤجلة والتواصل مع شخص داعم والعودة إلى نشاط كان الإنسان يستمتع به، كلها أشياء يمكن أن تكسر الدائرة التي تربط بين الخمول والمشاعر السلبية.
ويتعامل الكتاب مع القلق بطريقة مشابهة، فالقلق غالبا يجعل الإنسان يعيش في المستقبل ويعامل الاحتمالات وكأنها أحداث مؤكدة، لذلك يصبح من المهم التمييز بين ما يمكن التحكم فيه وما لا يمكن التحكم فيه، إذا كان هناك شيء يمكن فعله، فمن الأفضل تحويل القلق إلى خطوة عملية، وإذا لم يكن هناك شيء يمكن فعله الآن، يصبح من الضروري عدم الاستمرار في إعادة السيناريو نفسه داخل الرأس بلا نهاية.
أما الغضب، فيوضح الكتاب أن المشكلة ليست دائما في الشعور بالغضب نفسه، فالانفعال قد يكون إشارة إلى أن شيئًا مهما بالنسبة للإنسان قد تم انتهاكه أو تجاهله، لكن الأفكار المصاحبة للغضب يمكن أن تضخمه، مثل الاعتقاد بأن الآخرين يتعمدون إيذاءنا دائما أو أنهم يجب أن يتصرفوا بالطريقة التي نريدها، عندما يتعلم الإنسان اكتشاف هذه الأفكار، يصبح أكثر قدرة على التعبير عن غضبه بطريقة واضحة بدلا من الانفجار أو التصرف بصورة يندم عليها لاحقًا.
وفي التعامل مع انخفاض المزاج يشجع الكتاب على عدم انتظار الشعور بالطاقة أو الرغبة حتى يبدأ الإنسان في الحركة، فالاكتئاب أو الحزن قد يدفعان الشخص إلى الانسحاب من الأشياء التي تمنحه معنى أو متعة، وهذا الانسحاب يزيد الحزن فتتكون دائرة مغلقة، وكسر هذه الدائرة يبدأ أحيانا بخطوة صغيرة جدًا، وليس بتغيير الحياة كلها دفعة واحدة.
وفي النهاية، لا يقدم “العقل فوق المزاج” وعدا بأن الإنسان يستطيع التحكم في كل مشاعره بمجرد تغيير أفكاره، الحياة ستظل تحمل الخسارة والرفض والفشل والظروف التي لا يمكن السيطرة عليها، لكن الكتاب يحاول أن يمنح الإنسان طريقة مختلفة للتعامل معها أن يلاحظ ما يحدث داخله، وأن يميز بين الحقيقة والتفسير، وأن يفحص أفكاره بدلا من الانقياد لها، وأن يغير بعض سلوكياته تدريجيا، الفكرة الأهم أن المشاعر يمكن فهمها بدلا من الخوف منها، والأفكار يمكن مناقشتها بدلا من اعتبارها حقائق مطلقة، ومع الممارسة يصبح الإنسان أكثر قدرة على رؤية نفسه ومشكلاته بقدر أكبر من الهدوء والواقعية، فلا يعود أسيرا لكل فكرة عابرة أو لكل تغير في مزاجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلمة الأخيرة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
______________________
حقوق النشر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
________________
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: العقل فوق المزاج – Mind Over Mood
المؤلف: دينيس جرينبرجر (Dennis Greenberger) وكريستين بادسكي (Christine A. Padesky)
دار النشر: The Guilford Press
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الثانية
سنة النشر: 2015
عدد الصفحات: 304 صفحات
رقم الإيداع: يختلف حسب الطبعة والبلد
ISBN: 9781462520428
—
_______________________________________







