عندما نتحدث عن المدرسة، غالبًا ما نتحدث عن المناهج، والامتحانات، والدرجات، ونسب النجاح، وكأن المدرسة مكان يذهب إليه الطفل كل صباح لكي يتعلم مجموعة من المعلومات ثم يعود إلى البيت. لكن الحقيقة أن الطفل لا يدخل المدرسة بعقله فقط، وإنما يدخل إليها بشخصيته ومشاعره وخوفه وأسئلته وطريقة نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين. ولذلك فإن ما يحدث داخل المدرسة لا يتوقف تأثيره عند حدود الكتاب أو ورقة الامتحان، وإنما يمتد إلى شخصية الطفل نفسها، وربما يظل معه لسنوات طويلة بعد أن يترك مقعده الدراسي.
الطفل يقضي جزءًا كبيرًا من سنوات تكوينه داخل المدرسة. هناك يتعلم كيف يتعامل مع المختلف عنه، وكيف يطلب حقه، وكيف يعبر عن رأيه، وكيف يتقبل أن يخطئ، وكيف يتعامل مع النجاح، وكيف يتصرف عندما يخسر. وهناك أيضًا يبدأ في تكوين صورة عن نفسه: هل أنا ذكي؟ هل أنا قادر؟ هل صوتي مسموع؟ هل أستطيع أن أكون مختلفًا؟ أم أنني يجب أن أفعل دائمًا ما يريده الآخرون حتى أكون مقبولًا؟
وهنا تظهر خطورة الدور الحقيقي للمدرسة.
المدرسة لا تعلم الطفل ماذا يعرف فقط، وإنما تعلمه بشكل غير مباشر من يكون.
قد يدخل طفل إلى المدرسة وهو شديد الثقة بنفسه، يحب الكلام واللعب وطرح الأسئلة، ثم يجد مع الوقت أن كثرة الأسئلة تزعج المدرس، وأن الخطأ يعرضه للسخرية، وأن التعبير عن رأيه قد يجعله في موقف محرج. فيبدأ بالتراجع. يقل كلامه، ويخاف من التجربة، ويصبح هدفه الأساسي ألا يخطئ.
وفي المقابل، قد يكون هناك طفل خجول أو ضعيف الثقة بنفسه، لكنه يجد مدرسًا يؤمن به، ويشجعه، ويمنحه فرصة للكلام والمشاركة، فيكتشف بعد فترة أنه يستطيع أن يفعل أشياء لم يكن يتخيل أنه قادر عليها.
نفس الطفل.
لكن تجربة مختلفة.
وهذا يوضح لنا أن تأثير المدرسة لا يرتبط فقط بما يقال داخل الفصل، وإنما بالطريقة التي يشعر بها الطفل وهو موجود فيه.
فالمدرس الذي يقول للطفل: “أنت تستطيع”، قد يترك أثرًا أكبر من درس كامل. والمدرس الذي يسخر من إجابة خاطئة قد يجعل الطفل يخاف من المشاركة لسنوات. والمدرسة التي تكافئ الحفظ فقط قد تجعل الطفل يعتقد أن قيمته مرتبطة بدرجاته، بينما المدرسة التي تعطي مساحة للتجربة قد تعلمه أن الخطأ ليس نهاية العالم.
وهنا يجب أن نتوقف أمام فكرة مهمة جدًا: الأطفال لا يتذكرون دائمًا كل ما درسناه لهم، لكنهم يتذكرون جيدًا كيف جعلناهم يشعرون.
قد ينسى الطفل تفاصيل درس الرياضيات، لكنه قد يتذكر مدرسًا جعله يشعر لأول مرة أنه ذكي. وقد ينسى قطعة القراءة، لكنه قد يتذكر موقفًا شعر فيه أن زملاءه سخروا منه ولم يجد من يحميه. وقد لا يتذكر اسم الدرس الذي حصل فيه على الدرجة النهائية، لكنه قد يتذكر اليوم الذي قيل له فيه أمام زملائه إنه لا يصلح لشيء.
لهذا فإن بناء شخصية الطفل يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من وظيفة المدرسة، وليس نشاطًا جانبيًا يحدث إذا كان هناك وقت متاح بعد الانتهاء من المنهج.
فالطفل يحتاج إلى أن يتعلم احترام الآخر، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يتعلم احترام نفسه. يحتاج إلى التعاون، لكنه يحتاج كذلك إلى أن يعرف كيف يضع حدودًا. يحتاج إلى الانضباط، لكن دون أن يتحول الانضباط إلى خوف. يحتاج إلى احترام المعلم، لكن دون أن يفقد حقه في السؤال والنقاش.
والمدرسة الناجحة ليست المدرسة التي تجعل كل الأطفال نسخة واحدة من بعضهم.
بالعكس.
المدرسة الناجحة هي التي تساعد كل طفل على اكتشاف شخصيته وقدراته.
لأن الأطفال ليسوا متشابهين. هناك الطفل الذي يتفوق في الحساب، وهناك من يبدع في الرسم، وهناك من يستطيع قيادة مجموعة، وهناك من يمتلك قدرة كبيرة على الكلام والإقناع، وهناك من يكون هادئًا لكنه شديد الملاحظة، وهناك من يحتاج إلى وقت أطول لكي يكتشف موهبته.
وإذا تعاملنا مع النجاح باعتباره رقمًا واحدًا في شهادة، فنحن بذلك نظلم عددًا كبيرًا من الأطفال.
المشكلة أن بعض الأنظمة التعليمية تجعل الطفل يشعر أن هناك طريقًا واحدًا للنجاح، ومن لا يستطيع السير فيه يصبح وكأنه فشل. بينما الحياة نفسها تثبت لنا أن الناس لا ينجحون بالطريقة نفسها، ولا يمتلكون القدرات نفسها، ولا يصلون إلى أهدافهم في العمر نفسه.
وهنا يأتي دور المدرسة في توسيع مفهوم النجاح.
ليس المطلوب أن يحصل الجميع على الدرجة النهائية، وإنما أن يعرف كل طفل أن لديه شيئًا يمكن أن يقدمه.
وهذا لا يعني بالطبع أن نتعامل مع الدراسة باستهانة. العلم مهم، والانضباط مهم، والالتزام مهم، والدرجات لها قيمتها. لكن الطفل يجب ألا يتعلم أن قيمته الإنسانية تختصر في نتيجته.
لأن الطفل الذي يعتقد أن قيمته في درجاته فقط قد يتحول مع الوقت إلى شخص يخاف الفشل أكثر مما يحب النجاح.
والخوف من الفشل قد يكون أخطر من الفشل نفسه.
فالشخص الذي يخاف أن يخطئ لن يجرب، والذي لا يجرب لن يتعلم، والذي لا يتعلم سيظل واقفًا في مكانه حتى لو كان يحمل أفضل الشهادات.
ولهذا يجب أن تكون المدرسة مكانًا يسمح للطفل بأن يخطئ بأمان.
أن يقول إجابة غير صحيحة دون أن يخاف من السخرية.
أن يشارك في نشاط حتى لو لم يكن الأفضل.
أن يقدم فكرة قد لا تنجح.
أن يدخل في منافسة ويتعلم كيف يخسر باحترام، وكيف يفرح عندما يفوز دون أن يقلل من الآخرين.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تبني الشخصية.
ولا يمكن الحديث عن شخصية الطفل دون الحديث عن زملائه أيضًا. فالمدرسة هي أول مجتمع حقيقي يتعامل معه الطفل خارج نطاق الأسرة. هناك يكتشف أن الناس مختلفون، وأن بعضهم سيحبه وبعضهم لن يحبه، وأن هناك من يشبهه ومن يختلف عنه، وأن الحياة ليست دائمًا عادلة، وأنه يحتاج إلى أن يعرف كيف يتعامل مع هذه الاختلافات.
ولهذا فإن مواجهة التنمر داخل المدرسة ليست رفاهية.
الطفل الذي يتعرض للتنمر باستمرار قد يحمل صورة سلبية عن نفسه، وقد يبدأ في الانسحاب أو الخوف أو العدوان، وقد يصدق الكلمات التي يسمعها من الآخرين. وفي المقابل، الطفل الذي يتعلم أن يسخر من زميله دون أن يجد من يوقفه، قد يكبر وهو يعتقد أن القوة تعني إهانة الأضعف.
وهنا المدرسة لا تكون مجرد مكان لمشاهدة المشكلة.
هي جزء من الحل.
يجب أن يتعلم الطفل أن الاختلاف ليس سببًا للإهانة، وأن القوة ليست في رفع الصوت، وأن احترام الآخر لا يعني أن تتفق معه في كل شيء.
لكن مسؤولية المدرسة لا تعني إعفاء الأسرة من دورها.
الطفل لا يعيش بشخصيتين منفصلتين؛ شخصية في البيت وشخصية في المدرسة. ما يتعلمه هنا يؤثر هناك، وما يسمعه في البيت قد ينعكس داخل الفصل. ولذلك فإن أفضل نتيجة تحدث عندما يكون هناك تعاون حقيقي بين الأسرة والمدرسة.
لا أن تتعامل الأسرة مع المدرسة باعتبارها المكان الذي يجب أن “يصلح” الطفل، ولا تتعامل المدرسة مع الأسرة باعتبارها سبب كل مشكلة.
الطفل يحتاج إلى الاثنين.
يحتاج بيتًا يشعر فيه بالأمان، ومدرسة تساعده على اكتشاف العالم.
يحتاج والدين يسمعانه، ومدرسًا يعرف كيف يوجهه.
يحتاج إلى قواعد واضحة، لكنه يحتاج أيضًا إلى مساحة للتعبير.
وفي النهاية، ربما يكون أهم ما يجب أن نفهمه هو أن المدرسة ليست مرحلة مؤقتة تمر في حياة الطفل ثم تنتهي. إنها واحدة من أهم البيئات التي تتشكل داخلها شخصيته، وطريقة تفكيره، وعلاقته بنفسه وبالآخرين.
المدرسة التي تعلم الطفل أن السؤال عيب، قد تخرج شخصًا يخاف من السؤال.
والمدرسة التي تعلمه أن الخطأ فضيحة، قد تخرج شخصًا يخاف من التجربة.
والمدرسة التي تعلمه أن النجاح هو الدرجة فقط، قد تخرج شخصًا يملك شهادة ولا يعرف ماذا يفعل بها.
أما المدرسة التي تعلمه كيف يفكر، وكيف يحترم، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يختلف، وكيف يعتذر، وكيف يبدأ من جديد، فهي لا تخرج طالبًا جيدًا فقط.
هي تخرج إنسانًا جيدًا.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام التعليم.
أن نسأل أنفسنا في نهاية كل عام دراسي ليس فقط: كم طالبًا نجح؟
بل نسأل سؤالًا أهم:
كم طفلًا خرج من المدرسة وهو أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على التفكير، وأكثر احترامًا للآخر، وأكثر استعدادًا لمواجهة الحياة؟
لأن الامتحان قد ينتهي في ساعتين، لكن شخصية الطفل التي ساهمنا في بنائها داخل المدرسة قد ترافقه طوال عمره.
وفي النهاية.. المدرسة لا تصنع درجات فقط، المدرسة تصنع أجيالًا. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين أن نعلم الطفل كيف ينجح في الامتحان، وأن نعلمه كيف ينجح في الحياة.







